أفريقيا الوسطى.. حركة الأنتي المعادية للمسلمين

حركات متطرفة تدعم بعضها بعضاً

مرت جمهورية أفريقيا الوسطى منذ مارس (آذ2013 في جملة من الاضطرابات السياسية تحولت إلى صراع عنيف؛ غالباً ما يشار إليه بالصراع "المنسيّ". سرعان ما أخذ الصراع في الأشهر التالية منحى طائفيا في صورة أعمال عنف متصاعدة بين المسيحيين والمسلمين وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان لم تشهد البلاد مثيلا لها في تاريخها. وعلى الرغم من أن القيادة التي تولت السلطة بعد الانقلاب تخلت عن الحكم بعد أشهر معدودة، فقد وصلت انتهاكات حقوق الإنسان إلى حد الإبادة الجماعية.

بدأت الأزمة عندما أطاحت مجموعة من المتمردين المسلمين من أهل الشمال، عرفوا باسم السيليكا Séleka أو التحالف بلغة السانغو Sango، اللغة المحلية الأولى، بالرئيس الأسبق فرانسوا بوزيزي، لينهوا عهدا من الفساد السياسي والتمييز والاستبعاد ضد أهل الشمال المسلم، وليحل محله ميشيل دجوتوديا Djotodia زعيم السيليكا كأول رئيس مسلم للبلاد. ولم تمر أشهر قليلة إلا وقد أعلن الرئيس الجديد في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه حل قوات السيليكا رسميا، ونزع سلاحها، وتسريح أفرادها في محاولة للسيطرة على ما ارتكبته من أعمال عنف في أرجاء البلاد. الأمر الذي رفضه عديد منهم؛ فانقلبوا على دجوتوديا، وشنوا موجة عنف واسعة ضد أهل الجنوب تمثلت في أعمال قتل وعنف، ونهب وحرق لعديد من القرى وصلت إلى تدمير (34) قرية ومدينة.

حركة الأنتي- بالاكا

اختلفت الآراء حول تفسير المقصود بمصطلح بالاكا Balaka. حيث فسره البعض بكلمة "المنجل أو الساطور" Machette بلغة السانغو، في إشارة إلى استخدام قوات السيليكا السلاح في مواجهة المواطنين، وبالتالي يُقصد بالمصطلح مقاومة إرهاب وعنف السيليكا.

إلا أنه في مقابلة تم إجراؤها مع أحد أفراد الحركة، أشار إلى أن المقصود بالمصطلح هو anti-balles AK أو الحصانة ضد اختراق طلقات الأسلحة الرشاشة (الكلاشينكوف). أي القوة الخارقة التي يكتسبها أفراد الحركة من ارتداء التعويذات السحرية التي تتدلى من رقاب معظمهم لتحميهم من الطلقات. وبالتالي يُقصد بالمصطلح الخارقون أو "المحصنون".

ظهرت حركة الأنتي- بالاكا في أواخر تسعينيات القرن الماضي بدعم من الدولة، كوحدات دفاع ذاتي بغرض حماية المجتمعات المحلية من هجمات قطاع الطرق أو لصوص الماشية. ولم تعبر في بدايتها عن أي انتماءات سياسية أو دينية، بل كانت مكملة لقوة الدولة ولجهازها الأمني.

سرعان ما وقعت الحركة فريسة بيد سياسية خفية، تلاعبت بها بهدف تقويض دعائم النظام المسلم الحاكم لصالح إعادة النظام المخلوع –نظام بوزيزي- للحكم مرة أخرى. حيث نجح بوزيزي وأعوانه في تصوير الانقلاب العسكري، ولأول مرة في تاريخ البلاد، باعتباره تحديا لمعتقدات الأغلبية المسيحية ولهيمنتها السياسية والاجتماعية. واستغل الروابط الدينية لحشد التأييد ضد السلطة الجديدة، وتعبئة الأغلبية المسيحية –بمن فيها معارضو نظامه- وراء حركة الأنتي- بالاكا باعتبارها المدافع الأول عن المسيحية في أفريقيا الوسطى ضد السيليكا وحلفائها المسلمين.

