تونس تلتفت لشبكات التجنيد في الوقت الضائع

يدور جدل كبير في الفترة الأخيرة في أروقة البرلمان التونسي حول إحداث لجنة تحقيق بقضية شبكات تجنيد الشباب التونسي، وتسفيرهم إلى بؤر التوتر تتكفل بمتابعة الملف في إطار التفاعل مع بات يروج إعلاميا عن اعتبار تونس حاضنة للإرهاب خاصة بعد الأحداث الإرهابية في برلين. ولكن لا يبدو أن هذا الكيان ستكون له فاعلية تذكر لعدة اعتبارات أهمها أنه طرح في الوقت الخاطئ وثانيا صعوبة التوصل إلى الأطراف المسؤولة عن عمليات التجنيد لارتباط بعضها بأطراف سياسية تشكل درعا واقيا وضمانة لعدم المحاسبة.

وأدت الدعوات الشعبية والسياسية المشددة على ضرورة معالجة معضلة الإرهاب ومحاسبة الإرهابيين وشبكات التجنيد، التي هيأت الظروف للالتحاق الآلاف من الشباب التونسي بالتنظيمات الإرهابية في سوريا وليبيا والعراق واليمن، وجعلت تونس في مقدمة الدول المصدرة للمقاتلين في العالم إلى الضغط على دوائر القرار في البلاد لإيجاد آليات حقيقية لمواجهة الإرهاب.

ويتراوح عدد التونسيين المنتسبين إلى تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي في سوريا والعراق، بين 2500 و3000 شخص، فيما يقدر عددهم في بؤر التوتر الأخرى التي تشمل بالأساس ليبيا واليمن ومالي بين 2300 و2800 شخص.

ووفق تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة المكلف بمتابعة ملف المرتزقة، فإن عدد المقاتلين التونسيين الجهاديين والمرتزقة الذين التحقوا ببؤر التوتر يبلغ حوالي 5800. ويتوزع المقاتلين التونسيين بين 4000 توجهوا إلى سوريا في حين تحول إلى ليبيا ما بين 1000 و1500 مقاتل و200 إلى العراق و60 إلى مالي و50 موجودين باليمن.

وللمرة الثانية يتورط تونسي في هجمات إرهابية في أوروبا كان آخرها الاعتداء بشاحنة على سوق عيد الميلاد في برلين والذي يشتبه في انه نفذه شاب تونسي وأوقع 12 قتيلا وعشرات الجرحى، علما وأن الهجوم الأول نفذ بنفس الطريقة بنيس وخلف قرابة 80 قتيلا ووجهت أصابع الاتهام فيه إلى فرنسي من أصول تونسية.

وأساءت هذه المعطيات إلى صورة تونس عالميا وتحدثت بعض وسائل الإعلام في العالم عن تحول تونس إلى حاضنة للإرهاب، وأعطت إشارات إلى السياسيين في البلاد بأن الأمر بات خطيرا لا سيما في ظل الوضع الاقتصادي الصعب في البلاد والذي يحتاج لكسب ثقة المستثمرين على المستوى الأمني أساسا.

ومن جهة أخرى انحصرت مناطق نفوذ التنظيمات الإرهابية في بؤر التوتر وخاصة المتعلقة بما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية بعد انطلاق الحملة العسكرية ضده في الموصل، وتحجيمه في سرت الليبية وجهود أخرى في سوريا، الأمر الذي فتح أبواب الحديث عن عودة الإرهابيين إلى تونس بتأييد من بعض التيارات السياسية المشاركة في التحالف الحاكم وخاصة حركة النهضة.

وخلق تواتر الأحداث المتعلقة بالمقاتلين التونسيين في بؤر التوتر جدلا كبيرا وصل إلى حد الخروج في مظاهرات شعبية تنادي بعدم الاستعداد لاستقبال الإرهابيين بعد أن تفننوا في القتال والتدريب على وسائل متقدمة من الترهيب والتعذيب، ما شكل ضغطا كبير على دوائر صنع القرار في تونس التي باتت مطالبة بإيجاد حلول لهذا الملف كفيلة بإسكات التونسيين. وكان مقترح إحداث لجنة تحقيق بقضية شبكات تجنيد الشباب التونسي أحد هذه المقترحات فضلا عن بعض الخطط الأخرى من بينها إحداث سجن خاص بهؤلاء والاستعداد امنيا لمتابعتهم.

وجاءت فكرة إحداث اللجنة بعد توقيع زهاء نصف نواب البرلمان التونسي على عريضة تطالب بتشكيل لجنة تحقيق بقضية شبكات تجنيد الشباب التونسي، وتسفيرهم إلى بؤر التوتر، كان حزب نداء تونس وراء طرحها، ولكن المتابعين لا ينتظرون أي فاعلية تذكر لها على المديين القصير والمتوسط.

