التراث وتصفير العالم.. البحث عن التنوير

الظلام والنور يتقاسمان التراث

التراث حمّال أوجه، فيمكن أن يستدلّ المتنوّر على دعواه منه، ويمكن للظلامي أن يفعل مثل ذلك، ويمكن أن يستلهم منه واسع الصدر والأفق رؤيته، ويمكن أن يستلهم منه ضيق الصدر والأفق، وكان الأمر هكذا منذ البداية، وإلا ما كانت كل تلك الانشقاقات وذلك التطاحن الذي أتى على جملة من المسلمين الأوائل، والأمر مستمر ومتواصل إلى يومنا هذا، وإلا ما كان ما نراه أمام أعيننا اليوم.

هذه القابلية للتراث ليكون ليلاً ونهاراً في وقت واحد، والشيء ونقيضه في آن واحد، جعلت من التراث كنانة السهام لدى المتحجّرين، للرمي والطعن في القيم الإنسانية المشتركة، كحرية الضمير، وحرية التعبير، والمساواة، والتسامح، وقدسية الحياة، وتحكيم العقل، وغيرها من قيم لها أصل ثابت في التراث أيضاً، ويمكن للمتنوّر أن يجعل منه منبع الأنوار وأصص الأزهار، وهو الأمر الذي أفنى بعضهم عمره فيه، محاولاً التوفيق بين قيم العصر وبين التراث الإسلامي.

ويبدو أن اليأس بدأ يتسرّب إلى قلوب بعض أولئك المتنوّرين، خصوصاً في السنوات الأخيرة، وثمة من يبدي اليوم عدم إيمانه بجدوى التنقيب في التراث، والبحث عن مصدر تراثي يعطي المشروعية للقيم العالمية والإنسانية، ومن أولئك الذين «غسلوا أيديهم» الكاتب العراقي خالد القشطيني، فهو يقول في مقال له إنه تلقى رسالة من صديق له يقول فيها إن في الأديان صياغات حمّالة أوجه، وأنه يمكن لشخصين أن يتباريا ويتناطحا بالمقولات الدينية المتناقضة، ثم يدعوه إلى المساهمة في تنوير المسلمين وإبعادهم عن مستنقع الفكر المتطرف.

كان جواب القشطيني أنه لا فائدة من ذلك، يعني إبراز الوجه التنويري في التراث، ذلك أن الأكثرية الساحقة من المسلمين- والكلام له- لا ينظرون إلى الإسلام بمنظار الظلاميين، وأنهم يتفاعلون مع متطلبات العصر وتطوّراته وعلومه، وأن الزمن، والتعليم الحرّ العقلاني، كفيلان بالقضاء على الظلاميين، ليتحوّلوا بعد ذلك إلى سماد تغتني به الأرض.

وفي اعتقادي أن هذا الطرح محض أوهام، وهو بالمناسبة ليس رأي القشطيني وحده، فأولاً الزمن لا يملك القدرة على التغيير، ولن يتحسن وضع المريض النفسي ولو جلس مئة عام على كراسي الانتظار في المستشفى، كما أن التعليم الحرّ العقلاني لا يحدث من تلقاء نفسه، بل من خلال نخب مؤمنة بضرورة تطوير التعليم، وهذه النخب تخرج من الأرض ومن بين الناس أنفسهم، وعلى افتراض حدوث التطوير المأمول في التعليم، فهو لا يملك عصا سحرية، خصوصاً في ظل السحر الذي يتقن الظلاميون ممارسته لتغييب العقول وتسطيحها.

هذا فضلاً عن أن التراث يعني التاريخ، ويعني الجذور، ويعني الأصول، ويعني الهوية، ولا أدري كيف يمكن بجرة قلم صرف النظر عن كل ذلك وتبني القيم الإنسانية من الصفر، كأنه تم تصفير العالم، وها نحن نبدأ من جديد!

فكرة أن من شاء أن يدخل عالم الأنوار فأهلاً وسهلاً به، ومن شاء أن يبقى في الظلمات فهذا شأنه، فكرة مجانبة للصواب، فلا الزمن ولا التعليم، ولا حتى الحضارة الحديثة، كفيلة وحدها، بإبعاد الظلاميين عن دائرة التأثير، ولا بديل عن العمل الجدي والحقيقي نحو إبراز جواهر التراث وبناء أرضية تراثية لقيم العصر

أحمد الأميري

كاتب إماراتي