سلفي زوجات داعش: بين مؤيد ومعارض

السخرية لها أُصول والحذر من التعميم

شد انتباهي تعليق الإعلامية فانيسا بيلي التي أتابع ما تقدمه من معلومات، لقد كان التعليق موجها لقناة البي بي سي 2 البريطانية، وكان شديد اللهجة لدرجة أنني بحثت عن المقطع الذي تشير إليه لأشاهد بنفسي ما الذي أثار غضبها، ووجدت أنه إسكتش قصير لبرنامج ساخر تقدمه القناة كجزء من سلسلة حلقات تسخر خلالها من قضايا عدة تواجه المجتمع البريطاني، المهم هنا أنه قرر المنتجون أن يسخروا من زوجات داعش، وبشكل أدق الفتيات البريطانيات اللائي هربن من أسرهن ليصبحن عرائس لأعضاء تنظيم داعش في سورية.

لقد قدم الفنان المبدع ناصر القصبي من قبل حلقتين يسخر بهما من داعش في مسلسل "سيلفي"، وقد أثار جدلا قويا وحادا حوله، وانقسم المشاهدون، ممن تابع وممن لم يتابع واعتمد على السمع، بين مؤيد ومعارض للحلقات، فمنهم من رأى أنه من خلال عدة مشاهد عرى التنظيم الإرهابي، وأن قوته كانت بأنه وصل للشباب، خاصة الذين هم معرضون لخطر التجنيد والسحب إلى عين العاصفة، والتحول إلى فريسة يتلاعب بهم أبناء الشياطين، ومن الجهة الأخرى هنالك من رأى أنه كان يستهزأ بالدين وليس الإرهاب، وآخرون اعتبروا الأمر مجرد فقاعة سينتهي تأثيرها بانتهاء موسم العرض، المهم كل فريق قدم أسبابه وشرح رؤيته، وبغض النظر عن أولئك الذين نزلوا إلى مستوى الردح والشتائم والقذف والتكفير، لا يجب أن ننكر أن الموضوع حرك حوارا ثقافيا راقيا بين البقية من خلال برامج حوارية ومقالات وتقارير، ولا يستطيع أن ينكر أحد أن ما قدمه فتح أعين الشباب عن الكثير مما يجهلونه من فظائع ترتكب باسم الدين، وفوق ذلك أثار سخط التنظيم وطالب برأسه، ومن هنا نتأكد أنه ضرب على الوتر الحساس وأصابهم كما يقال بمقتل.

الشيء الذي يجب أن ندركه أن أي فنان أو مؤلف قادر ومتمكن يستطيع أن يخلق موقفا ساخرا من أي موضوع إن أراد ذلك، ولكن هل هذا أخلاقي؟ الإجابة تكون في نوعية الموضوع وطريقة العرض، عندما لا تتعدى الحدود بأن يتحول الأمر إلى استهزاء من دين أو عرق أو مذهب، ويكون بمثابة رسالة توعية بطريقة فكاهية تصل أسرع من مجلدات من الشرح وساعات من الخطب، هنا الأمر ليس فيه تعدٍّ، ولكن أن تمرر الرسالة بأنك تسخر من حالة اجتماعية معينة، بينما في الرسالة يظهر أنك تسخر بأكثر من ذلك، فهنا يقع الخطأ، وهذا ما وقعت في قناة البي بي سي الثانية!

المقطع ساخر ومضحك، نعم ولكن هل هو للتنبيه؟ نعم إن كانت زوجات داعش جميعهن من مراهقات بريطانيا اللائي تم التلاعب بهن وجرهن إلى قلب الموت عن طريق النت، وكان ذلك حسبما وجدت عند بحثي عن الموضوع فيما سبق، من خلال قيام علاقات افتراضية مع ما يسمونهم مجاهدين يرسمون لهم الحياة في سورية على أنها جنة الله على الأرض، ويعدونهن بالسعادة والهناء في كنف شخصيات يمثلون أبطال العصور الماضية، فيلعبون على مشاعرهن وكأنهن يسحبن إلى قصص ألف ليلة وليلة! وللمزيد من الفاعلية أضيفت لشبكة التجنيد نساء سلمن الملف فقمن بوضع صورهن وهن سعيدات مبتهجات، ونشر مقاطع تظهر مدى فرحهن بالانتقال إلى أرض الجهاد وكأنهن يتحدثن عن منتجع سياحي! وفوق ذلك يقدمن المشورة في كيفية الهرب وكيفية التغلب على مشاعر الخوف أو الضعف أمام هلع الأهل وصم الآذان لكل نداءات التوسل! ونعم إن كانت نساء داعش لا يفكرن إلا بما يلبسن وكيف يظهرن على شبكات التواصل تماما، كالمراهقات ممن ينثرن الصور والتعليقات الساخرة أو السخيفة من أجل استجداء الاهتمام! ثم نعم إن كانت الغالبية من نساء داعش لسن ممن خطفن أو هددن أو حتى تم شراؤهن من سوق النخاسة! وأخيرا وليس آخِرا نعم إن لم يكن يعاملن كالجواري ويعشن في خوف من أن يجلدن أو يعدمن! ولكن المقطع قُدم على أنه يسخر من داعش، ولمن يجهل الإسلام وهم كثر، يُظهر النساء المسلمات على أنهن فارغات ينقلن جهلن أينما يذهبن! إضافة إلى ذلك أنه يزيد من معاناة النساء المسلمات في الغرب، حيث يعرضهن لهجوم الجهلة ممن يعانون من فوبيا الإسلام، بل يضعهن في دائرة الخطر!

لنعُد بالذاكرة قليلا ونرى ماذا فعلت هوليوود بالذاكرة الجمعية للمشاهدين، كيف أنها قدمت في بادئ الأمر المثليين أو المجرمين على أنهم ظرفاء، وحتى أنهم كانوا يظهرونهم كمادة للاستهزاء والسخرية، ولكن شيئا فشيئا أصبحوا شخصيات بحياة وقصص جعلت من المجاميع تتقبلهم وتتعاطف معهم، بل تصفق لهم! وما النتيجة؟ شباب، خاصة الضائع بلا هوية، يريد أن يجرب، أن يقلد! وفي هذه الحالة نجد أن الأسلوب نفسه يستخدم! حين تقدم زوجات داعش على أنهن شخصيات ظريفة خفيفة الدم قد يعتقد الجهلة من المراهقات بأن ذلك أمر مثير، وقد يرغبن في القيام بالتجربة! ولا أحد يقنعني بأن ذلك غير ممكن! إن من تلتحق بداعش من النساء وهي تعلم نوعية الإجرام الذي يقوم به هذا التنظيم الشيطاني تحت حجة الدفاع عن الدين ونصرته، أليست جاهلة وغبية؟ فكيف إذن بمن هي أصلا مراهقة غير ذات خبرة في الحياة وغبية أيضا!

تريد البي بي سي 2 أن تقدم التوعية، نحن معها ونشدّ على يدها، فمن سيدعمها أكثر ممن عانى واكتوى بنار الإرهاب، ولكن ليكن من خلال الفن الراقي وليس الهابط الذي يؤكد ويدعم الصور النمطية عن المرأة عامة، والمرأة المسلمة خاصة! ولنبتعد عن شعار حرية الرأي، فما قدم ليس حرية الرأي، بل توجيه الرأي!

ميسون الدخيل

كاتبة سعودية