وحدة الوجود.. اختلاط الفلسفة بالدين

هدف الإسلام بلاغ التوحيد لا انتصار إنسان على آخر

ظلت قضية وَحْدَة الوجود مَثار جدلٍ ونزاعٍ بين الفلاسفة والصوفية والمتكلِّمين، وأهل الظاهر، وجميع الطبقات، طيلة قرون عديدة، ولم تَبْرُز تلك الإشكالية من عمق الحياة الدينية الخالصة؛ إذْ لما كانت الحياة الدينية والإسلامية في أنقى صورها إبَّان صدر الإسلام لم يُعِر الرسول الكريم وَحْدَة الوجود عنايةً أو اهتمامًا، وكذلك لم يخُضْ فيها الصحابة، فقد كانت الغاية الجوهرية للإسلام هي تبليغُ التوحيد المتمثل في الإيمان بـ"لا إله إلا الله" -فليس هناك إلهٌ آخر في الأرض ولا في السماء ولا فيما وراءهما غير الله الواحد- وأيضًا: التوجيهُ لإفراد هذا الإله الواحد بالعبادة، وأن يُؤمن الناس بأنه هو الرب والخالق، ومالك المجازاة بالثواب والعقاب، وأنْ يوجهوا وجوههم إليه حنفاءً، فلا تُعبد مظاهر الطبيعة، ولا يتخذ الناس بعضُهم بعضًا أربابًا من دون الله.

هو الرب الخالق الواحد، القادر على إيجاد المخلوقين من العدم، ثم إعادة من يشاء منهم إلى العدم مرة أخرى، وإذا أراد الإنسان الفوز بسعادة الدارين كان لزامًا عليه المواءمة بين رضاه ورضا الله. كان هذا هو جوهر التوحيد الإسلامي الخالص، وكانت دعوة الإسلام متمثلةً في أنَّ هذا الدين هو الدينُ القديم والدين القيِّم والدين المستمر، وكانت هذه -في الحقيقة- هي غاية تعاليم جميع الأنبياء، وقد ظل اختلاف الشرائع والأديان يتوالى بحكم مرور الأزمان وتغير الأحوال، إلا أنَّ الفارق بين الشعائر وطريقة العبادة فرعي؛ فحيثما يُوجد التوحيد يوجدُ كل شيء، وحيثما ينعدم التوحيد تصبح كل الشعائر مجرد قشور جوفاء.
اختلاط الدين بالفلسفة
ظهرت قضية وَحدة الوجود حيثما اختلط علم الكلام والفلسفة بالدين، فاتخذت عند الهندوس شكل الـﭭِيدَانَت التي صار الله أو الـ"إِيشوَر" فيها تصورًا شكليًا ومظهريًا وإضافيًا، ولم يعد هو الوجود المطلق. وقد أفادت تعاليم الـﭭِيدَانَت أنَّ الوجود المطلق ذاتٌ بحتةٌ، مجردةٌ من الصفات، وأن البَرَهْمَن المجرد من الصفات هو وحده الوجود الحقيقي، وهو كذلك مجردٌ من صفة الخالقية، وما يُسمى بـ"المخلوقات" ما هو إلا اختلاقُ الوهم والخداع البصري، وعالم الأنفس والآفاق كله مايا لا حقيقة لها، وتفرُّد الروح الإنسانية هو الخديعة الكبرى، ومصدر كل خداع، والوجود الحقيقي واحدٌ لا غير، لا نستطيع أنْ نقول عنه شيئًا، وإذا ما تَسَنَّى للـ"آتما" العرفان الصحيح، فستدرك أنه لا شيء سوى الـ"پَرْماتْما"، وعدا البحر لا وجود للموج ولا الحباب. إنَّ هذه نظريةٌ لا إلهية، ولا تخطو خطوة نحو "إلا الله"؛ فالنفي فيها مُسَلَّم، والإثبات مُتوهَّم، وعدا الذات المجردة من الصفات كلُّ شيء معدوم، وهذه هي نظرية شَنكر آتشاريه الذي يعدُّ أكبر مفسر للـﭭِيدَانَت. والبوذية كذلك تقوم على تبليغ هذه اللاموجودية واللاكونية، فليس فيها تصورٌ لله على الإطلاق، وما الظواهر النفسية والطبيعية إلا نِتاج الرغبة في الحياة، ولا حقيقة للأنفس ولا الآفاق، وبعد نفي الرغبة في الحياة سيتلاشى كل هذا.

تطورت الفلسفة اليونانية شيئًا فشيئًا إلى أنْ وصلت إلى نظرية سقراط وأفلاطون في المعرفة والوجود، والتي تتمثل في أنَّ الوجود المطلق هو العقل الكلي الذي يُمثل نظامًا وَحدانيًا للتصوُّرات الكلية، وهذه التصورات الكلية -التي تُعرفُ بالمُثُل الأفلاطونية أو الأعيان الثابتة- حقيقةٌ أبدية، وليست تصوراتِ نفسٍ ما، بل هي موجودة على الإطلاق بشكلٍ سرمدي، وليس في خارجها إلا العدم فحسب، إلا أنه يتوافر في العدم استعداد انفعالي يجعله يتبنى مؤقتًا عينًا أو تصورًا ما -من بين الأعيان الثابتة- يصير به أيُّ شيء موجودًا، وهكذا يحصلُ في كل موجودٍ اختلاطٌ بين العدم وعينٍ ثابتة ما، وليس هناك وجودٌ حقيقي إلا للتصورات العقلية التي تتجلى في مرآة العدم، وما الموجودات المحسوسة إلا ظلٌّ للمعقولات.

