الصَّفوية.. القزلباش وزوال التَّصوف

إبعاد ومطاردة وأحتوى

استلم القزلباش بعد قيام الدولة الصفوية، اعلی المناصب في الدولة الجديدة. فصار التيار الحاکم تيارا صوفيا مشبعا بفکر شيعي مغالي. فقد کان القزلباش ينظرون الی الشاه الصفوي وخصوصاً الشاه اسماعيل بنظر الالوهية ويعدونه «ظهورا الهيا» وبمنزلة صاحب مقام الولاية والوحي الی غير ذلک من عقائد الحلول والاتحاد والتناسخ ولقبوه «المرشد الکامل» و «الصوفي الاعظم» باعتباره شيخ الطريقة الصفوية؛ کما کانوا يتفانون في حب المرشد حتی برزت عندهم ظاهرة السجود له او تقبيل الارض بين يديه مما اثار عليهم حفيظة الفقهاء الشيعة.

لم يقتصر الوجود الصوفي في هذا العهد علی اتباع الطريقة الصفوية؛ بل کانت هناک طرق اخری لها حضور فاعل في المجتمع الإيراني. قد تراوح اسلوب تعامل السلطة مع هذه الطرق بين الدعم وبين الابعاد والمطاردة التي وصلت الی حد الابادة. فمن اشهر هذه الطرق الصوفية في ذلک العصر، الطريقة «النعمة اللهية» و هم اتباع شيخ نعمة الله الولي» المتوفی سنة (1431م) حيث ارتبط شيوخ هذه الطريقة بسلك الدولة وصارت لهم مکانة مرموقة في البلاط الصفوي. فقد وصل المير عبد الباقي اليزدي شيخ الطريقة النعمة اللهية يومئذ الی منصب الصدارة في عهد الشاه اسماعيل لکنه قتل في معرکة جالديران.

النزعة الصوفية عند الفقهاء

کانت النزعة الصوفية منتشرة ايضا في وسط مجموعة من الفقهاء الشيعة. فالبهائي العاملي (المتوفی 1622م) کان يمتلک حسا صوفيا وعرفانيا مرهفا فقد جاء في کتابه «الکشکول» مطالب کثيرة حول التصوف والعرفان بحيث استطاع ان يکتسب احترام جميع الطرق الصوفية ويثير اهتمامها حتی نسبته الکثير من الفرق والطرق اليها کالطريقة النوربخشية حيث اتهم بالانتماء اليها. محمدتقي المجلسي (المتوفی1659م) تتلمذ علی يد الشيخ البهائي و کانت لديه ميول نحو الزهد والتقشف ونقل انه کان يمارس بعض طقوس الصوفية کالاربعينيات حتی عدّه بعض الصوفية منهم، کما کان لديه ايمان بالکشف والشهود والکرامات التي يمکن عدها من اهمّ خصائص الفکر الصوفي والعرفاني.

وکان محمد باقر المجلسي (المتوفی1699م) و هو ابن المجلسي الآنف الذکر، کان من الدّ اعداء الصوفية فانکر بشدة انتماء ابيه الی التصوف وارجع وجود مظاهر التصوف عند والده الی تمسکه بروايات اهل البيت (ع) الحاثة علی الزهد والورع وجهاد النفس. برّر المجلسي اختلاط والده بالصوفية وتقربه منهم بانه کان يحاول في البدء هدايتهم الی طريق الصواب فلما وجد ان جماعة منهم غير قابلين للهداية تبرأ منهم، بل وحتی کفرهم، وفي الحقيقة کان الکثير من الناس لا يثقون بالمجلسي الاول بسبب قوة التيار المناهض للتصوف الی ان جاء ولده المجلسي الثاني وبرّأ والده من تهمة التصوف فعادت ثقة الناس به وتم الاعتماد علی کتبه وتداولها.

الملا محسن الفيض الکاشاني (المتوفی1678م) من العلماء الاکثر جدلا في العهد الصفوي الذي تارة يظهر بمظهر الاخباري المتعبد واخری يبدو کصوفي زاهد وثالثة يبرز کفاءته کفيلسوف متعمق. في الحقيقة ان الفيض قد تأثر بکل هذه المدارس الفکرية وحاول ان يوفق بينها فهو لم يکن يستطيع ان يتجاهل التراث الفلسفي والعرفاني الذي ورثه من استاذه ووالد زوجته الملا صدرا (المتوفی1640م) کما لم يستطع ان يتنکر للروايات والاحاديث خاصة وهو تلميذ ماجد بن هاشم البحراني الذي کان يحمل فکرا اخباريا.

کان العصر الصفوي في بواکيره الاولی عصرا مفعما بالروح الصوفية التي اعتمد الصفويون عليها عندما شادوا صرح دولتهم. فسيطر الصوفيون القزلباش علی جميع مراکز القوة في البلاد باعتبارهم اصحاب الفضل علی هذه الدولة ومن قامت الدولة علی اکتافهم وبهذا اخذوا يحاولون وبشتی الطرق الحصول علی اکبر قدر ممکن من الاموال والمکانة السياسية والاجتماعية حتی ادی ذلک الی نشوب صراعات داخلية فيما بينهم ، ويبدو ان التسلط قد استهواهم فاستفحل امرهم حتی وصل بهم الامر الی التمرد علی السلطان الصفوي الملقب عندهم بالمرشد الکامل.

