أهالي شرق حلب يعودون الى مساكنهم المدمرة

لا يمكن العيش بجوار الموت

حلب (سوريا) - يكتفي عبد الحي بغرفة واحدة من أصل أربع في منزله المتضرر في شرق مدينة حلب وضع فيها بعضا من الفرش وأشعل الحطب للتدفئة ولا يهمه سوى أن يهنأ بالأمان بعد حرب طويلة أنهكته.

وكما غيره من سكان الأحياء الشرقية التي كانت تسيطر عليها الفصائل المعارضة طوال أربع سنوات، فضل عبد الحي العودة الى بعض من الحياة الطبيعية في بيته في حي الشعار برغم الركام المحيط به من كل حدب وصوب.

وفي غرفته الصغيرة، يقول عبد الحي (38 عاما) في تصريح "الوضع بات آمنا، وهذا سبب كاف لعودتي مع عائلتي الى منزلي مهما كان حاله".

ويضيف "كنا نعيش من دون مياه وكهرباء، وعدنا للعيش في الظروف ذاتها. يمكن الاستغناء عن الخدمات المعيشية لكن لا يمكن العيش بجوار الموت دائما، في ظل الخطر الذي بقي مرافقا لنا طيلة سنوات الحرب".

تضرر منزل عبد الحي مرات عدة جراء المعارك التي شهدتها المدينة طوال أربع سنوات، وبدلا من النوافذ الزجاجية اعتاد على وضع الألواح الخشبية وقطع القماش.

وكما عشرات الآلاف غيره من سكان الأحياء الشرقية، فرّ عبد الحي من منزله خلال المعارك الأخيرة التي تمكن أثرها الجيش السوري من استعادة كامل مدينة حلب في 22 كانون الأول/ديسمبر.

ولكنه لم يستطع الانتظار كثيرا وبمجرد أن فتحت بعض الطرقات المؤدية إليه، عاد الى منزله ليجده وقد تحطم معظم أثاثه وانتشر الزجاج المكسر على ارض.

يقول عبد الحي "أخبرتنا المحافظة أنها ستقوم بتسجيل الأضرار من أجل الحصول على التعويضات لاحقا"، مضيفا "علينا إحضار أوراق ثبوتية تثبت أننا أصحاب العقارات، وبعدها سننتظر دورنا من أجل قدوم لجنة تقييم الأضرار لتطلع على حالة المنزل".

وبانتظار حصول ذلك، عمد عبد الحي الى تنظيف جدران غرفة واحدة وضع فيها بعض الفرش والشراشف له ولزوجته واولاده وعلق فيها حبل غسيل.

ويقول "سأجهّز الآن غرفة واحدة، وبعدها أعيد تجهيز البيت غرفة تلو الأخرى".

وان كان الكثيرين من سكان شرق حلب بادروا الى البدء بإعمال الإصلاحات في منازلهم للعيش فيها، فان آخرين ممن تدمرت منازلهم بالكامل ليس أمامهم سوى الانتظار.

"لا اريد خسارة المزيد"

لم يترك احمد الجاسم وزوجته وابنهما (15 عاما) حي الشعار طوال فترة المعارك. وتسكن العائلة الصغيرة اليوم في منزل جيرانهم الذي يقع على بعد احتار عن بيتها المدمر تماما.

تنهمر دموع ام عماد (48 عاما) وهي تلقي نظرة من على شرفة منزل جيرانها على أنقاض بيتها وإغراضها وثيابها المبعثرة بين الحجارة والقضبان الحديدية. وتقول "منزلنا تدمر وجيراننا سمحوا لنا بالبقاء في منزلهم، كلما خرجت الى الشرفة ابكي على المشهد".

وتضيف "أقول لنفسي أننا الآن في مكان لا مياه فيه ولا كهرباء ومنزلي مدمر، كيف سيعود كل شيء الى حاله".

وفي غرفة مظلمة وباردة وضعا فيها حبل غسيل، يلقي الجاسم (60 عاما) والى جانبه زوجته الألواح الخشبية في مدفأة حطب صغيرة تقيهما البرد القارص.

ويقول الجاسم "البرد هنا لا يُحتمل، لا يوجد أي من مقومات الحياة، نستعيض عن الكهرباء بالبطاريات وعن المياه بشراء الغالونات"، مضيفا "يقوم ولدي بجمع الحطب طيلة الصباح من أجل أن نتدفأ في مساء".

وبرغم غياب الحاجات الأساسية، يشير الجاسم الى ان "الأمور اختلفت الآن وهناك أمان، ويمكنك الخروج في اي وقت دون خوف"، مضيفا "تحتاج ظروف المعيشة الى بعض من الوقت لتتحسن تدريجيا". ويخلص بحزن "أنا راض بالأمان لي ولولدي، لا أريد خسارة المزيد".

تأمل أم عماد أن تتمكن من إرسال ابنها الى المدرسة مجددا بعدما حرم منها ثلاث سنوات، وتقول "كنتُ أخاف عليه كثيرا من الموت والقذائف، لكنّي اليوم مطمئنة. حان الوقت كي يعود إلى مدرسته".

في حارة مجاورة ينتظر فؤاد السقّا (65 عاما)، أمام بيته المتضرر بشكل كبير وصول الجرافات لإزالة الركام الذي يسد جزئيا باب البيت.

يدخن سيجارته ويقول ""لم يبق شيء من منزلي، ولم يبق لي منه سوى الوقوف على الأطلال بعدما سدّ الركام كل شيء حتى النوافذ والأبواب".

وانتهت محافظة حلب من فتح غالبية الطرق الرئيسية في الإحياء الشرقية ولا يزال العمل مستمرا على فتح وتنظيف كافة الطرق الفرعية أيضا، إلا أن الركام لا يزال منتشرا في شوارع عدة وأمام المنازل والمباني.

الأمان قبل كل شيء

وفي احد شوارع حي الشعار التي أزيل منها الركام، يقوم بعض الأطفال بتعبئة المياه من خزانات حديدية زرقاء اللون. يتعثر احدهم بعبوة كبيرة يحملها، يضعها أرضا كلما شعر بالتعب قبل أن يكمل طريقه. وبالقرب منه ينقل فتيان الألواح الخشبية على عربة لاستخدامها للتدفئة.

يقصد سكان الأحياء الشرقية بعض محلات البقالة التي سارعت للعمل لتلبية حاجاتهم من مواد غذائية وبضائع ومستلزمات أخرى.

واختار بعض التجار عرض بضائعهم على رصيف الطرقات، وبينهم عماد الدين السودا (37 عاما) الذي عاد ليفرش بسطته من الخضار والفاكهة على أنواعها.

ويقول عماد "قبل شهرين، كان هناك خوف وقصف ودمار، لم يكن بإمكاننا حتى الوقوف أمام البسطة خشية القذائف، وهي أصلا كانت عبارة فقد عن البقدونس والنعنع والفجل".

ويضيف "أما الآن فهي غنية وملونة، والأسعار انخفضت كثيرا".

لا يكترث البائع الشاب بالركام والدمار من حوله، ويقول "المهم آن يبقى الإنسان بخير، كل شي يعود ويتعمّر"