ميانمار والروهنيجيون المسلمون.. البوذية السياسية

الغرابة أن تكون البوذية في بورما على غير ما معروف عنها فب التيبت مثلاً

إذا قبلنا الرواية التقليدية، عندئذٍ تكون ميانمار (غيّرت بورما اسمها رسمياً إلى "ميانمار" في الدستور المنقّح سنة 1989) على الطريق لأن تصبح ديمقراطية، توفّر حقوق الإنسان لكل مواطنيها. ويفترض أنه لا يمكن العودة عن هذه العملية الآن، منذ فوز حزب "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" بقيادة أونغ سان سو كي في الانتخابات التي أجريت نهاية سنة 2015.

اختارت الدولة في الواقع هدفاً سهلاً لأن الروهنيجيين لا يشاركون في ثورة مسلّحة (خلافاً لمعظم الجماعات العرقية الأخرى)؛ وتقلّ حقوقهم في المواطنة عن حقوق الجماعات العرقية الأخرى، ومن السهل تحديدهم من دينهم. وهكذا فإن ما بدأ بوصفه إجراء انتهازياً بسيطاً، أصبح يلوّث الخطاب السياسي والاجتماعي في البلد. وظهر عمق هذا الإجحاف عندما اضطرت أونغ سانغ سو كي (زعيمة "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية") للشكوى إلى إذاعة البي بي سي لأنها اكتشفت بعد إجراء مقابلة معها أن من أجرى المقابلة مسلم.

يركّز هذا الفصل -في معظمه- على الجماعات البوذية التي تقف خلف كثير من العنف الممارس ضدّ المسلمين في ميانمار الحديثة. لكن من المهمّ أن نتذكّر أنهم لا يعملون في فراغ. فللجماعات البوذية صلات واسعة مع "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" والنظام العسكري القديم على حدٍّ سواء. وهم يؤثّرون في معتقدات معظم البورميين العاديين، بسيطرتهم على قسم كبير من النظام التعليمي في البلد. وفي ميانمار الحديثة، لا يجرؤ إلا القليل على الوقوف في وجه تعصّبهم أو تحدّي مقولاتهم.

أصول حركة (969)

عندما نالت بورما استقلالها، كانت البوذية مهمّة، لكن اعتُبر أن الطبيعة المتعدّدة الأعراق والمتعدّدة الطوائف تشكّل أساساً أخلاقياً للحياة العامة لا تهديداً لها. وفي أعقاب الانقلاب العسكري سنة 1962، بدأ ذلك في التغيّر وحدث مزج بين المواطن الموالي والانتماء للعرق البورمي والديانة البوذية. وأصبح ذلك أشدّ وضوحاً بعد فشل الطريق البورمي إلى الاشتراكية بوصفها مبدأ اقتصادياً، فبحث النظام عن نهج جديد لدعم جاذبيته الشعبية. وفي الوقت نفسه، أنفق النظام مبالغ كبيرة لإعادة بناء معابد الباغودا التي تهالكت بسبب الإهمال تحت الحكم الاستعماري البريطاني. وعلى نحو الملوك البورميين الأوائل، ساند العسكريون التراتبية الدينية وتوقّعوا في المقابل أن يوفّر الرهبان الدعم الشعبي للنظام. وفي أراكان، شيّد النظام معابد بوذية جديدة على أراضٍ سُرقت من القرى الروهنجية في محاولة لكسب ولاء البوذيين الراخينيين.

لكن على الرغم من أن النظام حاول ضمان الحصول على تأييد المجتمع الديني البوذي في الانتفاضتين الشعبيتين اللتين وقعتا في السنوات (1988-1990) و(2007-2008)، فقد كان للرهبان البوذيين دور حاسم في الاحتجاجات الشعبية على النظام. وعندما انضمّ الرهبان إلى الثورة، اكتسبت الاضطرابات الطالبية تأييداً واسعاً بين السكان. ومنح الرهبان بدورهم، لا سميا في سنتي (1988-1990)، "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" الناشئة الحركة الجماهيرية التي تفتقر إليها. وهذا الارتباط مهمّ لأن "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" كانت قسماً معزولاً –نسبياً- من النخبة في ميانمار، وتناضل للحصول على تأييد شعبي. وقد سُجن عديد من الرهبان أو قُتلوا في إطار الثورة، وكان القمع المباشر للبوذية أحد أسباب فقدان النظام الكثير من التأييد الذي يحظى به.

حركة (969) شأنها البوذي شأن حركات الإسلام السياسي في الإسلام

لكن تحالف الرهبان مع "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" لم يكن إيجابياً جداً بالنسبة للأقليات غير البورمية وغير البوذية في ميانمار. وقد أحدث ذلك ارتباطاً (غير مريح أحياناً) بين الأحزاب الوطنية المتعدّدة الطوائف في البلد (لا سيما "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" وحزب اتحاد التضامن والتنمية الذي يرعاه العسكريون) والمتطرّفين البوذيين. وهكذا في أعقاب انتخابات سنة 1990، والانقلاب العسكري، تواطأت "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" مع حزب متطرّف في راخين لمحاولة إسقاط الانتخابات التي كسبها الروهنجيون.

