'لعبة المغزل' .. مرويّات السلطة حين تخرج من إطارها

حاز على جائزة الشارقة للإبداع العربي في العام 2012

"كانت مزهوّة بفتنتها الطاغية، تُحبُّ لونَها الخلاسي اللاهبَ وقوامَها الفارعَ النابتَ من عمق التراب الأفريقي، مغرمةً هي باستداراتها السافرة وانحناءاتها الغنِجة، وكانت ممتنة لمرآتها القدرة على استدعاء كلّ هذا البّذخ دُفعةً واحدة".

ما من شكٍّ فإن هناك عدداً محدوداً جداً من الروايات العربية التي استطاع كاتبوها أن يُمسكوا بتلابيبنا من بداية رواياتهم حتى نهايتها، ومن بين من استطاعوا فعل ذلك الروائي الأرتيري حجي جابر المولود في العام 1976 بمدينة مصوّع الساحلية، والذي يعمل حالياً في ميدان الصحافة بإحدى دول الخليج العربي بالإضافة إلى عمله مراسلاً للتلفزيون الألماني DW ، وقد أصدر قبل ذلك روايتين إحداهما بعنوان "سمراويت" التي حاز عنها على جائزة الشارقة للإبداع العربي في العام 2012 والأخرى بعنوان "مرسى فاطمة".

قدّم لنا الروائي صورة ًوملامح استثنائية لبطلة روايته، قلما نجد لها مثيلاً في روايات عربية أخرى، مع ملاحظة أنه لم يختر لها اسماً، فالإسم هنا لا يحمل أية أهمية، فجميع أبطال هذه الرواية وشخوصها ليست لهم أسماء، وذلك يعود بحسب اعتقادنا لسرعة وجسامة وتتابع أحداث الرواية التي تتقصى بواطن الأمور وما وراء الحجب.

وكما يتبدّى لنا من المقطع السابق، فقد اعتادت بطلة الرواية أن تُحسَّ بأهمية جمالها وسطوة السحر الذي يبثّه في قلوب الرجال وكذلك نوازع الغيرة والحسد لدى النساء الأخريات من حولها.

نعلم من خلال مجريات أحداث الرواية أن المرأة شابة في مقتبل عمرها، وقد تخرّجت للتو من كلية الفنون بالعاصمة أسمرا، وهي تقيم مع جدتها لأمها، هذه الجدة تمتلك شخصية قوية ساحرة، وهي إحدى المناضلات القديمات اللواتي حاربن من أجل استقلال البلاد، وقد كرّمتها الثورة بإعطائها راتباً تقاعدياً وبيتاً صغيراً في أحد أحياء المدينة الراقية، ومع ذلك فإن هذه الجدة لا تكف عن ممارسة هوايتها المفضلة؛ الإمساك بمغزلها والشروع بحياكة عدد من الملابس الصوفية والقطنية لتقوم بعد ذلك بتوزيعها بنفسها على عدد من من فقراء المدينة.

وأثناء قيامها بالحياكة اعتادت أن تقص على حفيدتها عدداً لا يُحصى من الحكايات، التي تقوم بتأليف عدد كبير منها.

"كانت الجدة تهدهدها بحكايات مغنّاة حتى تنام، لم تكن تعي ما تسمعه، لكنها اعتادته، اعتادت اللحن والكلمات المبهمة، حتى صار من غير الممكن أن تنام من دونها".

ويوماً بعد يوم، تجد نفسها وقد انتقلت إليها عدوى الحكي، كان كل شيء يستثير مخيلتها، في إحدى المرات تخبرها الشجرة الكبيرة في باحة مدرستها أنها ترى حريقاً هائلاً يلتهم الصفوف العليا، نظرت إلى الأعلى لكنها لم ترَ شيئاً، فقد كانت قامتها أقصر من الشجرة بكثير، هرولت من فورها وأخبرت معلمتها التي هرعت إلى إخراج التلاميذ من فصولهم قبل أن تعود غاضبة وهي تصفها بالكاذبة ...".

