الدلالات الجمالية للشخصية الكبيرة في السن دراميًّا

منبع للأصالة والعادات القديمة

التنوع في الشخصيات بحسب الأعمار مهم جدا، قد يتم توظيفها لاغراض جمالية وليس مجرد المهمة الدرامية، البعض يركز على العنصر الشبابي فقط ويهمل العناصر الأخرى وخاصة الشخصية الكبيرة بالسن والتي تبدو ثقيلة وهامشية.

في الكثير من الأفلام العربية نجد هذا النوع مرتبطا بالمرض والضعف والعجز أو التخلف والجهل ويتم التخلص منها بالموت أو تظل في الظل، وهناك أفلام كثيرة أيضا ربطت بين شخصية الرجل الكبير في السن مع الظلم والقسوة والسيطرة والقليل من الأعمال نحس فيها بعمق وروحانية وفكر وخبرة لهذه الفئة العمرية.

لنحاول مناقشة كيفية توظيف شخصيات كبيرة السن والتعامل معها بشكل جمالي وجعلها أساسية من تكوين العمل وليس مجرد عناصر ثانوية واهية وضعيفة.

في فيلم " تريستانا" و "فرديانا " للمخرج السينمائي الكبير لويس بونويل ظهرت شخصية العجوز البرجوازي ومن خلالها عمل المخرج على فضح هذه الطبقة البرجوازية بالتركيز على شبقها الجنسي وخوائها الروحي وعنفها، لم تكن الشخصيات لمجرد سرد درامي بل كانت دلالات على حالة لمجتمع يعيش تحت سيطرة البرجوازية التي تستند على الدين لتحقيق مطامعها وملذاتها الجنسية، كانت تارة استعارة للحالة التي وصل إليها الدين وتارة أخرى استعارة للمجتمع البرجوازي ومرر بونويل هذه الشخصيات لفضح زيف المظاهر الكذابة والواقع الزائف.

في أفلام موريس بيالى الشخصية المسنة مثلا الجد هو من يخفي أشياء عديدة، ويكون هناك دائما هنالك حوار ونقاش وعلاقة بين الجد والحفيد. فهي دلالة على ضرورة الحوار بين الجيل القديم والجديد، نرى أن الطفل الصغير يعبث بمحتويات الجد مثل الادراج وغيرها ليكشف لنا جانبا من شخصية الجد، أي أن وظيفة الشخصية المسنة ليس مجرد درامية بل تستخدم بشكل رائع بحيث تضعنا أمام لوحة إنسانية لجيل قديم وآخر جديد، ولكل جيل قلقه وأفكاره ولكن باب الحوار والجدل يظل مفتوحا رغم وجود العوائق.

في أفلام إنجمار بيرجمان نجد الشخصية المسنة تقوم بدور حيوي وفعال، مثلا في فيلمه "الوجه" يركز الفيلم على الجدة الطاعنة في السن ليخلق حوارات مهمة بينها وبين الفتيات الشابات، أي بين هذه الشخصيات والتي هي على حافة الموت والشخصيات الشابة والصغيرة التي تطمح بالحياة والسعادة والحب، يجمع ما بين هذه الشخصيات ليكشف لنا عن قلق حول الواقع ثم ليتعمق أكثر في موضوعات صعبة مثل الموت والحب، فالعجوز الساحرة في فيلم "الوجه" تملك عقار الحب والسعادة وتبيعه إلى الشابة الصغيرة سارة الحالمة بالحياة، في مشهد يجمع بين سارة والعجوز نرى أضواء اللمع والبرق وضجيج الرعد نلمس خوف الصغيرة ورعبها من العاصفة.