التوقيت الخاطئ

في السنوات التي تلت الثورة في تونس وخاصة فترة حكم الترويكا التي تزعمتها حركة النهضة الإسلامية، دار جدل كبير حول خطر بعض الأحزاب والجمعيات التي تروج للجهاد، وطالبت عدة أطراف بضرورة متابعة الملف، لكن "الشيخ" سخر من تلك النداءات معتبرا أن هؤلاء يذكرونه بشبابه – شبابه الجهادي – وقالت قيادات أخرى من داخل الحزب أن هذه التدريبات التي أقيم بعضها في الجبال هي أنشطة رياضية. واليوم وجدت نفسها مجبرة على أن تكون صلب الأصوات التي تطالب بلفتة جدية إزاء هذه الظاهرة بعد أن أكدت الأرقام أن "رياضيي" النهضة و"شباب الشيخ" توزعوا في مختلف بؤر التوتر وأصبحوا يشكلون تهديدا على البلاد لدى عودتهم.

وقد يبدو من الصعب إن لم يكن من المستحيل اليوم الوقوف على شبكات التجنيد والتسفير في تونس الآن، لأن هذه الجهات خففت نشاطها في الفترة الأخيرة بعد الضغوطات الأمنية التي فرضت في البلاد خاصة بعد العمليات الإرهابية التي استهدفت البلاد في أكثر من مناسبة، ولانحصار مناطق نفوذ التنظيمات الإرهابية. هذا فضلا عن ارتباط الأطراف المسؤولة عن التجنيد بجهات سياسية بعينها كفيلة بتأمينها وبخلق المعطيات اللازمة التي تبعدها عن مستوى الشبهات.

وتعد شركة طيران سيفاكس نموذجا في هذا الإطار، فهذه الشركة التي تعود لحمد فريخة النائب عن حركة النهضة في مجلس نواب ثبت تورطها بتسفير عدد كبير من الشباب التونسي إلى تركيا حيث البوابة لانتقالهم إلى بؤر التوتر، كما اتهم بالتلاعب بالإفادات المالية للشركة ما أدى إلى توقيف عملها، ولكن دون إدانته بتسفير الشباب التونسي لمجرد أن الأخير أدلى بتصريحات مفادها انه كان لا يملك معلومات تفيد بأنهم يسافرون على خطوط شركته بغض التوجه لسوريا وغيرها من بؤر التوتر. والواقع أن الكثير من المتابعين يقولون أن الشركة ّأغلقت أبوابها بعد أن أكملت نشاطها بنقل أكبر عدد ممكن من الشباب التونسي إلى الأراضي التركية تميدا تمهيدا لانضمامهم للدولة الإسلامية، علما وان تركيا متورطة شأنها شأن قطر في مسألة تسفير الإرهابيين خاصة غلى سوريا.

ولهذا فإن إحداث اللجنة ليس إلا حركة عبثية تبعث على التساؤل عن أسباب عدم التفات النواب للتفكير بمثل هذه الخيارات عندما كانت الجمعيات المجهولة الأهداف والأنشطة وبعض الأحزاب والقيادات والأئمة تباشر نشاطها في مختلف الجهات و تبذل كل جهودها المادية والدعوية لتجنيد الشباب، ولماذا جاء هذا الخيار فقط عندما بدأ الحديث عن كيفية التعامل مع الإرهابيين العائدين لتونس؟ هل انقلب السحر على الساحر؟ هي أسئلة يملك عدد كبير من السياسيين الإجابة عنها ولكن لن يفعلوا ذلك ولن يصرحوا، ولهذا فإن الأكيد أن اللجنة جاءت في غير وقتها بل جاءت متأخرة جدا.

كما أن المطلع على نشاط اللجان داخل البرلمان التونسي يدرك أنها في مجملها دون التوقعات ولم تحقق الأهداف المنتظرة منها، بل أن أغلبها لا تصل إلى الاتفاق حول جملة من المشاريع والمقترحات، وتقع في مناسبات كثيرة في سجالات عقيمة تجعل أدوارها مبهمة وغير مفهومة لدى الرأي العام ولعل هيئة الحقيقة والكرامة تؤكد ذلك.

هذا ويقول الكثير من المراقبين أن مثل هذه اللجان ليست إلا مسكنات يطرحها أصحاب القرار في تونس لإسكات الرأي العام والإيهام بإيلائهم الموضوع الأهمية اللازمة، في حين أنهم بذلك يقومون بقبر الموضوع تدريجيا. وهذا ما ينبطق على هذه اللجنة المقترحة لأن مسألة التعاطي مع الإرهاب يبقي في نهاية المطاف ملفا منيا بحتا ولا يمكن عمليا للجنة برلمانية أن تقوم بأدوار حقيقية في هذا الغرض.