تحاول الفتاة أن تعرف من جدتها شيئاً عن مصير والديها الغائبين، ولكنها لم تحصل إلا على إجابات مبهمة مقتضبة لا تروي ظمأها، كانت الجدة تتحدث عن نضالهما واستشهادهما بشرف على عتبة التحرير، كانت هذه الحكاية هي الوحيدة التي لا تصل لتمامها أبداً، ما أن تبدأها الجدة مرغمة تحت إلحاح وتوسل حفيدتها حتى تُنهيها وهي تُشرق بدموعها، على الرغم من الأقاويل التي تصل إلى سمعها في بعض الأحيان من فتيات أخريات يشاكسنها من أن والدتها تعرّضت لحادث بعيد عن المعارك وأخريات أخبرنها أن أمها ماتت معلولة العقل، ووصل الأمر ببعض من خاصمنها من رفيقات الدراسة إلى حد وصم والدتها في شرفها، وفي المقابل، لم يكن أحد يأتي على ذكر والدها الذي غامت سيرته على هامش الأقاويل التي تحوم حول والدتها.

نتتبع خطوات بطلة الرواية منذ البداية وهي تحصل على وظيفة لها في إحدى دوائر الدولة المهمة، وظيفة ذات حساسية كبيرة لأنها تتعلق بأمن الدولة وقادتها.

هذه الدائرة تُعنى بجمع المعلومات ثم أرشفتها وفق سياقات معينة بعد إجراء بعض التعديلات عليها من قبل موظفين مختصين، حيث يتم تقسيم الوثائق التي يراد تفريغ محتواها في حواسيب أعدت لهذا الغرض بحسب أهميتها إلى ثلاثة أصناف؛ الأول يُربط بشريط أحمر والثاني بشريط بني والثالث بشريط أصفر.

ومنذ البداية يوكل إليها العمل على الوثائق ذات الشريط البني، فيتاح لها أن تطلع على أسرار كثيرة مما دونه مقاتلو حرب التحرير وحكاياتهم حول أنفسهم ورفاقهم، الأمر الذي يثير حفيظة بعض الموظفين ولا سيما النساء تجاه هذه الوافدة الجديدة التي استطاعت بسرعة أن تنال حظوة لدى رئيس القسم ومدير الدائرة، كلٌّ منهما يريد أن يتقرّب إليها ويخطب ودها.

بعد فترة من عملها على الوثائق البنية يدفعها فضولها لأن تطلع على الأسرار التي تتضمنها الوثائق ذات الشريط الأحمر، أخيراً وبمساعدة رئيس القسم تستطيع أن تطلع على عدد منها، يسحرها الخط الجميل الذي يقوم صاحبه بإجراء التعديلات على معلومات بعينها، لاحظت أيضاً أن صاحب الخط الجميل يقوم بإجراء تعديلاته على المعلومات المتعلقة بسيرة السيد الرئيس، تحاول جاهدة أن تتعرف على هويته، وأخيراً يخبرها رئيس قسمها أنه الرئيس نفسه، فتزاد غراماً وهياماً به، شأنها في ذلك شأن عدد كبير من فتيات البلاد اللواتي يرين فيه بطلهن وفارسهن، خاصة وأنها سبق لها وأن قامت برسم لوحة زيتية كبيرة له واحتفظت بها لنفسها في غرفتها الخاصة.

يتاح لها أن تعلم من خلال الوثائق أن الرئيس لم يكن متفوقاً في القتال وإدارة البلاد في أحرج الظروف فقط، وإنما هو فنان أيضاً، فيده المدربة جيداً على معظم أنواع الأسلحة كانت يد نحّات بارع.

تقرأ في وثيقة أخرى؛ "اشتُهر السيد الرئيس بوسامته الطاغية، فهو يحتفظ منذ شبابه بقوام فارع وجسد عضلي مصقول ولياقة عالية لم تخذله حتى بعد انتهاء الحرب واستقراره في القصر، شاربه الكث كان مثار إعجاب الفتيات، أسلوبه الساحر في الكلام توّج كل ذلك ليجعله فارساً تحلم به كل فتاة ، لكن السيد الرئيس لم ينجر وراء شهواته، كان رجلاً ملتزماً لا يتيح لضعفه الإنساني أن يأخذه بعيداً عن هدفه، لم يكن يعاقر الخمر، ولا يستسلم لحبائل النساء المغوية، وهذا سبب آخر يجعل منه قائداً مختلفاً".