لدى بيرجمان لذة خاصة للجمع بين الوجوه الشابة والطاعنة في السن فهو ينطلق إلى أبعد من مجرد خلق تأثير درامي، يقودنا إلى عالم حالم ميتافيزيقي مرعب، أحيانا يستخدم الشخصية كبيرة السن لمحاورة الموت وتقريب صورته وفهم دلالاته، مثلا في فيلمه " الفراولة البرية " نجد البرفيسور إسحاق هذا الرجل الطبيب الطاعن في السن يرى في بداية الفيلم حلما غريبا يرعبه حيث يرى نفسه في شارع خال ثم تمر عربة وما أن يقترب منها تسرع الخيول في السير ثم تتعرقل العربة فيسقط منها تابوت ثم يقترب منها ليرى أنه بداخل هذا التابوت.

هذا الفيلم رحلة يراجع من خلالها المخرج حياته وإبداعه الفني ويتأمل في مسائل معقدة مثل الشباب والحب والعلاقات بين الابن والأب والتي يناقشها في أغلب أفلامه.

يبحر بيرجمان في ذكريات المراهقة والطفولة كونه في هذا الفيلم أصبح يستشعر بقرب موته ويتعامل معه بصورة إيجابية ويحاول فهمه وقهره.

أحيانا نجد أن الشخصية الكبيرة في السن مرتبطة بالقسوة والتحكم والقهر مثلا فيلم " ادوارد يد المقص" (1990)" للمخرج السينمائي تيم برتون، الجد هنا هو شخص رمز للنظام الديكتاتوري الظالم ولا يعي متغيرات العصر فلديه نزعة لتربية ادوارد هذا المعاق الذي يحمل أيادي تشبه المقص، يصبح الجد الكابوس المفزع فعندما ينتقل ادوارد لعالم الواقع يصطدم بعنف هذا الكابوس وكذلك حقيقية الناس وتفاهة المجتمع وجهله بالشيء المختلف الذي منحهم الجمال، يخوض ادوارد مغامرة صعبة أخيرا يعود لعزلته في ذلك القصر المهجور.

يمكننا أن نتوقف مع فيلم "العجوز والبلطجي" تمثيل كمال الشناوي ومديحة كامل وصلاح قابيل وهشام عبدالحميد من اخراج ابراهيم عفيفي، الفيلم يضعنا مع شخصية رجل عجوز ومجرم يريد أن يتخلص من حياته بعد شعورة بالألم والندم والوحدة، يلجأ إلى الشاب هشام عبدالحميد التواق للشر والمغامرة ومديحة كامل الأنثى المغرية وهذا الجمال الجسدي جزء من الشر، عندما يتحول الشر بداخلها للخير يتم قتلها على يد العصابة، في نهاية الفيلم الشاب البلطجي يقضي على الشر بالشر والعنف، هنا يندفع العجوز البلطجي لقتله وطعنه معتقدا أنه يتخلص من شر نفسه كونه يرى في الشاب نفسه الشر اللامحدود والعنف المدمر.

هناك أفلام عربية تظهر فيها شخصية العجوز أو المرأة الكبيرة في السن كمنبع للأصالة والعادات القديمة وتحمل صفات إنسانية كرمز للخير وهي في المقام المرشد والناقد يرثي تهور الجيل الجديد وهي تعيش في عصر قديم ويوجد أشبه بالإنفصال بينها وبين الجيل الحاضر، ومثال لهذا النموذج أم الشيخ حسني أي أمنية رزق في فيلم "الكيت كات" فابن حسني أي الحفيد يطمح بالهجرة وله أحلام مختلفة والأب هو نموذج لواقع محبط يقوم ببيع البيت ويصرفه في تدخين الحشيش، ظهرت في هذا الفيلم شخصية أخرى كبيرة في السن هي بائع الفول الذي يمثل منبع للقديم برونقه وفي النهاية يموت.

نرى الشيخ حسني ياخذه على عربة ويسير به فالمخرج هنا يريد أن يقول لنا هذا الماضي ها هو ميت ويحمله شخص أعمى، كان المخرج دواود عبد السيد في هذا الفيلم موفقا جدا لعكس دلالات إنسانية بتعامله مع الشخصية المسنة، نحس بنوع من الجدل والتناقض بين الماضي والحاضر والمستقبل فنحن مع قراءة واعية للواقع والمجتمع وليس مجرد نقل درامي.