بيت السرد التونسي يعني بكل أشكال الكتابة القصصية

باب الذاكرة

تونس ـ بيت السرد بدار الثقافة ببن عروس بتونس هو ناد أدبي شهري تشرف عليه القاصة والناقدة هيام الفرشيشي إعدادا وتقديما، تحتضنه إداريا مديرة دار الثقافة نجوى الملوحي.

ويعنى بيت السرد بتناول اشكاليات تهم السرد عبر الاهتمام بأشكال الكتابة القصصية وتقنياتها، والعملية الابداعية أيضا باعتبار أن النص القصصي غير منسلخ عن ذاكرة الكاتب وخياله ورؤيته لنفسه وللمجتمع وللعالم.

وكانت عناوينه في هذا الموسم الثقافي، أنماط الكتابة القصصية المختصرة، التجديد والتجريب في القصة القصيرة، جدلية الفن والواقع، وصولا إلى وظائف الذاكرة في القص في جلسة 28 يناير/كانون الثاني 2017.

وقد دأبت المشرفة على النادي هيام الفرشيشي على دعوة الضيوف الذين تتناول أعمالهم، وهم من مختلف المشارب الفكرية والجمالية، ومن مختلف الأجيال فقد وجهت الدعوة هذه المرة الى ثلة من المبدعين الذين كتبوا عن تجليات الذاكرة في أعمالهم وهم يوسف رزوقة في مجموعته القصصية التي يستعد لنشرها "شيء من الحرمان"، حفيظة قارة بيبان عن كتابها "النجمة والكوكوت"، سلوى الراشدي عن مجموعتها القصصية "باب الذاكرة"، وعادل بن رحمون عن "دفاتر ما بعد منتصف الليل".

كما وجهت الدعوة للشاعرتين ريم القمري ووهيبة المهذبي لقراءة بعض القصائد من أعمالهما الأخيرة ذات العلاقة بالذاكرة، "على جسدي وشمت تمائمي" لريم القمري و"ومضات" لوهيبة المهذبي، كما قرأت إسلام الدخلي قصة "الفستان البنفسجي"، وتخللت الجلسة معزوفات على آلة الكمان للموسيقي محمد رشاد.

أهم المحاور التي تناولتها هيام الفرشيشي في هذه الجلسة، هي ارتباط القص بالتجارب السابقة والمعلومات والخبرات النفسية والاجتماعية والحسية. وتطويرها ضمن النشاط الرمزي والذهني، كما يقوم السرد القصصي بالتخفف من شحنات الذاكرة السلبية ومن آثار الصدمات عبر إبرازه لما هو غير مرغوب فيه دون كبته او دفنه. وتعويض الوهم المرضي بالسرد الفني. واستعاضة السارد بالتأمل في الذكريات المؤلمة.

كما تناولت الهاجس الوجودي في كتابة القصص ذات العلاقة بذكريات الماضي. والقدرة على استرجاع الماضي وربطه بالحاضر، والارتقاء بالوعي، وتعرضت ايضا في مداخلتها وعبر نماذج قصصية لضيوف الجلسة الى المرتكزات النفسية والاجتماعية للتذكر. والى قدرة بعض الروائح وخاصة في الأسواق التقليدية وفي القرية على إنعاش الذاكرة وربطها بأحداث وطقوس اجتماعية كالحفلات واعطائها بعدا اجتماعيا وانسانيا.

الذاكرة في النص القصصي هي الذاكرة الواعية بتمثلات الماضي، الباحثة في أسباب بعض الاحداث، التي تلقي أسئلة؟ فهي تتجدد بتجدد البحث والتفكير، كاشفة عن عاطفة جديدة في تجذير النص القصصي بمخزون الماضي.

ولم تغفل الفرشيشي عن تقديم نمط كتابي مهم في هذا الاتجاه، وهو المذكرات الأدبية من خلال "النجمة والكوكوت" لحفيظة قارة بيبان، عبر تحديد الفترة الزمنية التي تناولتها في كتابها الضخم بين ديسمبر/كانون الأول 2010 وديسمبر/كانون الأول 2013 وهي مرحلة زاخرة بالأحداث والهزات الاجتماعية والسياسية في تونس.

وتصنيف ما كتبته الى مذكرات تاريخية، ومذكرات وثائقية هي لوحات فنية لحليم قارة بيبان الفنان التشكيلي الذي يعيش بين تونس واميركا والمانيا، عرضت في معرض عديدة، لوحات تعكس واقع ما قبل الثورة، وفي الفترة التي عرف فيها المجتمع التونسي التطرف الديني والارهاب والاغتيالات السياسية، فبعدما شاركت الكوكوت في حماية الثورة عبر "اللجنة الشعبية لحماية المتحف" وبعدما تحولت الى درع يحرسها الجندي رقم واحد احترقت آخر الكتاب بعدما رصدت العالم السريالي الجديد انتشرت شخوصه المركبة، ومسوخه بكثافة.

المذكرات الأدبية التي عبرت عن تحولات اجتماعية عنيفة وهزات نفسية لم تستأصل حلم النجمة في تشوف مستقبل أكثر حرية وجمالا عند عبور الانفاق والدهاليز المظلمة من خلال المذكرات الوجدانية.

وقد دارت الجلسة في أجواء من الاريحية قرأ فيها الضيوف عينات من نصوصهم، وعبروا فيها عن أحلامهم رغم الذاكرة المثقلة بالهموم الشخصية والاجتماعية، بل حين انتهت الجلسة كانوا قد تركوا الكثير من أعبائهم النفسية واستنشقوا الهواء النقي، وغادروا على أمل العودة.