تتحدث وثيقة أخرى عن فتاة انضمت مؤخراً إلى صفوف المقاتلين، كانت جميلة جداً؛ "كان جمالها من النوع الذي يأسر الأبصار منذ اللحظة الأولى، لم يجرؤ جنديٌّ على محاولة استمالتها، حيث شاع تنافس القادة الكبار على كسب قلبها، وكانت الفتاة من جهتها متمنّعة للغاية، فلم تمنح أيّ ضابط أو جندي فرصة الاقتراب منها لغير دواعي القتال، ما جعل قلوب القادة تتأرجح رغبةً فيها، وحده السيد الرئيس كان خارج هذا التنافس المحموم، فلم يلتفت إليها مطلقاً أو يمنحها اهتماماً يفوق ما يعطيه لأصغر جندي لديه ...".

تتابع في وثيقة أخرى؛ "تعود هذه المقاتلة من إحدى المعارك وقد أصيبت إصابة خفيفة، فهرع السيد الرئيس إلى خيمتها وأشرف بنفسه على العانية بها، فكان يزورها كل مساء، يطمئن عليها، ويتحدثان لساعات طويلة، حتى أغرم بها وعرض عليها الزواج ....".

تضطرم نوازع الغيرة في قلب الفتاة، تتأمل الوثيقة فتعمد إلى إجراء تعديلات عليها، فتصف هذه المقاتلة بالقبح والجبن وتجردها من كل الصفات الجميلة التي تنعتها بها الوثيقة.

إلا أنها تفكر ملياً بما ورد في الوثيقة وتحاول الوصول إلى أصلها قبل إجراء التعديلات عليها، وبالفعل تحصل على مرادها فتكتشف أن السيد الرئيس قام باغتصاب هذه الفتاة على مرأى ومسمع من جنود حراسته، حيث دخل خيمتها في إحدى الليالي بحجة الإطمئنان عليها، لم تمر أشهر حتى تأكد الجميع مما حدث حين رأوا انتفاخ بطنها، وكانت الفتاة قد تغيّرت كثيراً وخفَّ وهجها فاعتزلت الناس، ورفضت في الوقت نفسه تسريحها، وحين أنجبت طفلتها، كان أول ما طلبته أن يأخذوا الرضيعة بعيداً عنها، لكنهم ما أن يفعلوا ذلك حتى تجهش في البكاء وهي تطلبها ليعيدوها، فتصرخ لإبعادها، ثم ضُبطت وهي تحاول قتل الرجل القوي أثناء نومه، فصدرت بحقها عقوبة مشددة، غير أن الرجل القوي تدخل لتخفيفها شريطة أن يتم تسريحها، وهو ما تم أخيراً، حيث خفت ذكرها شيئاً فشيئاً.

وقد قيل إن المرأة قد حسمت صراعها النفسي بأن تخلّت عن طفلتها لأمها، واختفت دون أن يعرف أحدٌ وجهتها.

خرجت من فورها من دائرتها تحمل الوثيقة وذهبت إلى المنزل، رأت جدتها واقفة عند الباب فصرخت بها، احتضنت الجدة بكل قوتها، أرادت أن تخترقها، أن تختفي فيها، أن تتلاشى فينتهي كل هذا العذاب، لم تُفلح كل محاولات الجدة لتهدئتها، حتى جاء سؤال الفتاة أخيراً متقطّع الأوصال بفعل النشيج؛ "هل هذه أمي؟".

أيقنت أن والدها هو السيد الرئيس.

سيد العبث في عالمها، انتصر السيد الرئيس وهُزِم الأب.

أمسكت باللوحة الأثيرة التي رسمتها له، ومزّقتها بعنف كبير، نثرت أجزاءها في كل مكان، استغرقت في النشيج.

اعتادت أن تقرأ في الوثائق الحمراء عن بر السيد الرئيس برفاق رحلته النضالية، ولكنها تقرأ في الوثائق الأصلية التي دوّنها شهود عيان أنه كان شديد القسوة والبطش بمنافسيه وأعدائه على حد سواء، وإزاء هذا الواقع تهتز صورة السيد الرئيس المرسومة لديها، ويظهر أمامها كوحش يكشر عن أنيابه.

تنتابها سورة من الغضب والنفور والتقزز من مثالها الأعلى، تمسك بالوثيقة، فتقرر إجراء التعديلات على مرويات السلطة.

"استدعت كل قاموسها العدواني والشرير، وغيّبت به كل الصفات الحسنة التي كان يسبغها السيد الرئيس على نفسه، أو حتى يصفه بها الآخرون، وضعت الخيانة في كل سطر تحدّث عن أمانة الرجل، وانعدام الشرف كلما ورد ذكر المروءة، أدخلت القبح والجبن وسوء الطوية والغدر والخسة والكذب والغرور والغباء وانعدام الحيلة والبلاهة، شعرت بالإعياء وهي تستنزف كل طاقتها اللغوية والجسدية في تشويه الرجل، لا هي لم تكن تقوم بتشويهه، كانت فقط تعيده إلى حقيقته، تزيل عنه الأصباغ التي ما انفك يضعها على وجهه ...".

