مناطق السنة في العراق تحتكم لقوانين الميليشيات

الحشد يحكم والنازحون يعانون

رغم تحريرها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية منذ فترات طويلة، إلا نازحي عدة مناطق في العراق على غرار بابل وديالى مازالوا يمنعون من العودة لديارهم تحت ذرائع مختلفة أبرزها الوضع الأمني الغير مستقر. ولكن وراء هذه التعلات وهذا التعطيل المتعمد لعودتهم تقف برامج دخل بعضها حيز التنفيذ وتهدف لتغيير الخارطة الديمغرافية في هذه المدن تحت غطاء طائفي في ظل غياب الدولة وتصاعد سلطة المليشيات ونفوذ قادة العشائر.

يواصل أهالي ما يقارب سبع مناطق عراقية ذات غالبية سنية العيش كلاجئين في مخيمات تفتقر إلى الكثير من ضروريات الحياة اليومية، رغم تحرير مدنهم من سيطرة الدولة الإسلامية منذ فترات تصل حد الثلاث سنوات بالنسبة لبابل على سبيل الذكر لا الحصر. ولم تجد نداءاتهم المتتالية آذانا صاغية لدى سلط الإشراف في البلاد التي أوكلت مهمة إدارة هذه المدن أمنيا على المليشيات الطائفية ولا سيما الحشد الشعبي الذي يباشر تكريس مخطط تغيير ديمغرافي على مقاس طائفيته مستفيدين من حجة الدولة الإسلامية وتوظيفها على أكثر من صعيد.

ويقول بعض المتابعين أن غالبية المدن التي منع أهلها من العودة تتمتع بخصائص إما جغرافية أو دينية هامة تجعلها هدفا لأطراف بعينها ولا سيما المرتبطة بإيران، إذا ما تبين أن هذه المناطق يقع بعضها على الحدود الإيرانية وهي ذات غالبية سنية، فيما يشكل البعض الآخر بوابة رئيسية لمراقد الأئمة الشيعة.

وعلى كثرتهم إلا أن سكان جرف الصخر الواقعة شمال محافظة بابل، ومدينة ديالى هم أكثر من يعانون حتى اليوم في ظل استمرار منعهم من العودة لديارهم والاكتفاء بتقديم مبررات بمثابة مسكنات، في حين يجري على الأرض ما يخالف الوعود بحتمية رجوعهم فور القضاء على مخلفات الدولة الإسلامية.

جرف الصخر بابل

منعت مليشيات الحشد الشعبي نحو 80 ألف نازح من مناطق شمالي محافظة بابل ذات الغالبية السنية، من العودة إلى مناطقهم المحررة منذ قرابة ثلاث سنوات، وتحديدا أهالي جرف الصخر. في خطوة أدانتها كتلة اتحاد القوى (أكبر كتلة سنية في البرلمان العراقي)، معتبرة أن الأمر يؤكد أن هناك نوايا حقيقية لإجراء تغيير ديمغرافي.

وجرف الصخر، الواقعة شمال محافظة بابل، سقطت بيد الدولة الإسلامية بعد احتلاله الموصل منتصف عام 2014. وتمكنت مليشيا "الحشد الشعبي"، تساندها وحدات الحرس الثوري الإيراني وقطعات عسكرية عراقية من السيطرة عليها نهاية العام ذاته.

ويتم تبرير سبب منع عودة النازحين إلى جرف الصخر بأن الناحية غير مؤهلة تماما لعودة الأهالي إلى منازلهم، وأن إعادة اعمار جرف الصخر يحتاج إلى ما يقارب سنتين، والحال أنه مر قرابة ثلاث سنوات دون تحقيق الوعود المتتالية. كما يتم الترويج لوجود أكثر من 20 ألف عبوة ناسفة ولغما أرضيا في جميع مناطق الناحية وأن رفعها يتطلب جهدا هندسيا متخصصا وتخصيصات مالية لا تمتلكها المحافظة.

