الدولة الاسلامية تتخفى قبل خسارة الموصل

التفكير في المرحلة التالية

الموصل (العراق) – يعمد تنظيم الدولة الإسلامية ومع اقتراب تحرير مدينة الموصل الى القيام بعمليات نهب وبيع ممنهج لمحتويات المدينة قبل تدمير بنيتها التحتية بصورة ممنهجة وسرقة محتوياتها وتهريبها إلى خارج العراق، يدخل ضمن حسابات التنظيم للتهيؤ لمرحلة ما بعد فقدانه السيطرة على المدينة.

يقول مهندس الطرق والجسور أنس أثير القرغولي، ، الذي عاش تحت سيطرة التنظيم عامين ونصف وتمكن من الخروج من الموصل قبل أيام، في تصريح، إن التنظيم وضع خطة محكمة لتدمير المدينة وتجريدها من بناها التحتية بالكامل وباشر بهذه الخطة منذ نهاية 2015، فأخذ ببيع المواد الأولية للمدارس والمشافي والجسور والطرقات ومشاريع الكهرباء والماء إلى تجار من بلدان مختلفة.

وأضاف "بعد أن انتهى من تلك المرحلة باشر بمرحلة أخرى، وهي هدم المشاريع الإستراتيجية وبيع موادها، كما فعل بمديريات الزراعة والتربية والعمل والشؤون الاجتماعية والمراكز الأمنية والمركز السياحية وبيعها أيضا الى ذات الجهات".

ويؤكد أن "الموصل، إبان سيطرة التنظيم، عادت إلى حقبة ما وراء التاريخ وباتت تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وهذا الخراب يشاهده المدنيون كل يوم أمام أعينهم إلا أنه لا يستطيع الاعتراض أو الحديث لأن آلة القتل التي سخرها التنظيم تجاه المعارضين له تعمل على مدار الساعة، وهي شديدة الفتك".

القرغولي، أوضح أن التنظيم انتهج مسارا آخرا، بعد معركة الموصل في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، عبر التعامل مع البنى التحتية من خلال تفجيرها أو إضرام النار بها، لاسيما المتواجدة بالمواقع التي توشك من الخروج من سيطرته لصالح القوات الأمنية وهذا ما فعله في جامعة الموصل، ثاني كبرى المراكز العلمية في العراق بعد أن أحرقها بالكامل وكذلك دمر الشوارع، وأوقع أعمدة نقل الطاقة الكهربائية، وهدم مشاريع تعقيم المياه وفجر الجسور.

هدف مغاير

الخبير في شؤون الجماعات المسلحة والكاتب السياسي عبد الإله النعاس، يتحدث عن هدف آخر للتنظيم من وراء تدمير البنية التحتية للموصل.

يقول النعاس في تصريح إن "التنظيم يفكر في المرحلة التي تلي خسارته للموصل، حيث سيتم ضخ الأموال من بغداد والمجتمع الدولي لإعادة أعمار المدينة وهنا سيبدأ عمله القديم للحصول على جزء من تلك الأموال عبر الابتزاز".

وأوضح النعاس أن "التنظيم كان قبل صيف يونيو 2014 متغلغلا في الموصل بشكل خطير ويحصل على الأموال الطائلة من ابتزاز المسؤولين والمقاولين والتجار والموظفين وأصحاب الأعمال الحرة وكل شرائح المجتمع، ومن يمتنع عن دفع الأتاوات له يقدم على قتله فورا ".

وأشار إلى أن "من يتحدث عن سيطرة داعش على الموصل في 10 يونيو 2014، واهم ولا يعرف حقيقة الأمور" مؤكدا أن "التنظيم أسس قواعد تواجده في الموصل، ثاني كبرى مدن العراق منذ 2007".

ولفت إلى أن "المتشددين كانوا يجنون ملايين الدولارات من المدينة عندما كانت السلطة الأمنية منهارة ولا تجرؤ على إيقاف الإرهاب أو السيطرة عليه وحماية المواطن من الابتزاز المنظم".