وخارج هذا الإطار تُحس الفتاة بوعكة صحية فتذهب إلى عيادة أحد الأطباء:

"تظل ممددة على السرير بعد أن انتهى الطبيب من قياس ضغطها، بعد أن كان سألها عن بعض تفاصيل حياتها ووظيفتها، كانت تريد المكوث لفترة أطول وحسب مضت دقائق بدا فيها الطبيب محرجاً من بقاء مريضته في الغرفة دون مبرر".

ثم اعتدلت وجلست على الكرسي قبالته، كان يُغريها انشغاله بعمله عنها، لم يتبعها كالآخرين بعيون جائعة، لم يُطرِ جمالها، أو لم ينتبه له حتى، "أمعنت النظر في ملامحه فانتبهت متأخرة إلى دمامته، كان قصير القامة ووجهه مليء بالبثور، أنفه قصير معقوف وشعره متآكل يبر جبهة عريضة، دون أن يُخفي ذلك كله لمعة نباهة تشع من عينيه". ولكنها أرادت أن تطريه فتقول؛ لديك صوتٌ جميل!

كانت هذه الجملة أشبه الزلزال الذي هز كيان الطبيب، اكتفى بالتحديق في وجه الفتاة وهو يمسح قطرات عرق بدأت تتفصد عن جبهته، فهو لم يكن غافلاً عن جمال الفتاة، لكنَّ قبحه الذي يعرفه تماماً، كان بمثابة جدار صلب طويل يمنعه من الإقتراب من النساء عامة والجميلات منهن بوجهٍ خاص. حاول أن ينطق، أن يشكر إطراءها على الأقل، لكنَ لسانه لم يُطاوعه تحت تأثير الصدمة. همّت بالمغادرة، لكنّ الطبيب أمسك يدها بقسوة أوجعتها، حاولت الإفلات، فتشبث بيدها أكثر ولم ينطق، أفلتت يدها بقوة وغادرت مرتبكة.

ودون أن يعي يخرج آلة تسجيل من درج مكتبه، يلقمها أحد الأشرطة ضغط زر التسجيل وبصوت عال قال؛ "أنتَ صوتك ... جميل ...".

تخرج في اليوم التالي من دائرتها فتجد الطبيب منزرعاً أمام بابها، يحاول الإعتذار عن حضوره بدون موعد مسبق، يُخرج من جيبه شريطاً ويعطيه لها متعللاً بأنها أبدت إعجابها بصوته.

وعلى أية حال تجد أنه لا مفر لها من هذا الطبيب البائس الذي يقتحم حياتها عنوة وبكل هذه الفجاجة، وإزاء تجربة عملها في دائرة الأرشفة والحقائق المهولة والمريرة التي تكتشفها، تجد نفسها وهي تتقبل إقامة علاقة تفتقد إلى الحميمية مع هذا الطبيب، أو لنقل إنها محاولة لتخفيف الضغط النفسي عليها، وخلال ذلك تبوح له ببعض أسرارها وما عزمت عليه.

في لحظة ما، وإزاء شعوره بالصغار وانعدام الحيلة تجاهها، يُحس الطبيب بأن كرامته قد أُهينت وأن لاجدوى من الركض واللهاث وراءها، فيتخذ قراره بضرورة الإنتقام منها، يحمل سماعة الهاتف ويتصل بالقصر الرئاسي ويخبرهم بأن لديه معلومات خطيرة تتعلق بأمن الدولة وأمن السيد الرئيس بشكل خاص، يخبره الطرف الآخر بضرورة حضوره إلى القصر حالاً.

يضعنا كاتب الرواية أمام حذلقة من طراز خاص، حين يُقحمنا في بداية الرواية في تفاصيل واقعة وضع لها عنواناً هو؛ "لليلة الأخيرة دائماً مذاقٌ مختلف".

