أفريقيا الوسطى.. السياسة وراء العنف الدِّيني

مع ما في المسيحية من تسامح تحولها السياسة والجهل إلى ديانة قاتلة

تبدو دولة أفريقيا الوسطى حالة منقرضة نسبيا في القارة الأفريقية خلال القرن الحادي والعشرين؛ من حيث حالة عدم الاستقرار السياسي، ودورات العنف والصراعات المتكررة فيها، حيث نجحت جهود الاتحاد الأفريقي أخيرا في مقاومة أسلوب الانقلابات، كأحد أساليب تغيير السلطة، ولكن يبدو أن هذه الجهود لم تنجح مع حالة أفريقيا الوسطى حتى وقتنا الراهن، حيث تعاني الكثير من المناطق في هذه الدولة من حالة انعدام أمني في أعقاب تطورات وأحداث عنف في مارس (آذار) 2013 نتيجة تنحية الرئيس فرانسوا بوزيزي عن الحكم، وما تبع ذلك من تدخل عسكري فرنسي، أسهم في تحول طبيعة الصراع من صراع سياسي مرتبط بمقاومة تمديد فترة حكم بوزيزي لفترة رئاسية ثالثة.

أدت أعمال العنف الطائفية إلى نزوح ربع سكان البلاد -البالغ عددهم خمسة ملايين نسمة تقريبا- عن مناطقهم خوفا من الهجمات الانتقامية، التي أودت بحياة ما لا يقل عن ألفي شخص. وفر عشرات الآلاف من المسلمين النازحين إلى دولتي الكاميرون وتشاد المجاورتين.

فشلت الحكومة في السيطرة على الأمن في البلاد، نتيجة للأعمال الإجرامية والفوضوية التي تقوم بها الميليشيات المسيحية المسلحة (مناهضو بالاكا)، لتبدأ حالة فوضى غير مسبوقة، قُتل على إثرها المسلمون بطريقة عشوائية على أيدي الميليشيات المسيحية، إلى أن اضطر دجوتوديا للتنحي بضغط من رؤساء دول وسط أفريقيا مطلع يناير (كانون الثاني) 2014. وقد جرت انتخابات رئاسية في فبراير (شباط) 2016 أسفرت عن فوز ثيودورا فوستان أركونج.

أطراف الصراع

منذ الاستقلال ظلت دوائر القرار في أفريقيا الوسطى تحت هيمنة الأعراق المسيحية (غبايا Gbaya، ياكوما Yakoma، سارا Sara... إلخ). وجميع الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم البلاد (داكو Dako، بوكاسا Bokassa، كولينغبا Kolingba، باتاسي Patassé وبوزيزي Bozizé) كانوا كلهم مسيحيين، ولو أن اثنين منهم (بوكاسا Bokassa وباتاسي Patassé) قد اعتنقا الإسلام. ويشكّل السكان المسلمون –تاريخيًا- أقلية ظلت تهيمن على محافظات الشمال، وخصوصاً فاغاكا (Vagaka) التي ظلت يُنظر إليها منذ الاستعمار بوصفها طرف البلاد القصي. وقد مثّل وصول سيليكا (Seleka) إلى السلطة صدمة كسرت قواعد لعبة سياسية، كانت تتحكم فيها طبقة سياسية تمثل المجموعات العرقية في غرب البلاد ووسطها، وتدور في فلك الحكم العسكري. وهكذا أخلّ تحالف المجموعات المسلحة في الشمال الشرقي بمعادلة السلطة في أفريقيا الوسطى، من خلال سيطرة مواطنين وسط أفريقيين عانوا طويلاً من التهميش، وأجانب مسلحين على العاصمة بانغي، ومناطق أخرى كانوا مجهولين فيها كغرب البلاد.

وبدخول البلاد مرحلة الصراع الطائفي، وتدخّل القوّات الدولية، انضمّت فرنسا إلى قوات حفظ السلام الأممية، وسحبت الأسلحة من مقاتلي السيليكا، مما أضعفهم أمام الأنتي بالاكا. وقد اتهم أحد الجنرالات في أفريقيا الوسطى: اللواء يايا إسكوت، وهو من الأغلبية المسيحية، اتهم القوات الفرنسية بأنها مسؤولة عن التحريض على العنف الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في أفريقيا الوسطى. وأشار إسكوت إلى أن المسلمين والمسيحيين كانوا يعيشون في وئام حتى شرع بعض الساسة المحليين -الذين يتم تمويلهم من جانب فرنسا- في تحريض المسيحيين ضد الأقلية المسلمة.

دورات عنف وانتقام

نحو أزمة مفتوحة

عن العوامل التي تعيق حل الأزمة الإنسانية، فيأتي على رأسها نقص الموارد المالية للتعامل مع الأزمة والحد من آثارها السلبية. ففي الرابع من يونيو (حزيران) 2014، لم تمثل المساعدات التي تلقتها جمهورية أفريقيا الوسطى سوى (32%) من إجمالي المساعدات التي كانت في حاجة إليها عام 2014 (565 مليون دولار)، وذلك على الرغم من الوعود الدولية التي تلقتها أفريقيا الوسطى، بالحصول على مساعدات مالية أكثر جدية. والحال ذاتها تنطبق على دول الجوار، فالكاميرون لم تحصل سوى على الـ(117) مليون دولار التي وعدت بها، وتشاد لم تحصل سوى على (15%) من الـ(527) مليون دولار التي وعدت بها، وجمهورية الكونغو الديمقراطية لم تحصل سوى على (19%) من الـ(832) مليون دولار التي طالبت بها. أما عن الكونغو، فلم تحصل سوى على (10%) من الـ(14) مليون دولار التي طالبت بها. ومن ثم، يمكن القول: إن محدودية الموارد المالية والقيود المفروضة عليها، تعيق الجهود المبذولة لحل الأزمة.

