حركة النهضة.. القبول بدستور تونس الحرة!

مكره أخاك لا بطل

حكمت حركة النهضة في تونس رغم حصولها على أكبر عدد من أصوات المقترعين عبر "الترويكا"؛ حيث تحالفت مع حزبين آخرين هما حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" وترأسه المنصف المرزوقي، وحزب التكتل الديموقراطي وترأسه مصطفى بن جعفر. تقاسمت حركة النهضة مراكز السلطة في البلاد مع الحزبين اللذين قبلا المشاركة في الحكم معها وأصبح المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية ومصطفى بن جعفر رئيساً للجمعية التأسيسية التي ستتولى وضع الدستور التونسي وترأس حمادي الجبالي الحكومة، التي كانت غالبية وزرائها من حكومة النهضة، وقد نال الحزبان اللذان تحالفا مع النهضة انتقادات كبيرة لما اعتبره المنتقدون خيانة لناخبي هذين الحزبين حين قبلا التحالف مع حركة النهضة الإسلامية، بيد أنه رغم الاستقطاب وروحه فإنه لم يكن استقطاباً حاداً كما حدث في مصر؛ إذ كان لدى القوى السياسية قابلية لإمكان التراجع وعدم المضي قدماً في المواجهة والوصول لحلول وسط، كما أن حركة النهضة اعتمدت سياسة توظيف مكسبها السياسي لتحقيق الاستفادة لحركتها، بيد أنها كانت حين يجد الجد تتراجع.

إثر اغتيال المعارض شكري بلعيد الأمين العام لحزب الوطنيين الديموقراطيين، الذي قتله مسلحون أمام بيته واتهم شقيقه وزوجته حركة النهضة بقتله، أعلن حمادي الجبالي الأمين العام لحركة النهضة ورئيس الوزراء أنه سيشكل حكومة كفاءات تحكم البلاد إلى وقت الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، وأراد بذلك أن يخرج من صيغة المحاصصة التي اعتمدتها النهضة في تشكيل حكومته مع الحزبين المتحالفين معها، بيد أن حركة النهضة والحزبين المتحالفين معها رفضا وفشل الجبالي في تشكيل حكومة كفاءات غير حزبية فاستقال من رئاسة الحكومة.

اللافت للانتباه هنا أن حمادي الجبالي فكر في ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية كمستقل ليس له علاقة بحزب حركة النهضة، بيد أن الحركة رفضت وأكدت رفضها الالتفاف على قرارها بعدم ترشيح أحد من منتسبيها لمنصب الرئيس، وهو ما جعل الجبالي يقرر التراجع عن ترشيح نفسه لأسباب متصلة بثورة تونس والتحديات التي تواجهها، وهنا نجد أيضاً حسم حركة النهضة تجاه الالتزام بقرارها عدم ترشح أحد من أعضائها لمنصب الرئيس، وأعلن الجبالي قبل أسبوعين من جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية في تونس أنه يستقيل من حركة النهضة التي لم تحسم موقفها تجاه دعم المنصف المرزوقي الذي أيده الجبالي علناً. تحدثت تقارير عن إمكانية قيادة حمادي الجبالي لانشقاق داخل النهضة يتحرر فيه مما يعتبر قيادة تاريخية لا تستجيب لمطالب الثورة في تونس.

الموقف من الشريعة الإسلامية

لم تدرج حركة النهضة في برنامجها الانتخابي قضية الشريعة الإسلامية، كما قبلت الفصل الأول من الدستور التونسي الذي تم إقراره عام 1959 وينص على أن تونس دولة حرة مستقلة لغتها العربية ودينها الإسلام، ورأى الغنوشي أن المجتمع التونسي مجمع على ذلك القدر من الدستور التونسي، بينما إثارة موضوع الشريعة ستؤدي إلى تقسيمه إلى معسكرين واحد مع الشريعة وآخر ضدها، وأنه مع تغليب الوحدة على الانقسام، كما أن الشريعة وتطبيقاتها في بعض البلدان العربية جعلها موضعاً للالتباس، فهي تستخدم ضد الحقوق والحريات وضد المرأة وضد الفنون وضد غير المسلمين، كما أن قسماً من المجتمع التونسي قد يكون متوجساً من الشريعة وهو ما يجعلنا لا نرغب في وضع جزء من المجتمع خارج الشريعة أو في مواجهتها؛ لأن لديه أسئلة حول الشريعة.

