'اسف فوق البحر' بين الذاتية والموضوعية

التسجيلية التاريخية

أهداني الأديب القاص عبدالهادي المياح مجموعته القصصية الموسومة "اسف فوق البحر" والتي تنوعت عناوينها الجذابة تبعا لمراد حوارية النصوص التي تنتمي من حيث المضامين الى الأنتروبولوجيا والاتنولوجيا وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ وجغرافية والسياسة والاقتصاد وعلم النفس فضلا عن حقول معرفية جاءت ضمن سياقات التراكم النصي عرضية قائمة على منهجية أدواتية اجرائية يراد منها التداول والحوار على سطع اللغة وآليات استقبال ما ينتج من دلالات قرائية وفوق مستوى اللاوعي الادبي والجمالي من خلال خلق حالة التواصل والتفاعل بين المد الشعوري والحوار الفكري المستنير بكل ما تشتمل عليه المغريات النصية ونظرية الاستجابة والتلقي محسنة بوسائل تضادية مما يتصاعد من الرفض والمقاومة على أساس مبنى الهيمنة والتحاور والمعارضة.

بهذه المكنونات يتوحد العقل لتدعيم النظم المختلفة والتي تنشؤه على التأويل التفكيكي واستقراء مجمل الفعاليات المكونة لهذه النشأة التي تبعث على السعي لخلاص الحياة وتشذيب قيودها التي تعمل على تصدع وإرباك سمات الحياة المدنية والايصال في صراع الشخصيات وفق منظور يضيق وينفرج بماهية الشعور الذي ينعكس على تشكيل الرؤيا المؤثرة لتشكيل القصص والتي استطاع بمهارة وقدرة القاص المياح على إدارة أحداثها وتحريك شخوصها بتقنية فنية استطاع ضبط إيقاع حركة تصاعد المد الدرامي مع سيطرة مطلقة في الحفاظ على تسلسل أحداثها وعدم الاستغراق في التفاصيل الفرعية والتي تشتت الفكرة الكلية .

يقول هوركايمر: "التصدي لمختلف الأشكال اللامعقولة التي حاولت المصالح الطبقية السائدة ان تلبسها العقل، وأن تؤسس اليقين بها على اعتبار أنها هي التي تجسد العقل، في حين ان هذه الاشكال من العقلانية المزيفة ليست سوى أدوات للاستخدام العقل في تدعيم النظم الاجتماعية القائمة وهو ما أسماه هوركايمر بالعقل الأداتي".

وهنا عندما أعمد الى قراءة النصوص أحسب التحصيلات وانظمتها التوصيلية وكم سجلت من تأثيرات في المنطق السليم أو قومت الفعل الاجتماعي الحياتي وجعلته في المكان الذي يجب أن يكون عليه لان الغاية المتوخاة من الأغراض والمقاصد القصصية تهدف الى توجيه الناس كي يأخذون منها العظة والعبرة لاستقامة حياة في نسق الواقع وتسهيل الممكن والذي يتمحور إلى تجليات مؤثرة ينفث من حرارة العاطفة وبديع الخيال وجمال التصوير ودقة التفكير في استيعاب المتناقضات وتعاكس خصائصها النفسية في عجز الفاهم عن الافهام بعد ان كذبت المرآة أن تعكس صورة الحقيقة .

من هذه المقدمة الموجزة أدخل الى متن النصوص مسترشدا بالعنوان "اسف فوق البحر" مدخلا ابغي الوصول الى الحقيقة وادراك الباعث المكنون الذي يربط الفعاليات بالقدرات والوعي في كيفية تصاعد الحراك الحواري المستند على رصد واستيعاب الأبعاد الدلالية عبر أساليب متنوعة مطعمة بلغة صافية صادقة تتخذ من الوقائع والأحداث ملامحها الرئيسة بعد أن أغرتها دقة وسعة تحليل العواطف والاحداث الحارة الساخنة كرد فعل لجوهر تقويم بنية الثقافة وتصحيح المسارات المتصلة في بنية التنمية البشرية والتي أصابها الاهمال والترهل في صميم فعالياتها المادية والمعنوية المتراكمة من فوضى التخلخل في منظومة الطبيعة الانسانية.

هنا تجرنا الأحداث وصراعاتها إلى ان نكتشف أشياء جديدة أراد القاص المياح ان يخرجها من دائرة الصمت الى حيث الاحتجاج والاعتراض بأسلوب فني إبداعي متماسك ولغة كفاءة رصينة تتراوح بين اللين والشدة مع خلق نوع من التأكيدات والتي جاءت ضمن السياق العام كأنها مكررة وتشترط الافادة من الوقائع الحية للانطلاق إلى تثبيت الذات الموضوعية والتي غيبت بسبب الاحداث تعامل معها المياح بمضادات مدركات شعورية وحسية تتعامل في الأصول والصفات الاكثر تعميقا بمسار الزمان والمكان. هكذا تجري انثيالات القصص حتى آخر قصة في المجموعة.

ويمكن إجمال مبناها المعماري والدلالي وفق تكامل الاحداث والحوار والحركة التي احدثها شخوصها:

اولا: استطاع المياح ان يخلق من تجربته الحياتية الوظيفية والادبية نموذجا من الغرائز والنوازع تبنت حوادث واقعية رسم معمارها وامتدادها ضمن حوادث خارجية ومشاعر داخلية ليسجل ضربته في هدف المثل العليا في سير النتائج البيانية لما يتحقق من معاني خلاصة التضاد بين الشر والخير والسعادة والشقاء والكرم والبخل والعدل والظلم الخ على اعتبار ان الادب ميراث مشترك بين الجميع يتحقق في الاتصال المباشر كما يقول محمد مندور "ان يكون الادب في خدمة الشعب وان يستمد موضوعاته ومضامينه من معارك الشعب الحارة أي من الاوراق الخضراء لا الاوراق الصفراء وان يكون أدبا هادفا أي أدبا قائدا يسعى الى تطوير حياتنا الشعبية والانتصاف للشعب من الذل والفقر والجهل".

وهذا ما برز واتضح في اغلب موضوعات مجموعة القاص هادي المياح ولربما هناك اختلافات نسبية في منحنى التبادل المكاني والزمني في النصوص، ولكن الأعم الاغلب كان يتقرب فيها القاص المياح الى التسجيلية التاريخية بالتقاط صوري جميل باهر عشنا أجواءه من زوايا جمالية ذات أبعاد رؤية أطاحت بالأنظمة العقلية واللاعقلية في رخوة اللامنطق بين التفاؤلي والتشاؤمي في الفعل الدرامي النصي التي أججت المشاعر بهالة من الخزين المعرفي الذي تشبع بالذاتية القائمة على مجموعة من التصورات الدالة على التلازم بين الذاتي والموضوعي بفعالية سلوكية وذهنية وفكرية ودعوة صريحة بالانقضاض على مظاهر الانحطاط والتراجع والنكوص وتصحيح أخطائنا وعيوبنا بثورة الانتفاضات الثقافية والشعبية والتي تجري اليوم على شكل هبّات غير منظمة، تتشابك فيها الأفكار والنوازع في فهم محتوها الانساني والجمالي ومجال حيويتها ومسارها يوعز بالفزع تارة وأخرى يركن بالانتظار لحسم المعركة الكلية.

فعلا هي عملية مركبة خلاصتها أننا لا نعرف الى اين نمضي في مجاهل اللا قرار واللاهدف انها الورقة البيضاء كتبتها الاحداث لم يفك رموزها أحد أو يجد لها ملاذا للاستقرار والسكينة رغم التضحيات.