وبهذا نجح بوزيزي في إضفاء الشرعية على كل ما ترتكبه الحركة من أعمال عنف ضد الأقلية المسلمة، وتحول المسلمون إلى العدو الأول والمستهدف الرئيس من أعمال الأنتي- بالاكا الانتقامية.

ومع تصاعد قوة الحركة من جهة، وإضعاف قوة تحالف السيليكا نتيجة لتدخل القوات الدولية الفرنسية والأفريقية لحماية المسيحيين وفرض الاستقرار من جهة أخرى، تحولت الحركة إلى وحش كاسر انجرف في موجات انتقامية خرجت عن سيطرة النظام والمعارضة، بل والقيادات الدينية المسيحية في الوقت ذاته. وبعد أن كانت مهمة الحركة الدفاع عن الأهالي والمواطنين، أصبحت هي نفسها خطرا على المواطنين المسلمين العزل، ولم يعد لأي طرف –بمن في ذلك القيادات الدينية المسيحية- سيطرة حقيقية عليها وعلى ما يرتكبه أفرادها من جرائم ضد الإنسانية، تحت ستار حماية الدين المسيحي من الخطر الإسلامي.

اتحدت هذه الجماعات تحت راية واحدة وقدمت "للأنتي- بالاكا" الدعم العددي والدافع السياسي والأيديولوجي ضد تحالف السيليكا. وعلى الرغم من الاختلاف في أهدافها من وراء الانضمام للحركة، فإنها اتفقت على القضاء على السيليكا وأنصارها من المسلمين، من خلال اتباع نهج وحشي في التعامل مع أنصارها ومؤيديها وبث الرعب في قلوبهم. وكذلك على إعادة الرئيس بوزيزي، الذي انقلب عليه المسلمون، للحكم مرة أخرى.

ونظرا لاختلاف توجهات الجماعات المكونة للحركة، اختلفت أيضا في هدفها من الانضمام حسب اختلاف مركزها ومكانتها داخل الحركة.

كما ضمت للأنتي- بالاكا مجموعة متنافرة من الفلاحين المعدمين، والعاطلين عن العمل من قطاع الطرق، وأطفال الشوارع المتسربين من التعليم، يعانون من عدم التنظيم، مثلهم في ذلك مثل ميليشيات السيليكا، متناثرين في مجموعات صغيرة العدد، تُرك لكل ميليشيا تدبير أجهزتها الخاصة، والاستيلاء على ممتلكات المسلمين باللجوء إلى العنف المفرط. تسيطر عليهم قوى السحر والشعوذة، ولديهم قناعة بأن ما يحملونه حول أعناقهم من تعاويذ سحرية، وعمولات كافٍ لحمايتهم من اختراق الرصاص.

أما عن أيديولوجية الحركة، فمن الخطأ حصر أهداف الحركة في المكاسب المادية فقط، وإغفال وجود فكر معادٍ للإسلام. فلا يمكن نفي مشاعر الريبة والعداء التي كانت تختمر تحت السطح، بالرغم مما يشاع من انسجام نسبي بين المسلمين، وتعدادهم (15%) من السكان، وغالبية مسيحية تمثل أكثر من (80%) من السكان، يعيشون معا لأكثر من خمسين عاماً، هي تاريخ استقلال البلاد.