وتابع أن " التنظيم يحاول الآن وبعد أن أيقن أن الولايات المتحدة الأمريكية أعدت العدة لإنهاء وجوده، قرر العودة إلى نظام الخلايا النائمة والعمل في الخفاء ومن ثم تطوير قدراته بنحو تدريجي على أمل الظهور من جديد أو العيش هكذا والإفادة من كل كبيرة وصغيرة تشهدها الموصل".

البنية الخفية

ثابت يونس، اسم مستعار لأحد مخاتير أحياء الموصل في النصف الغربي منها،، والذي ما يزال تحت سيطرة داعش يقول في تصريح إن "شراء المنازل أو الاستيلاء عليها بالتزوير والتلاعب من قبل المسلحين كان سائداً خلال فترة العامين ونصف العام لسيطرة التنظيم على الموصل، خصوصاً مع خلو البيوت من ساكنيها أو عرضها للبيع بأسعار زهيدة".

ويضيف أن "التنظيم سعى من وراء شراء المنازل للمؤيدين له في مناطق متعددة من المدينة هو تأسيس بنية تحتية له ليكون قادرا على التواجد بقوة وإدارة عملياته بسهولة أكثر حتى بعد أن يفقد دولة خلافته المزعومة، الأمر الذي سوف يجعل إعادة الأمن والاستقرار إلى المدينة يتطلب عقودا من الزمن في ظل الصراعات السياسية وتعدد القوى الحاملة للسلاح التي تتواجد على أرض".

هذا ما يحذر منه إياد العنزي، أحد سكان منطقة "المهندسين" المحررة في الجانب الشرقي للموصل، وهو "تغلغل عناصر داعش في الواقع الموصلي، لا بل وإصرارهم على مواصلة أعمالهم بنحو طبيعي كأنما شيئا لم يكن".

وقال العنزي في تصريح إن "الجانب الشرقي فيه عدد كبير من عناصر التنظيم والمؤيدين له وهم ما زالوا يتواجدون ويشاركون المدنيين في الحصول على المساعدات التي توزعها الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، ويقدمون على ممثليات الدوائر لتسجيل أسمائهم من أجل العودة إلى الوظائف التي كانوا يشغلونها أو من أجل الحصول على فرصة عمل جديدة".

وأضاف العنزي أن " المدنيين يخشون من أن يبلغوا القوات الأمنية عن الأفراد المنتمين للتنظيم خوفا من العلاقة الجيدة لهؤلاء الأفراد بالقوات، وبالتالي تعريفهم بالمصدر الذي أبلغ عنهم ومن ثم الانتقام منه بطرق مختلفة في ظل غياب القانون وانعدام السلطة".

تدقيق اوراق ثبوتية

ويؤكد الفريق الركن غانم عماد الدراجي احد قادة قوات جهاز مكافحة الإرهاب، الى أن " الموصل مدينة كبيرة جدا ومتشعبة ومتنوعة، السيطرة عليها بعد أكثر من عامين ونصف من تواجد المسلحين فيها يعد أمرا في غاية الصعوبة، ولا يمكن لأية قوة قتالية في العالم من تحقيقه".

ويضيف أن "القوات المتواجدة من جهاز مكافحة الإرهاب والفرق العسكرية الأخرى، والشرطة الاتحادية، مهامها قتالية وليست مسك الأرض والتحقيق في القضايا الجنائية والقبض على الخلايا النائمة، أو العناصر المؤيدة للتنظيم".

الدراجي، كشف في تصريح أن "هذا الموضوع جرى بحثه مع القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي والقيادات العسكرية العليا، فقرروا إرسال ثلاثة فرق من استخبارات الأمن الوطني للتواجد في المناطق المحررة والعمل على تدقيق الأوراق الثبوتية للسكان، وجمع المعلومات عن المتورطين مع التنظيم وتقديمها إلى القوات ليتم القبض عليهم".

وبيّن أن "عمل تلك الفرق سوف يكون مطلع فبراير/شباط القادم، وأغلب أعمالها سوف يكون بنحو سري للإسراع في تطهير المدنية من أي تواجد يساعد في زعزعة الأمن والاستقرار".