تنحصرُ وظيفة العقل في أنْ يتعرَّف على أعيانه من بين موجودات العدم المختلطة، ومن ثمَّ فإنَّ إله التوحيد الإسلامي لا نجده عند سقراط وأفلاطون ولا عند أرسطو، وقد واصلت هذه الفلسفة مراحل تطورها حتى وصلت إلى أفلوطين الإسكندري، الذي كان يلقبه المؤرخون المسلمون بأفلاطون الثاني، وأطلقَ الغربيون مصطلح الأفلاطونية الحديثة على فلسفته، يقول أفلوطين بأنَّ الوجود المطلق هو نورٌ مطلق، كائنٌ فيما وراء الروح والنفس، وما وراء العقل والإدراك، ولا تُطلق عليه أي صفة، وتنبع جميع الألوان منه، لكنه هو نفسه بلا لون، وتصدر جميع الصفات منه درجة بدرجة، لكنه لا يحمل في ذاته أية صفة، وهذا النور الأزلي معدوم الوعي والإرادة، ولكنَّ إشعاعه أزلي، وفيه صدور مُنبعِثٌ من مركزه على مراحل متدرجة، وكلما كانَ الشيءُ أقرب من مركز النور من بين هذه الصدورات، كان هو الأفضل نسبيًا، وبقدر ابتعاده عنه يكون مهملًا من الحقيقة الأزلية. وأقربُ شيءٍ من ذلك النور هو العقل الكلي، وأبعدُ شيء عنه هو المادة المحضة، التي يمكن تسميتُها بـ"العَمَاء"، وهو المُساوي للعدم، وتُولد النفس الفردية للإنسان في إحدى درجات تلك الصدورات، ولم يخلُقها بالإرادة صاحبُ غاية ومشيئة؛ بل الإرادات والغايات نِتاج الصدورات؛ لذلك لا وجود لها داخل الذات البحتة أو الوجود المطلق.
تفرعات فلسفة الوجود إلى الأخلاق والساسة
الوجود واحد

إنَّ الوجود الحقيقي واحدٌ لا غير، ويحظى به كلُّ شيء في كل درجة بمقدار مرتبته بين الصدورات، وتتحدَّد حقيقة كلِّ شيء بمقدار نصيبه من النور الأزلي. وكما أنَّ وجود أي شعاع من الشمس ليس مستقلًا بذاته، فكذلك ليس هناك وجودٌ فردي مستقل لأيِّ شيء في أية درجةٍ من درجات الصدورات. وقد صارت هذه النظرية في وَحْدة الوجود جزءًا مهمًا في فلسفة التصوف عند المسلمين، كما تركت آثارًا راسخةً على التصوف المسيحي في الغرب، وهذه النظرية مختلفةٌ تمامًا عن نظرية الوجود في الـﭭِيدَانَت والبوذية، بل تجاوزت تعاليم سقراط وأفلاطون وأرسطو؛ فبينما كان يعتبرُ العقل الكلي وحده حقيقة أولية ونهائية، فإنَّ الوجود المطلق يعتبر عند أفلوطين هو ما وراء العقل.

وليس من الضروري لوَحدة الوجود أنْ ترتبط بوَحدة العقل أو وحدة الإله؛ فقد نشأت الفلسفة اليونانية على أساس أنَّ الجوهر الحقيقي لجميع الموجودات هو الماء، وكلُّ ما هو كائن هو صورة متغيرة من الماء، ثم بعد ذلك قال آخرون بأنَّ الجوهر الحقيقي لها ليس هو الماء، بل النار، ثم وضع ديموقريطس المعاصر لأفلاطون أساس المادية الذرية، والتي تتمثل في أنَّ حقيقة الكون والحياة هي المادة التي ينطوي بداخلها عددٌ لا متناهٍ من الأجزاء التي لا تتجزأ، ومن التراكيب المتغيرةِ لهذه الأجزاء تتكوَّن وتفسد الأشياء، وتنبثقُ جميع عمليات التكوُّن والفساد من الذرات المادِّية وحدها، وهذه النظرية هي نظرية وحدة الوجود المادية التي لا ترتبط بوحدة العقل، ولا وحدة النفس، ولا وحدة الإله.

أما نظرية وحدة الوجود في التصور الإسلامي فمفهومها أنه لا وجود لأي شيءٍ آخر سوى الله، "ہمہ اوست": وحدة الوجود، فكلُّ ما هو كائنٌ هو مظهر لذات الله وحده، فالوجود واحدٌ لا غير، وفي كل أنواع الوجودات المختلفة ثمةَ وجودٌ مشترك، هو وجود الله، وقد تذكرتُ فحوى بيتين لشاعرٍ فارسي متصوف، يقول: يا الله! أنت تُهدِّدني بأنك ستلقيني في الجحيم، نبِّئني: أللجحيم وجودٌ أم لا؟ فإذا كان وجوده حقيقيًا فإنه لا يمكن أنْ يكون بدونك، فإذا كنت أنت هناك فكيف يمكننا أنْ نسميه جحيمًا؟ وإذا لم تكن أنت هناك فالجحيم معدوم.