الأردوغانية.. إذ تطوي صفحة الأتاتوركية!

تعديلات مثيرة للجدل

فيما كان العالم بأسره يتابع حفل تنصيب دونالد ترامب، ويواصل المراقبون سعيهم لمعرفة ردود الفعل على تسلّم تاجر العقارات الشهير والمالك الحصري لمسابقة ملكة جمال العالم والقادم الى البيت الابيض بلا تجربة سياسية سابقة، المنصب الأقوى في العالم، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يُسجِّل «انتصاراً» غير مسبوق في برلمان بلاده؟ عندما صوَّت 339 نائباً من اصل 550، لصالح مشروع التعديلات الدستورية المثير للجدل، الذي «صمَّمه» اردوغان نفسه، كي يُطلِق رصاصة الرحمة على ما تبقى من إرث مصطفى كمال، ويرمي بـ»الاتاتوركية» في سلة مهملات التاريخ، مُستغِّلاً بمهارة وخبث ورغبة عارمة بالظهور كزعيم اوحد، حال الطوارئ التي فرضها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في الخامس عشر من تموز الماضي. ذلك الانقلاب الذي ما يزال لغزا يثير الاسئلة ويستدعي الشكوك بانه كان مخططا له مُسبَقا وعلم السلطات التركية ــ على مستويات معينة به، وجرى الإعداد له في حِرفية عالية، انتهت بما آلت اليه الامور الآن، حيث «40» ألف شخص في السجون ينتظرون المحاكمة، ومائة ألف أُخْرِجوا من سلك الوظيفة العسكرية والقضائية والجهاز الاداري الحكومي، في عملية تطهير غير مسبوقة.

ليس القصد القول: إن اردوغان اراد عن قصد ان يتزامن احتفال التنصيب الاميركي مع التصويت بالقراءة الثانية والاخيرة على مشروع التعديلات الدستورية، الذي شمل نحوا من 10% من مواد الدستور التي تصل الى 180 مادة، بل هي الصدفة وحدها التي وفرّت لاردوغان فرصة ثمينة، بعد ان نجح في استمالة حزب «الحركة القومية» اليميني المتطرف بزعامة دولت بهجلي، كي يُؤَمِّنَ له العدد الكافي من الاصوات، وبما يضمن احالة مشروع التعديلات الى الاستفتاء الشعبي العام، بعد ان تعذّر عليه تأمين «ثُلثي» اصوات البرلمان، كي تأخذ هذه التعديلات مسارها الدستوري، دون الحاجة الى استفتاء شعبي، قد يكون مُحمّلا بالمفاجآت، خصوصا اذا ما وحّدَت المعارضة المتباينة الانتماءات والمرجعيات والرؤى، مواقفها وعملت على توفير اغلبية شعبية تقول «لا» مدوية لتعديلات استبدادية كهذه ،ما قد يُنهي مستقبل اردوغان الشخصي والسياسي على حد سواء.

هل ثمة امكانية او فرصة كهذه امام المعارضة؟

في ظل الاجواء الراهنة التي تعصف بتركيا على اكثر من صعيد، وبخاصة تدهور الاوضاع الأمنية وتأزّم الاقتصاد ونضوب مداخيل السياحة والإنخفاض الحاد في سعر صرف الليرة التركية مقارنة بالدولار، ناهيك عن تزايد خسائر الجيش التركي على الاراضي السورية، جراء العدوان الذي يحمل اسم «درع الفرات». تبدو فرصة المعارضة لحشد المزيد من الرفض الشعبي للتعديلات، واردة وإن بصعوبة، لأن الحملة لتسويق هذه التعديلات»أردوغانيّاً» بدأت فعليا، والاستفتاء مُقرّر في اواخر آذار القريب، في ظل «البهجة» التي يُبديها انصار حزب العدالة والتنمية الحاكم، وخصوصا ازاء نجاحهم في تمرير المشروع امام البرلمان، بعد ان وفر لهم دولت بهجلي الأغلبية المطلوبة، بل وزيادة عليها تسعة مقاعد، وجاءت عبارة اردوغان التي وردت في معرض تعليقه على تصويت البرلمان، لافتة في الشكل وفي المضمون، عندما «أَمِل بأن تتخذ الأمة.. القرار الصحيح».. يقصد الاستفتاء بالطبع.

واذ حظيت الجمهورية التي اقامها اتاتورك بلقب «الجمهورية الاولى» منذ العام 1923، فان مرحلة الجمهورية «الثانية» او لِنقُل (جمهورية اردوغان)، ستبدأ مباشرة بعد استفتاء آذار الوشيك، اذا لم تحدث «مفاجأة» خلال المائة يوم المقبلة، وان كانت «الامور» ممسوكة في شكل غير مسبوق هذه المرة من قِبل اردوغان ومؤسساته الامنية وميليشيا حزبه التي برزت بعد محاولة الانقلاب المزعوم او (الهدية التي جاءت من السماء،كما قال اردوغان حرفِياً) بعد ان قلّم اظافر المؤسسة العسكرية، ودجَّن السلطة القضائية، وطهَّر الجهاز الاداري الحكومي، وطارد بانتقام وتنكيل واضحين كل خصومِه ومُنتقدِيه ومُعارضِيه داخل حزبه وفي صفوف المعارضة، وعلى رأسها المعارضة الكردية والعلمانية واليسارية، واوسع وسائل الاعلام ورجالاتها... تضييقاً وتعسفاً وسجناً وتشويهاً وإغلاقاً وتجويعاً.. حتى تحوّلت تركيا الى ساحة تصفية حسابات ومطاردة على الطريقة المكارثية الاميركية المعروفة في خمسينيات القرن الماضي، ناهيك عن المغامرات العسكرية المحفوفة بالمخاطر الاجتماعية والعِرقية، التي امر اردوغان الجيش التركي القيام بها عبر تحويل مناطق الكرد في جنوب شرقي البلاد، الى ارض محروقة ومُدَمَّرة، وأيضاً عبر التدخل الإستعماري الفظ في شمال سوريا والعراق.

في السطر الاخير، أيّاً كانت تبريرات انصار حزب العدالة والتنمية وحليفه اليميني المتطرّف «الجديد» حزب الحركة القومية، في شأن التعديلات التي تمنح اردوغان بدءا من العم ،2019 صلاحيات واسعة تجعل منه حاكما أوحد حتى العام 2029 مثل الزعم بِأن النظام البرلماني الحالي هو سبب الانقلابات العسكرية، وانه (النظام البرلماني المراد دفنه) هو الذي اتاح للعسكر ان يتفوق على الساسة، فان كثيرين في تركيا وخارجها، يرون ان اردوغان يسعى الى تكريس سلطته المُطلقة وبخاصة اذا ما حالفه الحظ – والعمر – في تدشين الاحتفالات بالمئوية الاولى لإعلان الجمهورية في العام 2023، عبر دفن الاتاتوركية وجمهوريتها الاولى، والتأسيس للجمهورية الاردوغانية «الثانية» ولا أحد يعلم ـــ عندئذ ـــ ما الذي ستكون عليه تركيا واردوغان نفسه، كما حزبه والمنطقة والعالم أيضاً.

محمد خروب

كاتب أردني