الجبير في بغداد!

هل كانت زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الى بغداد، متوقعة؟ اعتقد ان المراقب للاحداث، كان يتوقع هذا، ويتوقع عهدا جديدا من العلاقات العراقية ليس مع السعودية وحدها، بل مع دول الخليج التي ظلت على خلاف مع بغداد، طيلة السنوات الماضية. الزيارة في توقيتها الحساس، تدعو الى قراءة التحولات الجوهرية التي حصلت في المنطقة والتي ستحصل، لاسيما في ملفي العراق وسوريا، والحرب في اليمن، وما ال اليه المسار في تلك المناطق الملتهبة.

لا نعتقد ان احدا من جميع الاطراف المعنية بالازمة التي تعصف بالمنطقة، يتحرك اليوم بوضع مستريح، فالكل عالق ويريد الخلاص، والجميع مشتبك مع الجميع، ولا يملك طرف واحد مفاتيح الحل من دون مساعدة الاخرين، بمن فيهم خصومه! فاميركا التي بركت في الرمال العراقية وشعرت بان هذا البلد الذي انفقت عليه منذ احتلاله في العام 2003 نحو ثلاثة ترليونات دولار، وفقا لما ذكره الرئيس الاميركي ترامب مؤخرا، لا تريد ان تتخلى عنه لخصمها اللدود ايران. وايران نفسها لا تريد لاميركا ان تجعل العراق شبه مقسّم لتقيم كيان كردي شبه مستقل، موال لها ولاسرائيل على حدودها الشمالية، وتقطع عليها الطريق ايضا الى سوريا ولبنان من خلال اقليم في غرب العراق لا يكن لها ودا، كثر الحديث عنه مؤخرا، لاسيما بعد دخول داعش، التي يرى بعض الاميركان ومنهم الرئيس ترامب نفسه، وكذلك العراقيين ان ادارة اوباما هي التي وقفت وراء صناعته، لانهاك العراق واعادته الى بيت الطاعة الاميركي! قبل فدرلته المحتملة.

تركيا التي تخشى من خطورة المشروع الاميركي في العراق وسوريا على امنها القومي وقفت هي الاخرى ضده، ولو بطريقة محاكية للطريقة الأوبامية، أي اللعب على ورقة داعش ومقترباتها الارهابية! اذ لا اخلاق في السياسة، فالكل يلعب والضحايا شعوب دول ميدان الصراع وحدها، العراق وسوريا، والبقية يحاربون بالنيابة. وتركيا ترى ايضا ان العراق القريب من ايران سيحرمها من عمق اقتصادي كبير، بعد ان عملت على احتواء اقليم كردستان اقتصاديا، وصارت تسعى لوضع يدها على الموصل وكركوك بطريقة او باخرى، لكي توازن النفوذ الايراني في العراق. السعودية وبعض دول الخليج التي وجدت نفسها تخوض حرب استنزاف مريرة في اليمن، تريد ان تحقق ما يطمئنها من يمن المستقبل المدعوم ايرانيا، والذي مازال مصيره حائرا بين طاولة التفاوض وساحات القتال، وكذلك من عراق ترى انه بات قريبا من منافستها ايران، التي تتقاطع معها في العديد من الملفات، في العراق وسوريا واليمن والبحرين. والسؤال الذي يطرح نفسه، هو أي من هذه الدول حققت كل ما تريده؟ الجواب هو ان أي منها لم يحقق ذلك ولو جزئيا حتى الان، وان بدا لها انها حققت شيئا، فالانهاك طال الجميع من دون جدوى، ودول المنطقة مازالت عالقة بشعوبها في حرب مدمرة اتت على كل شيء، قبل التدخل الروسي الذي وضع الجميع امام استحقاقات جديدة، لان تداعيات هذه المشاريع المتقاطعة سترتد على موسكو بما يجعلها محاصرة جيوسياسيا، واقتصاديا، وهو ما لا يمكن ان تتقبله، ليبدأ بعد تدخلها العسكري والسياسي، العمل على اعادة التوازن للميدان المشتبك، وربما يكون التدخل الروسي جاء بتوافق وتخطيط مع واشنطن المنهكة او المتورطة، لتقاسم النفوذ في المنطقة، وابعاد دول الاقليم المتصارعة، والتي عجزت جميعها عن اقصاء بعضها البعض من الميدان، وادركت بعد التدخل الروسي، ان دورها وتأثيرها في مجرى الاحداث صار ثانويا، وان عليها ان تراجع نفسها، ومخططاتها التي لن تتحقق في ظل تفاهم جديد بين موسكو وواشنطن، ستتبعه او ستسير في ظله، تفاهمات اقليمية يعرف كل طرف حجمه الطبيعي فيها، وان التنافس الاقليمي على العراق وسوريا بات من الماضي، أي ان على الجميع ان يعود من حيث اتى، وان تغييرا جوهريا في خرائط المنطقة لن يحصل.

الشيء الذي يقرأ من زيارة عادل الجبير الى بغداد، هو ان عراق ما بعد داعش يجب ان يكون غير ما قبله، وان دعم العبادي اميركيا وخليجيا، سيجعله اقرب الى العرب من ايران، التي ظلت تحاول ان تقعّد عراق ما بعد داعش وفقا لرؤيتها من خلال نفوذها في العراق، وان هذه الزيارة جاءت بايعاز وتخطيط من واشنطن، وربما بتفاهم مسبق مع ايران من خلال القنوات السرية، وبطريقة غير مباشرة، لان الترتيبات النهائية للمنطقة برمتها، قيد الامور الاجرائية، سواء على مستوى الحرب التي تكاد تضع اوزارها او التفاوض الذي سينتهي الى مخرجات تم حسم خطوطها النهائية في واشنطن وموسكو، لكن الذي حصلت عليه دول الاقليم المؤثرة، هو انها قد تخرج من اللعبة كلها من دون نجاح ومن دون فشل ايضا!