مخاطر العقل الاحتسابى المغلق!

دعم طبقة رجال الدين حتى تحولوا إلى حراس للسماء

فى ظل الدول الشمولية والتسلطية، وأنظمتها السياسية التى تمارس القمع المادى والرمزى على «المواطنين»

تشكل فى إطارها العقل الرقابى وشخوصه التى تحولت إلى ماكينة ضخمة لممارسة الاستبداد، وتغلغلت فى تفاصيل الحياة اليومية بحثاً عن خطأ ما عابر يرتكبه بعض آحاد الناس، أو اقتفاء أثر سلوك سياسى ما فى طور التشكل ولا يشكل خطرا على السلطة الحاكمة، أو اقتناص تعبير نقدى صارم للسلطة والحكام، أو الجرى وراء من يطلقون بعض النكات أو الأقوال الساخرة لتفريغ القهر والإحساس المؤلم به فى نفسية المقهورين وكرس هذه العقلية الرقابية تطور الأجهزة الرقابية التكنولوجية مع القفزات التقنية الهائلة فى مجال الاتصالات، بحيث أصبحت تشكل رقيبا وحشيا، وتزايدت مع تطور برامج الرقابة الرقمية التسلطية على التفاعلات الرقمية على الواقع الافتراضى، بحيث أصبح «الأخ الكبير» الرقمى - إذا استعرنا جورج أرويل فى روايته 1984 - مع جحافل المخبرين والعسس، يشكلون قيوداً على حريات الناس، إلا أن الثورة الرقمية ليست ملكا للاستبداد فقط، وإنما أصبح الناس طرفا فى عملية كشفها وفضحها أيضا. هذه الذهنية الرقابية وحامليها، هى جزء لا يتجزأ من ثقافة الاستبداد والمستبدين التى أعاقت الإبداع، وكبحت العقل الناقد، والبحث الاجتماعى الحر، وصادرت حرية الرأى والتعبير، وحرية الضمير والتدين والاعتقاد.

إنها ذهنية المخبرين التى شكلت معها مجموعة من الأمراض النفسية لدى هؤلاء، وأشاعت قيم الكذب والالتواء والازدواجية، واللغة المراوغة، وأنتجت الفجوات بين الحكام والمحكومين وبين «المواطنين» بعضهم بعضا، وتضاءل مفهوم الثقة بينهم وبين الدولة والنظام والسلطة.

فى الدول والأنظمة السياسية المستبدة التى لاتزال تلعب بالدين فى الحياة اليومية وفى العمليات السياسية السلطوية، جعلت الدين أداة من أدوات الهيمنة على المجال العام المحاصر، ومصدرا لشرعيتها المختلة أو الناقصة أو الضائعة، وتوظفه لتبرير قهرها للناس، ومصادرة إرادتهم المستلبة.

منحت الأنظمة الاستبدادية لطبقة رجال الدين من المزايا ومساحات الحضور فى الحياة الاجتماعية، ما سمح لبعضهم أن يتغول ويتحول إلى رقيب على ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم وآرائهم! الأخطر أن بعضهم تصوروا أنهم بمنزلة نواب للسماء على الأرض. هذه النزعة الثيوقراطية فى السياسة تمددت إلى نزعة احتسابية، أدت إلى إنتاج الذهنية الاحتسابية فى التفكير البسيط، والسلوك لدى بعض الآحاد الذين يمارسون سلوكيات عنيفة ولغة فظة وغليظة فى تعاملهم مع الناس فى المنزل والأسرة والجيرة وعلاقات القرابة والزمالة، وفى سلوكهم اليومى إزاء الآخرين. هذا النمط الذهنى والسلوكى الاحتسابى ظهر وبقوة واستعراضية فى ظل حكم جماعة الإخوان المسلمين، وحلفائهم السلفيين، من خلال اعتداء بعضهم على حريات المواطنين فى المجالين العام والخاص، وهو ما ظهر فى قطع أذن بعض الأشخاص، أو قتل طالب الهندسة فى مدينة السويس الذى كان يجلس بجانب خطيبته فى الطريق العام، وغيرها من الممارسات العنيفة بما فيها إنشاء قضاء خاص عرفى موازٍ لقضاء الدولة! مستغلين اضطراب المراحل الانتقالية.

من أبرز تجليات العقل الاحتسابى وممارساته هو نزوع بعض الأشخاص الغلاة لرفع دعاوى حسبة أو شكاوى - بعد إلغاء الادعاء المباشر فى بعض الدعاوى إلى النيابة العامة لتحريك الدعوى الجنائية- ضد بعض الكتاب أو الشعراء أو الروائيين أو القصاصين، بقطع النظر عما إذا كانوا قد قرأوا كتاباتهم أم لا؟ وإذا قرأوها هل لديهم من التكوين والإطلاع ما يسمح لهم بتحليلها نقديا؟

من هنا نحن أمام ظاهرة مستمرة فى الحياة المصرية، وتعكس التدهور الشديد فى مناهج التعليم المدنى والدينى، وتوظيف السلطة للدين فى السياسة، وتبعية المؤسسة الدينية للحكم، وهو ما أدى إلى تصور بعضهم أنهم سلطة دينية تمارس رقابتها على حياة المواطنين، وأن دورهم إسلامى لا يتجاوز الإرشاد والتعليم للقيم والأخلاقيات الدينية السمحاء، ولمبادئ العدالة والمساواة والأخوة والصداقة والمغفرة والحب ونبذ الكراهية، والقبول بالآخر إلى آخر هذه القيم الإسلامية الفضلى. إن نزعة التفتيش فى ضمائر الكتاب والشعراء والروائيين وإيمانهم يشكل واحدا من أخطر التهديدات لحرية الفكر والإبداع والتعبير، وهو ما يؤثر سلبيا على صورة الدولة والنظام والنخبة الحاكمة فى الحياة الدولية المعولمة، ويجعلها موضوعا للانتقادات الحادة من الدول ووسائل الإعلام والمنظمات الطوعية الكونية التى تدافع عن حريات الفكر والتدين والاعتقاد، وهو ما ينعكس سلبيا على قدرة الدولة فى الحصول على المنح والمساعدات والقروض من الدول ومؤسسات التمويل الدولية.

من ناحية أخرى يؤدى العقل الاحتسابى ومطاردة الأفكار والروايات والقصص والأشعار إلى تهميش مركزية القوة الناعمة المصرية فى الإقليم العربى وأسهم فى تراجعها، الأخطر هو التناقض بين ذهنية الاحتساب وعالم رقمى هادر بالحريات بلا حدود

كفى إرهابا للفكر وتكفيرا للإبداع، لأن ذهنية الاحتساب والرقابة والتحريم تشكل إحدى علامات الاستبداد السياسى والتسلط الدينى، ولكنها جزء من عقلية ماضوية فى طور الأفول.

نبيل عبد الفتاح

كاتب مصري