الصّوفي الأصيل.. تجاه الآخر الدِّيني والمذهبي

نبذ الكراهية من أعماق الروح

تدفع التّجربة الدّينيّة لدى الصُّوفية المولوية بما تمنحه من عمق درجة الوعي لدى المريد إلى تفتح قلبه على الآخر المختلف، باعتبار القول بوحدة الوجود، والقول بوحدة الأديان لدى عدد من المتصوّفة، فقد تمثّل التّصوّف وحدة التّنوّع الهائل للحقّ، وأكّد أنّه يصعب حصر ذلك الاختلاف بقيود التعبير ورشاقة المنطق، وأكّد أنّه في هذا المستوى بالذّات تنعدم الفوارق المسجّلة بين الأديان، بدليل شيوع هذه التّجربة التّي برهنت قدرتها على مجاوزة كلّ الاعتقادات القطعيّة ابتغاء وجه الله. ولا شكّ أنّ لذلك المنحى علاقة بتحقّق مطلب السّلم مع الذّات، بالنّظر إلى المقامات والمجاهدات الصّوفيّة من ناحية، وبالنّظر إلى هرميّة الرّوح لديهم من ناحية أخرى، حيث يسعى المتصوّف إلى هزيمة الجسد بسبب انفعاله مع وجده وحاله، تلك الهزيمة التّي تعدّ شكلا من أشكال نهوض القلب في طلب الحقّ، بحيث يصير قالب المتصوّف بأوصاف قلبه، وهو بذلك يتجاوز الحواس لأنّه أدرك أنّ هناك معرفة من نمط آخر قد يسمّيها اليقظة، يقظة أيديولوجيّة ثوريّة أحيانا، يمكنها أن تناهض الفوضى السياسيّة على رأي، والحقيقة أنّ هذا المنحى الصّوفيّ يتماهى تماما مع دلالة لفظة السّلم في معناها اللّغوي، حيث يفيدنا "لسان العرب" مثلا أنّ السّلم يعني التّصالح، والخيل إذا تسالمت تسايرت لا يهيج بعض على بعض. كذلك تدلّ لفظة السّلم "La Paix" في اللاّتينيّة على انعدام الحرب، وترتبط ارتباطا وثيقا بالدّين من حيث إنّه يشكّل ظاهرة عالميّة، وقد صرّحت الكنيسة الكاثوليكيّة بأنّ من واجب المعتقد وغير المعتقد أن يحسم المشاكل الأساسيّة التّي تخصّ السّلم، بمعنى التّي تخصّ الابتعاد عن نيّة الحرب.