كما أشار إلى ذلك الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الأخير، فلن يكون هناك حل سريع لأزمة أفريقيا الوسطى؛ فعمق جذور الأزمة يفسر استحالة تجاوزها في وقت وجيز؛ فقبل كل شيء يجب احتواء الأزمة الأمنية، للتمكن بعد ذلك من إعادة إرساء هياكل الدولة وبناء اقتصاد قادر على توفير فرص للعمل. والرهان الأكبر الآن في أفريقيا الوسطى هو التمكين سريعًا لدورة اقتصادية، تتيح لمعظم السكان كسب عيشهم بنزاهة. وهذا يقتضي العزوف عن التصورات الجاهزة لبناء السلام، واللجوء إلى التفكير النقدي لفهم أسباب فشل المساعدات الإنمائية المقدمة للبلاد.

على الرغم من ترتيبات استعادة الاستقرار في أفريقيا الوسطى؛ التي تبناها عدد من الدول والمنظمات، عقب انحدار الدولة نحو الصراع الأهلي مع نهاية عام 2012، والتي كان من أهمها اختيار رئيسة انتقالية للبلاد يتوافق حولها طرفا الصراع، وانتشار قوات فرنسية وأفريقية لحفظ السلام داخل الدولة، على الرغم من ذلك تتصاعد عمليات القتل والانفلات الأمني على نحو غير مسبوق، حيث اختفت الجماعات المسلمة من مدن بأكملها، كما يتعرض رجال الدين المسيحي لعمليات قتل مروعة، مما يطرح عديد التساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء اندلاع الصراع وتصاعده على هذه الصورة، وفشل المساعي الرامية إلى استعادة الأمن في هذه الدولة، حيث تتفاعل مجموعة من العوامل لتحول دون الوصول إلى تسوية لهذا الصراع، والحد من موجات العنف.

وفي محاولة لتحجيم العنف، وافق مجلس الأمن الدولي خلال شهر أبريل (نيسان) 2014 على تشكيل قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة، قوامها نحو (13) ألف فرد نظامي، بما يعد اعترافاً بإخفاق قوة أفريقية قوامها ستة آلاف فرد، وفرنسية مؤلفة من ألفين، في السيطرة على البلاد، ومنع تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية، وذلك إلى حد تحذير الأمين العام للأمم المتحدة في أبريل (نيسان) 2014 من أن تقسيم جمهورية أفريقيا الوسطى بات أمراً ممكناً، جراء أعمال العنف بين المسلمين والمسيحيين.

وفي مايو (أيار) 2015، تم عقد منتدى عرف باسم منتدى بانغي، وكان يهدف بصورة أساسية إلى الإسهام في تحريك عملية الانتقال السياسي. إلا أنه في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015، تجدد العنف مرة أخرى، مما أدى إلى مقتل نحو (60) مواطناً ونزوح حوالي (40) ألفاً.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وسعيا لتهدئة الأوضاع، قام البابا فرانسوا بزيارة بانغي، وحث على ضرورة تهدئة العنف الدائر، والتقريب ما بين مختلف الجماعات الدينية والتفاهم فيما بينهم. وعلى نحو مماثل، تدخلت السلطات التشادية وممثلو منظمة التعاون الإسلامي، سعياً للخروج من المأزق السياسي، وتأخر إجراء الانتخابات، كما كان مخططاً لها. في حقيقة الأمر، أدت تلك المساعي إلى قبول نور الدين آدم زعيم السيليكا سابقا بإجراء الانتخابات في المناطق التي يسيطر عليها (في الشمال).

اعتمدت حكومة أفريقيا الوسطى منذ عام 2003 برنامجاً لإصلاح القطاع الأمني، وبرنامجاً آخر لنزع السلاح وتسريح المقاتلين، وإعادة الإدماج في جماعات التمرد "DDR"، ومعظم تمويل هذه البرامج جاء من المانحين الدوليين. إلا أن إسهام هذه البرامج في تحقيق السلام كان ضعيفاً، فمعظم الجماعات المتمردة بدأت الإعلان الرسمي عن وجودها منذ عام 2005، كما أصبحت هذه البرامج مصدراً لتربح العاملين في عدد من المؤسسات، ولم تبذل حكومة بوزيزي إلا القليل لتنفيذ هذه الإصلاحات، حيث احتكرت الأمن للبقاء في السلطة. كما يسيطر على قوات الشرطة موظفون عسكريون، في ظل الضعف البيروقراطي، والاستعانة بالمقاتلين الأجانب.

في المحصلة النهائية لهذه التفاعلات -في الوقت الراهن- هي تقرير فريق الخبراء المرفوع لمجلس الأمن في ٩ أغسطس (آب) 2016، والذي يشير إلى تكوين ميليشيات جديدة من الفولانيين والمسلمين تسمى (نانا- مامبييريه) وتعني استعادة الحقوق، وتقاتل –حاليا- الأنتي بالاكا في شمال منطقة بوار بالشمال الغربي من البلاد.