كما أسهم في دعم الأفكار المعادية للإسلام ما نشرته إدارة الرئيس المخلوع بوزيزي، وعلى مدى ثلاثة عهود، من خطاب ديني معاد للإسلام والمسلمين، وبإشاعة تورط الجماعات الإسلامية المتطرفة، ومنها جماعة بوكو حرام، في دعم المسلمين بالمال والعتاد بهدف تقويض أمن واستقرار البلاد. والهدف من وراء ذلك هو الحصول على الدعم الخارجي، سواء للاحتفاظ بالسلطة السياسية، أم استعادتها بعد فقدانها. والغريب أن إدارة بوزيزي نفسها، التي تنشر معاداة الإسلام، هي ذاتها التي اعتمدت على نظام مسلم، النظام التشادي، لدعم استمرارها في الحكم!

وعلى جانب آخر، عززت الانتهاكات التي ارتكبتها السيليكا، وأعمال العنف والنهب التي استهدفت المدنيين المسيحيين، والمؤسسات المسيحية، دون المساس بالمساجد ولا ممتلكات أو أرواح المسلمين، خطابا قويا معاديا للمسلمين المحليين، وللأجانب خاصة التشاديين والسودانيين، لقتالهم إلى جانب صفوف السيليكا.

في الوقت ذاته، لا يمكن الادعاء بوجود أيديولوجية دينية حاكمة لتحركات الأنتي- بالاكا. فبالرغم من أن الأنتي- بالاكا كانت الوحيدة التي هبت للتصدي لهجمات السيليكا، وعلى الرغم من مقتل العديد من المدنيين المسلمين بسبب دعمهم –أو مزاعم دعمهم– لتحالف السيليكا، وعلى الرغم مما ادعاه بعض مقاتلي الأنتي- بالاكا من الكفاح لحماية "مسيحيي أفريقيا الوسطى"، فقد نفت قيادات الكنيسة هذه المزاعم.

لا بوكا حرام مثلت الإسلام ولا الأنتي مثلت المسيحية

الأنتي- بالاكا وأمن البلاد

بحلول يناير (كانون الثاني) 2015، وصل عدد النازحين من المسلمين إلى المليونين، وأصبح ما يقرب من الثلاثة ملايين في حاجة لمساعدات إنسانية عاجلة. أما باقي مسلمي البلاد، فقد تم تحديد إقامتهم في تسع مناطق فقط في وسط وغرب البلاد، مع منع تدفق المعونات الغذائية أو غيرها إليهم. انظر الشكل رقم (2).

ونتيجة لهذا، أخفى من تبقى من المسلمين هويته الإثنية والدينية، فكانوا يمارسون الصلاة سراً، ولا يرتدون الجلباب الإسلامي، ولم يأمنوا التحدث علانية بغير لغة السانغو، اللغة المحلية الأولى، أو الجباية Gbaya، لغة أكبر الجماعات الإثنية في البلاد. كما لم يأمنوا الانتقال إلى خارج مناطقهم المحلية سواء للعمل أو التجارة في مناجم الماس، وهي المهنة التي طالما سيطروا عليها كوسطاء، بالإضافة إلى امتلاكهم لعديد من الشركات التجارية التي سلبها منهم المسيحيون.

فالشمال المسلم من جهة، ممثلا في تحالف السيليكا، يسعى للسيطرة على الموارد الاقتصادية وضمان استمرار هيمنة الوسطاء المسلمين على تجارة المناجم، وسلطتهم على عمال المناجم المسيحيين منخفضي الأجر الذين لا يستطيعون تغيير حرفتهم بالرغم من ضعف عائدها، ومكاسبهم المحدودة منها إما لجهلهم بالقيمة الحقيقية للماس، أو لارتباطهم بعقود مع الممولين يبيعون بمقتضاها الماس بأثمان بخسة. فهم بهذا فريسة فخ من الفقر لا يمكنهم الفكاك منه. بينما يسعى الجنوب المسيحي من جهة أخرى، ممثلا في الأنتي- بالاكا أو في النظام الحاكم، إلى كسر هذه السيطرة لضمان التفوق الاقتصادي والهيمنة السياسية، وذلك بإجبار المسلمين على التخلي عن ممتلكاتهم ومغادرة المدينة أو مواجهة الموت.