العودة إلى الله

كذلك تحتمل المحبّة في الفكر الصّوفي اليهوديّ معنى الانعتاق الذّي يحقّق العودة إلى الله، بالنّظر إلى القدر الذّي خصّ به ذلك الشّعب في المنفى، وهو معنى عبّر عنه فرانزروز غايج (1886م-1929م) بوضوح في "نجمة الانعتاق 1912". هذه المحبّة "ليهوه" تتأتّى كذلك من كونه صاغ الإنسان على صورته. ورد في سفر التكوين "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا". ووعد من ناحية أخرى "بالرّأفة الأبديّة التّي يمكن أن نقرأ فيها مظهرا للعلاقة التّعاقديّة التّي قامت بين الله وشعبه"، وقد تجسدت في الفكر الصّوفيّ المسيحي، لمّا صار المسيح اللّوغوس الإلهي الذّي تحوّل إلى إنسان، كذلك دلّت صفة التّثليث في الفكر المسيحي بين الله والابن والرّوح القدس على رغبة جامحة في عدم إبقاء البشريّة والألوهيّة في عالمين منفصلين بعلّة المحبّة القائمة بينهما، والتّي لا يمكن المرور إليها بالفكر أو المنطق فحسب، كما ذهب إلى ذلك المايستر إيكهارت (1256م-1327م) لأنّ الله يفتقر إلى أيّ شكل معروف لدينا. والواضح أنّ الله في الفكر الصّوفيّ يستحقّ تلك المحبّة "فالسّبب الذّي يجعلنا نحبّ الله هو الله ذاته"، ومنها تولّدت فكرة محبّة الله من دون غاية ومن دون فواصل، لا سيّما وأنّ المحبّة تعدّ جزءا من عقيدة الصوفي، وهي التّي تمكّن من التّخلّي عن الأنانيّة، وتفسح المجال إلى العطاء من دون حدود، وبالتّالي تظلّل الهوّة بين الله والذّات، وتعيد النّفس إلى حالة الآدميّة الأولى بنقائها الطّبيعي، وهو ذات المطلب في الفكر الصّوفي الإسلامي لمّا يتّصل السّلم بالمحبّة، ولمّا تحتمل المحبّة الصّوفيّة في الإسلام الإيثار والدعوة إلى الاستغراق، والذّوبان في المحبوب، والرغبة في الاستلهام من الجوهر الإلهي. وقد نهج التّصوّف الإسلامي في مقام المحبّة طريق الإخلاص، والمصطلحات الصّوفيّة تعبّر عن ذلك المطلب بالوصل، والشّوق والأنس، والعشق وذلك حال شهيدة العشق الإلهي رابعة العدويّة (ت. 135هـ أو 185هـ) التّي نقلت الرّوايات عنها مناجاتها لله وعشقها له من مثل قولها "إلهي هذا اللّيل قد أدبر وهذا النّهار قد أسفر، وعزّتك لو طردتني من بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبّتك" أو قولها:

أحبّك حبّين: حبَّ الهوى، وحبّاً لأنّك أهل لذاك

واعتبر السّريّ السّقطي (ت. 253هـ) المحبّة اجتهاداً في القرب من الله والأنس به، حيث يقول عن تجربته في المحبّة:

من لم يبت والحبّ حشو فؤاده لم يدر كيف تفــتّت الأكباد

أسهمت المقامات والأحوال الصوفيّة في نحت شخصيّات المتصوّفة كما أسهموا في وضعها، وكانت نظرة جلال الدّين الرومي إلى الآخر المختلف بتلك المواصفات تمدّ المتمعّن فيها بأسباب البسط، ولأنّها تتعمّق في الإنسان الجميل بنفسه، الثّمل بنفسه، الحلو بنفسه، فإنّها تدرك ومن دون عناء حكمة التنوّع والاختلاف، لا سيّما إذا ما وقع استقبال ذلك ضمن نظريّات الإنسان الكامل والقطب الهادي "فالقطب هو الأسّ وعمله هو الصّيد وبقيّة الخلق من أكلة بقاياه –كما ورد في مثنوي- فجاهد ما استطعت في رضا القطب حتى يقوى ويقوم بصيد الوحوش... والقطب هو الذّي يدور حول نفسه بينما يكون دوران الأفلاك حوله هو" والأكيد أنّ الولاية والقطبيّة من علامات القرب والوصل، لذلك اعتبرها جلال الدين الرومي الأسّ، وهي الثمرة الطيّبة لسفر طويل عطائي كسبيّ لدنيّ، يحصل بالتّجلّي والكشف، أو ما يعبّر عنه بـ"فتوحات العارفين" لذلك عدّه من الصّيد الثمين، واعتبر بقيّة الخلق من أكلة بقاياه، فوليّ الحقّ -كما في الكثير من التّعاريف- قائم برعاية الحقوق وحفظ الجوارح وجهاد النّفس.