ولكن الكثير من المنظمات الحقوقية العراقية والدولية تكذب هذه المزاعم، تؤكا أن المنطقة مطهرة، ولكنها تحولت تدريجيا إلى معقل المليشيات التي تتعمد منع عودة الناس بدوافع طائفية.

وقد ذكرت جملة من التقارير أن هذه المنطقة تتعرض لتغيير ديمغرافي غير مسبوق، حيث قامت عناصر مليشيا الحشد الشعبي، باستقدام أسرهم، وتوطينهم في جرف الصخر بعد أن تم تسجيل مساحات كبيرة من الأراضي بأسماء أقارب لعناصر في المليشيا، مستفيدة من عنصر غياب الدولة وامتلاك سلطة واسعة للتصرف.

وأمام الانتشار الكبير للمليشيات الشيعية في الجرف ومحافظة بابل عموما، وتمهيدا لتغيير ديمغرافية المدينة، سعت جهات تابعة للعتبتين الحسينية والعباسية لتغيير اسم المدينة "بابل" بـ"الإمام الحسين"، رغم الطابع التاريخي لاسم المدينة وارتباطها الوثيق بحضارة الدولة. ولكن يبدو أن الطابع الطائفي في دولة العراق الغائبة أو التي تتعمد الغياب في مثل هذه الملفات، أصبح فوق الأبعاد الحضارية والتاريخية العريقة للبلاد.

والواقع أن مثل هذه الخطوات لا تبدو غريبة في بلد تحكمه مليشيات تحتكم لسلطة خامنئي، وتدين بالولاء لدولته التي لا تكترث إلا لاتساع نفوذها في العراق وتغيير هويته وتاريخه بما يتناسب ويتلاءم مع أهدافها، مستفيدة من هذه الأذرع الطائفية أولا، والفاقدة لفهم معنى الانتماء لبلادها أساسا.

وتحظى بابل باهتمام المليشيات ويسعون لتغيير حتى تسميتها لأنها تعتبر البوابة الرئيسية لزوار كربلاء، في حين انها منطقة ذات غالبية سنية. ولهذا ولأن كل ما يرتبط بمراقد الأئمة وغيرها من المزارات تحتاج بالضرورة لتدخلهم تحت ذريعة توفير الأمن والحماية، فإن هذا المبرر أتاح لهم الفرصة للتوسع في المدينة والعمل على إخلائها من اهلها وتوطينها وفق اسس طائفية.

ويقول المتابعون أنه وبتوجيه من إيران وأمام الصمت المتعمد للحكومة يتم استبعاد الأهالي النازحين عبر إطالة أمد بقائهم في المخيمات لسنوات مضت وأخرى ستأتي حتى تدخل المسألة حيز التعود، وربما سيخرج متساكنون جدد لهذه الديار يدعون ملكيتها مدعومين في ذلك بقوة المليشيات ودعم إيران وضمان تغاضي الحكومة.

وتجدر الإشارة انه قد توفي من النازحين في الجرف، جراء نقص الغذاء والأمراض وهجمات قذائف الهاون، 31 مدنيا، ضمنهم 16 طفلا وست نساء.

ديالى معاناة مزدوجة

تعاني ديالى المحافظة ذات الغالبية السنية هي الأخرى من نفس المعضلة في ظل إصرار قوات الحشد على عدم عودة النازحين لمناطقهم وتنفيذ خطط تغيير ديمغرافي وصفت بالخطيرة في الكثير من التقارير، هذا فضلا عن عمليات الاعتقال والقتل خارج إطار القانون على يد المليشيات المارقة.

إذ تشهد المحافظة عملية تغيير ديموغرافي ممنهجة شملت عمليات قتل وتهجير واعتقالات واسعة النطاق بالإضافة إلى منع النازحين من الأهالي من العودة إلى ديارهم، وتشير آخر الإحصاءات إلى أن 2000 عائلة فقط استطاعت العودة إلى مناطقها في ديالى من أصل أكثر من 150 ألف عائلة نازحة.

