'تعبتنى يا فضيلة الإمام'.. تفسير الإخوان!

مهمة التجديد الديني لا تؤجل

لم تمر «مزحة» الرئيس السيسى مع فضيلة الإمام الأكبر وقوله: «تعبتنى يا فضيلة الإمام» مرور الكرام على اللئام من الإخوان والتابعين، شيطنوها، واستخرجوا منها قصصاً وحكايات ومرويات عن تعكر صفو العلاقة بين الرئيس والإمام، والمُفسفِسون والمُغرِّدون كعادتهم امتطوا حروفها سخرية وكومكسات وكومِّنتات، ولكن القريبين من العلاقة بين الرجلين يعرفون جيداً أن الرئيس يقدر الإمام حق قدره ويُنزله منزلة طيبة، والإمام يعرف حدب الرئيس على الأزهر والأزهريين، يتمنى أن يرى المشيخة منارة فى العالمين.

بقدر ما أُتيح لى من اقتراب، فإن ما يطلبه الرئيس من الإمام الأكبر- علانية فى خطابات عدة- هو التجديد الدينى بمعنى الإصلاح، ويرى أن الأزهر وإمامه «الطيب» منوط بهما حمل رسالة التجديد إلى العالم، وأن تجديد الخطاب الدينى مؤتمن عليه علماء الأزهر الشريف، ويأنف من الهجوم على المشيخة وإمامها وعمائمها، ويُحملهم الأمانة فى شخص الإمام، أما شخص الإمام فله منزلة يستشعرها الإمام فى اللقاءات المباشرة بينه وبين الرئيس، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل.

والإمام يدرك جيداً أن الأمانة ثقيلة، وأن التجديد كما يراه الرئيس يصطدم بعوائق وجنادل وشلالات موروثة من أزمنة مضت، والتجديد يلزمه تأهيل للأئمة، وتنقية للمناهج، وتجلية المتفق عليه، وتجنب المختلف فيه، واستصحاب المؤسسة العريقة إلى عصر التنوير، ويلزمه وقت، ويتطلب فكراً وجهداً مخلصاً لوجه الله، فى ظل تكالب الأكلة على قصعة الأزهر الشريف، التى صارت نهباً مستباحاً لجماعات ما فتئت تكيل للأزهر بالصاع.

الإمام بطبيعته الشخصية محافظ، يفضل التغيير المتدرج الذى ربما لا يواكب تطلعات الرئيس، ولكنه على الطريق، ليس تنفيذاً لرغبات رئاسية وأشواق طالما تطلع إليها المُجدِّدون، ولكن لأنه الحق، مرت على الأزهر قرون وعقود رسَّخت اجتهادات، وألقت ما يشبه القداسة على تفسيرات، وصار الاقتراب منها باجتهاد أقرب إلى المحرمات، والدخول عليها يحتاج إلى قدر من الحيطة والحذر حتى لا تكون فتنة بين الناس.

الإمام ذهب إلى تنقية المناهج عبر لجان فقهية معتبرة، وانتهى من تنقية الكثير، وهو ذاهب لما هو صعيب، تنقية التراث الإسلامى وتجلية أفكاره العظيمة من موروثات جاوزها الزمن، دون المساس بالثابت والمعلوم من الدين بالضرورة، فهم واعٍ للمطلوب فى هذه المرحلة الدقيقة من عمر الأزهر الشريف.

هذا ما وجدنا عليه آباءنا الأئمة العظام، وحالت دونه وبين رسالة التجديد هجمة إخوانية عقورة استهدفت الإمامة والمشيخة، المبنى والمعنى، واختراقات بلغت مسَّ العظام، وصارت المشيخة فى مهب ريح صرصر عاتية، وتكالب عليها نفر من المُعمَّمين المنتسبين للأزهر الشريف، يُكنون للأزهر شراً مستطيراً، عمدوا وعملوا على حرف الأزهر عن رسالته، وتجييرها وتشهيلها لصالح جماعة ما فتئت تكيد للأزهر كيداً.

التجديد المتدرج المحسوب الذى ينتهجه الإمام الأكبر- وهو أعلم بما فى الجسد الأزهرى من علل وأوهان تحتاج وقتا للشفاء والتعافى من وعكة الإخوان- ربما لا يلبى طموحات الرئيس الذى يطلبها صراحة من الإمام، ويُشهد الله والناس عليه، «تفاوت السرعات» هو ما يشى بالاختلاف، ولكنه لا يُنبئ بخلاف، ولا يؤشر على اختلاف، و«تعبتنى يا فضيلة الإمام!» تنم عن طلب ورجاء بالتعجل والاستعجال، أو هكذا أظن.

ما بين الرئيس والإمام تقدير مستحق واحترام، ولا ينسى منصف موقف الإمام الأكبر من ثورة 30 يونيو، ووقفة المؤسسة الأزهرية، ممثلة فى إمامها «الطيب»، على منصة 3 يوليو، ووقوفها تالياً أمام هجمة الإخوان والتابعين على ما يصدر عن الدولة من قرارات يُكفِّرونها تكفيرا ويصِمونها بمفارقة الشرع وصحيح الدين، فضلاً عما لحق بالمشيخة وشيخها من أذى بلغ حد وصف علمائها بـ«فقهاء السلطان» من قِبَل فقهاء الجماعة المُعتمَدين المُموَّلين خليجياً.

الإمام الأكبر كمَن يخطو فى حقل ألغام زرعها الإخوان فى حرم الجامعة، وألغام مُفخَّخة زرعها السلفيون فى عقول العامة، ومطالب تجديد وإصلاح، والإمام بطبعه ليس ثورياً، والأزهر لا يحتمل ثورة، يفضلها إصلاحاً متدرجاً وعلى عين أئمته وعلمائه فى هيئة العلماء والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وهذا ما لا يرضى عنه البعض، ولا يهضمه البعض، كيف يغير مَن تربى على ما يجب تغييره، هذه هى المعضلة!

حمدي رزق

كاتب مصري