تقترب الفتاة من الميدان الذي يقام فيه الإحتفال الكبير بيوم الاستقلال، كان شاغلها أن تجد مكاناً قريباً منه، تمنت لو تستطيع الوقوف في وسط الميدان، بحيث يمر أمامها تماماً يصطدم بها، يخترقها وهو يعبر طريقه وصولاً إلى المنصة، زاحمت المصطفين حتى بلغت أقرب نقطة تستطيعها، خمّنت أنه يستطيع رؤيتها بوضوح من مكانها هذا، من بعيد ظهر الرجل الفارع أخيراً، ظهر رجلها يتبعه عدد كبير من حرّاسه، حاولت الاقتراب أكثر، لكنّ جندياً وقف في وجهها بملامح صارمة، غفل الجنديُّ قليلاً، فانسلّت من أمامه وركضت بأقصى طاقتها، لم يكن يفصلها عن رجلها سوى أمتار قليلة، كانت تنظر في عينيه تماماً، أرادت أن تصل إليه في أبهى زينتها، ألّا تفقد شيئاً مما أعدّته لليلتها الأخيرة؛ فستانها الأصفر الطويل، حقيبة يدها، وقلادتها المنتظمة في نحرها، أرادت أن تصله مكتملة، بقوامها الممشوق، وأحمر شفاهها، والعطر الجديد، فلا يتخلّف شيءٌ منها عن لحظتها المنتظرة، التفت إليها، فالتقت العينان أخيراً، لامست رقبته، رأت لأول مرة نظرة مذعورة، فشعرت بالزهو، سقطت على الأرض، فارتبك هندامها، فقدت حقيبتها، وغاص فستانها الأصفر في الدماء، وحده العطر الجديد ظل معها يُظللها كغيمة حنونة، شعرت بالرضا، أراحها الذعر الذي أسكنته عينيه، فابتسمت برضا، وأغمضت عينيها بهدوء.

وكما يتضح لنا فإن الروائي استطاع أن يتمثل الوضع النفسي لأبطال روايته هذه ويعكسه لنا في صوره المختلفة.

بقي أن نشير إلى أن الرواية حفلت بعدد من الجمل ذات الدلالات المعبرة التي لا تُمحى، ويطيب لنا أن نثبّت ما راقنا منها.

* اللوحات كائنات لئيمة، تبادلك الحياة طالما تعمل عليها، وما أن تنتهي حتى تُركن إلى الموت، ولا يُعيدها إلى الحياة إلا إحساسُكَ بها.

* فوجئت برد الجدة وهي تقول لها إن الكلمات مراوغة لا يُمكن الوثوق بها، وهي كالفخاخ، ننصبها بحذر وإتقان دون أن نضمن تجنّب الوقوع في شراكها.

* يقول الطبيب مع نفسه واصفاً إياها؛ "هي جميلة وجميلة جداً، وربما لم يُتح لك معرفة من هي في فتنتها الطاغية، لكن جمالها مرهق ومتعب وزائد عن الحاجة، جمالها عبءٌ في حضورها وفي الغياب".

* وعلى لسانه أيضاً؛ "لجمال الطاغي غلالة تحجب طعم الأشياء، لكن الأكيد أن الأمور تكون أكثر وضوحاً أمام الدميم، ثم يخاطب نفسه؛ "أنتَ تلعب هنا دور العصا التي يستند إليها الأعمى".

* إن بذور الهزيمة تستوطن القبح، فتأتي الخسارة من الداخل، دون حاجة إلى الخصم، ودون خوض أي معركة حتى.

* لا شيء أصدق من لحظة الولادة، وكل ما يليها هو تراكم للزيف ليس إلا.

* أب سيّء موجود أفضل ألف مرة من كل الآباء الطيبين الغائبين.

* تتنازعها مشاعر متناقضة. " كانت بحاجة إلى شيء يشطر ذهنها شطرين، بدأت تراه شخصين، شخصاً قبيحاً لا يُطاق، يستدعي كل أحقاد الدنيا، وآخر يُمكن التماس العذر له ككل الآباء السيئين".

* النهايات التي نختارها وهمٌ كبير، العبرة دوماً بالنهايات التي تختارنا.

* الناس لا تكتمل متعتهم بالجمال ما لم يمتلكوه.

* خطر لها أن الحكايات الملتبسة هي أكثر صدقاً وبقاءً وأن الحياة ما هي إلا حكاية كبيرة ملتبسة.

* "لا يتغيّر الانسان دون عذاب؛ لأنه النحات والمرمر في آنٍ معاً".

هذه الجملة للكاتب أليكس كاريل وقد ثبتها الكاتب في صفحة الرواية الأولى.