وضمن خطة التغيير الديمغرافي للمحافظة، تم استغلال سيطرة تنظيم الدولة على مناطق في محافظة ديالى لتعزيز حضور مليشيا الحشد الشعبي التي سيطرت أمنيا على ديالى، وقامت بخطوات كبيرة في اتجاه تفعيل هذا المخطط.

وأوضح تقرير صادر عن "مكتب جنيف الدولي للعدالة" بعنوان "جرائم التطهير العرقي والطائفي في ديالى" أن ما يجري في محافظة ديالى يعد "تغييرا ديموغرافيا" يجري لمصلحة الشيعة على حساب السنة، تحت أنظار الحكومة العراقية ومباركتها.

وذكر التقرير أسماء 19 من الشخصيات السياسية والعسكرية المعروفة التي لها يد فيما يجري في المحافظة ومن أبرز هذه الأسماء رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، هادي العامري، أبو مهدي المهندس قيادات بالحشد الشعبي، وحيدر العبادي رئيس الوزراء الحالي، قيس الخزعلي قائد ميليشيا عصائب أهل الحق، قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وغيرهم من الشخصيات.

وتتجاهل الحكومة العراقية ما يجري في ديالى ولا تحرك ساكنا لمنع الجرائم المرتكبة في بها، وهو ما وضعها في دائرة الاتهام بالتواطؤ، بل أن الكثير من الجهات تتهمها بفرض تعتيم إعلامي على ما يجري في المنطقة، وعدم التعامل بجدية مع الأحداث، وعدم القيام بأي إجراء لملاحقة الجناة، وهو ما اعتبره المتابعون بمثابة التشجيع للمليشيات على الاستمرار في عمليات القتل والحرق والتهجير وتكرس خطط التغيير الديموغرافي.

وتدفع ديالى ثمن موقعها الجغرافي الاستراتيجي بالنسبة لإيران خاصة، فهي المحافظة العراقية الوحيدة ذات الغالبية السنية العربية التي لها حدود مع إيران يبلغ طولها 240 كيلو متر، وتمثل أقرب الطرق المؤدية إلى العاصمة بغداد من جهة إيران عبر منفذي مندلي وبدرة، كما أنها تمثل مثلثا جغرافيا بين إقليم كردستان العراق وبغداد وإيران. هذا علاوة على انها تمثل أقصر طريق بري من إيران إلى سوريا.

من جهة أخرى تعتبر من المداخل الرئيسية للبضائع والزوار الإيرانيين إلى العراق، بالتالي فإنها تشكل أهمية عسكرية واقتصادية واجتماعية بالنسبة لطهران.

هذا دون اعتبار ما يفرضه قادة العشائر من قوانين صارمة على النازحين من المدينة، بذريعة انتماء احد أفراد العوائل لتنظيم الدولة الإسلامية. وهو ما يحتم حسب قوانينهم ضرورة ترحيلهم من ديارهم أو القصاص منهم، هذا فضلا عن فرض غرامات مالية ضخمة مقابل السماح بالعودة مستفيدين في ذلك من حالة الانفلات الأمني وغياب الدولة في هذه المدن.

والواقع أن حكومة بغداد تحاول تسليط الضوء على بعض الملفات الأخرى في البلاد كمعركة الموصل والأزمة الاقتصادية على حساب هذه الملفات التي تدرك جيدا عجزها على حلها وفق الطرق السليمة والصحيحة لا سيما وهي شريك في المخطط برمته.

فمهمة طرد المليشيات أو تحدي العشائر النافذة أشبه بالانتحار بالنسبة للعبادي، ولهذا فإن الإبقاء على آلاف النازحين يعانون في المخيمات مع الاستمرار في تقديم وعود كاذبة، هو أفضل الخيارات بالنسبة إليه لا سيما وانه يعي جيدا أن هذه المليشيات لن تتوانى عن الدخول في مواجهة عسكرية معه في حال تم إجبارها على الخروج من مناطق تحولت تدريجيا إلى معاقل ومناطق نفوذ. هذا دون أن ننسى أن رضاء خامنئي قبل رضاء وامن العراقيين بالنسبة للحكومة العراقية.