المجتمع التونسي كله مع الإسلام، وقطاع منه لديه أسئلة وتجهم والتباسات حول الشريعة، فنحن نعمل على ما يوحد المجتمع التونسي وليس ما يفرقه.

يرى الغنوشي أن مقاصد الشريعة التي تهدف إلى حرية الناس هي ما يطالب به حزبه، كما أنه لا يرى الشريعة عقوبات. وذهب عبد الفتاح مورو إلى أن بناء الدولة مقدم على تطبيق الشريعة التي لا يملك من يرفعونها تصوراً واضحاً عن كيفية تطبيقها، وانتقد رفع التيارات الإسلامية لشعار الإسلام هو الحل دون تقديم برامج تترجم هذا الشعار إلى واقع.

لا يتحدث الغنوشي ولا عبد الفتاح مورو عن دولة إسلامية وإنما يتحدثون عن دولة ديموقراطية السلطة فيها للشعب، وهو من يختار ممثليه ولا يفرض عليه شيء لا يريده، كما أن الغنوشي يقدم تصوراً عن العلمانية يقبل فيه بالعلمانية الجزئية التي تجعل من الدولة جهازاً محايداً تجاه كل مواطنيها؛ فهو يريد تحرير الدين من الدولة بحيث لا تتحدث باسمه، كما أنه يرى التمييز بين ما هو ديني وما هو سياسي، وإن كان يرى أن الفصل بين الدين والحياة أمر غير وارد، لأنه بدون الدين تتحول الحياة إلى غابة تغيب فيها الأخلاق.

الموقف من التيارات المتشددة والعنيفة

تعرف تونس عدداً من السلفيات منها ما أطلقنا عليه السلفية العلمية وأخرى سياسية وثالثة جهادية، وهي التي تستخدم العنف. بيد أن جميعهم يرى أن الشريعة الإسلامية يجب أن تكون ضمن الدستور التونسي. وفي الواقع فإن حزب حركة النهضة لم يخضع لضغوط تلك التيارات السلمية وسجل موقفه- كما أشرنا بأن الإسلام هو الجامع للتونسيين وأن الشريعة الإسلامية ليست جزءاً من برنامجه.

حاول الغنوشي أن يدخل في حوار مع المجموعات السلفية الجهادية التي تعبر عنها "جماعة أنصار الشريعة" ويقودها سيف الله بن حسين المعروف باسم أبي عياض، ويشرح لهم طبيعة الوضع المعقد في البلاد وقوة الوجود العلماني فيه، وضرورة توجههم للعمل السياسي، بيد أنهم لم يصغوا إليه وذهبوا لاستخدام القوة بالهجوم على السفارة الأميركية في سبتمبر 2012، وهنا صنفتهم حكومة النهضة التي كان يقودها علي العريض حركة إرهابية في أغسطس 2013، ويبدو أن بعض قيادات النهضة كان لهم علاقة بجماعة أنصار الشريعة قبل التحول المباشر للعنف مثل الصادق شورو والعجمي الوريمي والحبيب اللوز، وحاولوا الدفع بعدم تصنيفهم كجماعة إرهابية، بيد إن الحركة اعتبرت أن موقفها النهائي هو اعتبار "أنصار الشريعة" منظمة إرهابية. وأفاد الغنوشي بأنهم حمقى وأنهم لا يحلون ببلد إلا وحل معهم الخراب والدمار، بل اعتبرهم خوارج العصر، كما اعتبر أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة كارثة على الإسلام، وكان الظواهري هاجم حركة النهضة حين لم تدرج الشريعة الإسلامية ضمن مطالبها في صياغة الدستور التونسي، واعتبر الظواهري أن حركة النهضة تبتكر إسلاماً ترضى عنه وزارة الخارجية والاتحاد الأوروبي ومشيخات الخليج، إسلام حسب الطلب، ودعا التونسيين إلى الانقلاب على حركة النهضة وحزبها.