استمرار الاضطهاد الديني

استمرّ اضطهاد الروهنجيين بين سنتي 2008 و2012، ولاحظ تقرير للحكومة الأمريكية سنة 2012 أن لهذا الاضطهاد طابعاً دينياً. وشهدت تلك الفترة تدمير عديد من المساجد التي زُعم أنها بُنيت من دون ترخيص ملائم، كما شهدت إقامة عدد من "المناطق الخالية من المسلمين" في بعض أنحاء راخين. وبالإضافة إلى ذلك، شيّدت المعابد البوذية في مناطق لا تضمّ سكاناً بوذيين، بتسخير الروهنجيين في الغالب، وثمة حملة مستمرّة للتشجيع على اعتناق البوذية برفع القيود على السفر، والعمل، والالتحاق بالمدارس لمن يقبلون القيام بذلك. وقد حظي الروهنجيون الذين أبدوا استعداداً لتغيير دينهم على الحقوق نفسها التي يتمتّع بها المواطنون.

ربما يكون لحركة (969) جذورها في الحركة المؤيّدة للديمقراطية في السنوات (1988-1990)، لكن عندما عاودت الظهور سنة 2008، لم يكن هناك كبير شكّ في أن الجيش متواطؤ في إنشاء حركة (969) أولاً ثم ما با ثا لاحقاً. وأفاد بعض الرهبان بأن الضباط العسكريين عرضوا عليهم عند إطلاق سراحهم من السجن معاشاً ومكاناً في أحد الأديرة إذا ساندوا حركة (969). لكن في الفترة المبكّرة التي تلت سنة 2008 كانت حركة (969) لا تزال تساند "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" إلى حدّ كبير، بل إنها جدّدت في الواقع التحالف الذي كان قائماً بين سنتي 1988 و1991. وهكذا وفّر الرهبان ثانية صلة بين القيادة النخبوية لـ"الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" وجمهور السكان البورميين.

في أواخر سنة 2014، أنهت حركة (969) تحالفها السابق مع "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية". وتكمن المشكلة -في نظرهم- في أن قيادة الرابطة عارضت حظر الزواج بين البوذيين والمسلمين، مع أنها كانت راضية عن التزام الصمت بشأن اضطهاد الروهنجيين. ولا تستند معارضة "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" إلى أساس ديني، ولكن لأن ذلك يعدّ هجوماً على حقوق المرأة. ولذلك انضمّت حركة (969) إلى الما با ثا في الحملة لصالح حزب راخين وحزب اتحاد التضامن والتنمية المدعوم من الجيش سنة.

أصبحت الما با ثا منذ إنشائها سنة 2010 أكثر نفوذاً من حركة (969) الهرِمة. وتمارس اليوم قدراً كبيراً من السيطرة على التعليم الديني في ميانمار، وتستخدم ذلك لتعليم تفسيرها المتطرّف المضادّ للمسلمين. وقد أدارت عدة حملات لإجبار البوذيين على مقاطعة الأعمال التي يمتلكها مسلمون، كما حظيت حملة "الشراء البوذي" بدعم الدولة أيضاً. والأخطر من ذلك أنها تتصدّر كل حالة عنف مرتكب ضدّ المجتمعات المسلمة في ميانمار. وعلى وجه الخصوص، نظّم تحالف من حزب راخين العرقي (حزب تنمية قوميات راخين) والما با ثا وحركة (969) العنف في راخين سنتي 2012 و2013.

إذا كانت حركة (969) قد ظهرت في البداية لمعارضة النظام العسكري، فلا يحيط مثل هذا الغموض بأصول الما با ثا. وتوحي أدلّة حديثة بأن العسكريين أنشؤوه بمثابة واجهة. وأفاد ذلك في منح حزبهم جاذبية انتخابية أكثر اتساعاً (وإن لم تكن كافية لتفادي الهزيمة سنة 2015)، كما شكّل مصدراً دائماً للتوتّر في ميانمار، وهو أمر يلائم العسكريين إذا قرّروا أن القيام بانقلاب يخدم مصالحهم على أفضل وجه.

لقد كان ذلك في الواقع التحالف الذي حرّض على العنف العرقي سنة 2012 في راخين، وهو ما يشكّل مصدر قلق عميق على مستقبل الروهنجيين. في تلك المرحلة، نظّم موجة العنف ائتلاف من المتطرّفين الراخينيين والبوذيين والدولة. وتطوّر ذلك إلى هجوم على الروهنجيين في كل أنحاء المقاطعة، وانتهى بفرار كثير منهم من البلد أو إلى ما أصبح الآن مخيّمات دائمة للاجئين. ولا زيال المتطرّفون الراخينيون والبوذيون يحاولون طرد ما تبقّى من الروهنجيين.

ربما نأمل أن تكون قيادة "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" مستعدّة الآن، بعد خلافها مع حلفائها المتطرّفين، للوقوف في وجههم وضمان حقوق المواطنة الطبيعية للروهنجيين. لكن ذلك لم يحدث للأسف. فالنظام الجديد حريص –كسابقه- على وسم الروهنجيين بأنهم "بنغاليون" والتهديد بعدم المشاركة في أي اجتماع دولي يستخدم فيه اسم الروهنجيين. وذلك لا يترك لنا –للأسف- سوى الاستنتاج بأن قيادة "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" تشترك التحامل على المسلمين، الذي يذكي حراك المتطرّفين البوذيين.