الانفتاح التام

من القضايا المهمّة المطروحة التّي يغذيها تصوّف جلال الدين الرومي وانفتاحه على الآخر الديني، مسألة العالميّة من حيث إنّها تتداول توليفة كيانية تجمع العالم تحت رعاية المبدع -أحيانا- ووفق قواعد ثابتة تترأسها الأخلاق، وهي كذلك منشغلة بتجديد أنساق الوعي وإعادة رؤية القيم بشكل إنسانيّ نفعي متحرّر من احتكار السّلطات، وهي في قراءات أخرى متأخرة، تهدف إلى إعادة النّظر في طرق التناول لعناوين نافذة ومتحكّمة، كالأديان والأيديولوجيات والقوميات والحدود والهويّات، عناوين تتنازعها الأدلجة الدينيّة والسياسيّة والمصـالح الاقتصادية المتسلّطة، ولو أنّ الخطاب القرآني لا يدحض ذلك المنحى الكوني لمّا يسحب العقل إلى أبعد نقطة من ماضيه، ويجعلها انطلاقة لمستقبله، لا سيّما بالنّظر إلى استيعابه للسّياقات التّاريخيّة السّابقة له، واعترافه بها وتأسيس عالميّة الخطاب وفقها كما في قوله تعالى: "تبارك الذّي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا"، أو من حيث تأكيده وحدة الأصل البشري، وإلغاء كل الاعتبارات الإضافية المتّصلة بالنّشأة والقبيلة والجنس، والواضحة في قوله تعالى: "يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم الذّي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منها رجالا كثيرا ونساء". ولعلّ فلسفة الدّين تضيء على مناطق في هذا المجال، بوصفها تشدّد على ضرورة اعتبار القواسم المشتركة بين المعتقدات المنشغلة بالحقيقة الموصوفة بكونها روح الدّيانات، ومطمحها إلى الكونيّة أو العالميّة.

الإنسان الكوني

يخلص المتأمّل إلى إمكانات وجود الروح الصّوفي في بيئات دينيّة مختلفة، وعليه تؤثّث صفحات الإنسان الكوني الكثيرة على النت اليوم مقالاتها ومقترحاتها على أساس بناء المعرفة الحقيقيّة وفق وعي يقظ، تسعى التّجربة الصّوفيّة إلى إنضاجه وتخليصه من سلطة الأيديولوجيّات بروح إنسانيّة صافية، لذلك ومثله كان جلال الدين الرومي -في نظر الآخر- كنزا من الإلهامات في العدالة والسّلم العالميين، وسجّلت قيمة أعماله على هذا الجانب تحديدا، فهو ليس مجرّد متحدّث عن الوجدانيّات، بل هو عالَم من القيم، وعلى الفلسفات وأيديولوجيّات العصر الانتباه إلى فحوى أعماله، فالمطّلع على أعمال الرومي اطّلاعا جيّدا، يمكنه تمثّل تلك القدرة على تجاوز الحدود والتّخلّص من الأوهام، كما يمكنه الوقوف على تلك الحريّة الدّاخليّة والطّاقة الضّخمة والأمل في الآخر، من دون أن يسلب منه خصوصيّته، ويضيف آخرون أنّ اليقظة بالذات واحترام الذّوات الأخرى حاجة، على السّياسي ورجل الدّين ورجل العلم والشّاعر وغيرهم التّفقه فيها، فالحكيم جلال الدّين الرومي هو على ملك العالم بمقتضى إرثه التّراثي الذّي أثرى به الفكر الإنساني، لذلك صنّفت اليونسكو أعماله ضمن كنوز الأدب العالمي المترجمة إلى لغاته، والمرحّب بها في أكثر من حضارة وثقافة ولسان، والواقع أنّ الانتقال من تجربة الزّهد إلى التّصوّف، واكبتها حركة ترجمة الفلسفة اليونانيّة والأفلاطونيّة الحديثة إلى المسلمين في القرن الثالث "على يد من كانوا بجامعة جنديسابور –المدينة الفارسيّة– من مثل ماسويه أبو زكريا يوحنا (ت. 243هـ/857م) وسابور بن سهل صاحب ماريستان جنديسابور (ت. 255هـ/868م) وكلاهما انتصب للتّرجمة في بيت الحكمة ببغداد مع من ترجم من السريان والنساطرة" وإلى ذلك يعزى شيء كثير أو قليل من الحكمة والجدل، ولو أنّ للجدل سندات أخرى من النصّ القرآني والتاريخ الإسلامي.