القزلباش

قد ادّی سلوک القزلباش الی تغير سياسة الملوک الصفويين تجاههم، فقد اخذ الصفويون بالبحث عن الفقهاء – ذوي الميول المناهضة للتصوف – ليسلّموهم مقاليد المؤسسة الدينية بکاملها. فاستدعی الشاه طهماسب فقهاء من لبنان وبالتحديد من جبل عامل، وتمکن الفقهاء اللبنانيون من صياغة الحرکة الفکرية في إيران وفقا للمقاييس الفقهية والتي منها معارضة التصوف والوقوف في وجهه، وفي الحقيقة لقد ظهر بين العلماء تياران مناهضان للتصوف:

الاول: التمييز بين التصوّف و العرفان: کان الملاصدرا (المتوفی1640م) احد الممثلين الرئيسيين لهذا الاتجاه. کتب ملاصدرا کتابه الشهير «کسر اصنام الجاهلية» وهاجم فيه التصوف السوقي المصحوب بالبدع والامور المخالفة للدين حسب تعبيره حيث قال: «وجدت جماعة من العميان وطائفة من اهل السفه والخذلان ادعوا علم المعرفة ومشاهدة الحق الاول ومجاوزة المقامات عن الاحوال والوصول الی المعبود والملازمة في عين الشهود ومعيانة الجمال الاحدي والفوز باللقاء السرمدي وحصول الفناء والبقاء، وأيم الله انهم لا يعرفون شيئا من هذه المعاني الا بالاسامي والمباني» وارجع سبب هجومه هذا الی جهلهم بالمعارف وعدم التزامهم بتعاليم الدين وفي خاتمة کتابه اعتبر هدفه من کتابة الکتاب هو «التنبيه والاعلام لمن له ذوق سليم وقلب صحيح علی فساد الزمان وانحراف اکثر الناس عن جادة السلوک الی طريق العلم والعرفان».

نظرة التأليه للملك ونائب الإمام

الثاني: الرفض المطلق للتصوف و العرفان: ظهر هذا التيار نتيجة ازدياد نفوذ الفقهاء وانتشار المد الاخباري. لم يميز هذا التيار – کالاول – بين العرفان والتصوف، اي بين السلوک الصحيح والخطأ، مما ادی الی سريان الرفض من التصوف الی العرفان فظهر من يذم العرفان والعرفاء ومن يحذو حذوهم کالملاصدرا وغيره لمجرد تمسکهم بالعرفان ودفاعهم عنه حتی وصل الامر الی حد التکفير، ولم يقف الهجوم عند هذا الحد بل تجاوز الی الفلسفة لوجود تقارب بين الفلسفة والعرفان خاصة بعد ما قام به الملاصدرا من الدمج بين نتائج البحث الفلسفي والعرفان النظري.

في معاداة التصوف

نتيجة هذين التيارين القويين المناهضين للتصوف انهالت الکتب والرسائل الرافضة للتصوف باللغتين العربية والفارسية مثل کتاب (حديقة الشيعة) المنسوب الی المقدس الاردبيلي، ورسالة (الفوائد الدينية) لمحمد طاهر القمي، وکتاب (السهام البارقة) لعلي العاملي، وکتاب (النفحات الملکوتية) ليوسف البحراني، و(رساله خيراتيه) لآقا محمد علي، وکتاب (السهام المارقة من اغراض الزنادقة في الرد علي الصوفية) للمشهدي وقد صاحبت هذه الحملة دعم قوي من السلطة التي اعطت مکانة مرموقة للعلماء المناهضين للتصوف. کما شنت الدولة حملات ابادة ضد اتباع بعض الطرق کما حصل لاتباع الطريقة النقطوية.

لم يتمکن التصوف مقاومة کل هذه الضغوط فتقهقر آمام الضربات الموجعة التي وجهت اليه نتيجة تظافر جهود العلماء والدولة للقضاء عليه، حتی اذا جاء القرن السابع عشر کانت الکثير من المدن لا تجد فيها صوفيا واحدا وتحولت الخانقاوات التي اخذ يصفر فيها الريح الی معالم تذکر بما کانت تعج به من الاتباع الکثر وبما کانت تتمتع به من سطوة ونفوذ حتی لقد تحدث ابن الکربلائي (مؤرخ صوفي) عن احدی الزوايا في تلک الفترة وقال: انه لا يوجد فيها أي درويش لا في هذا المکان ولا في اي مکان آخر وکانت الضربة القاضية علی يد محمد باقر المجلسي (1699م) عندما صار شيخا للإسلام في اواخر العهد الصفوي حيث استطاع توظيف نفوذه الواسع للقضاء علی ما تبقی من التصوف في إيران.

يمکن تلخيص العوامل التي ساعدت علی زوال التصوف في إيران بما يلي:

اولا – الفساد الاخلاقي للقزلباش وتمرداتهم التي شکلت خطرا علی الدولة.

ثانيا – کثرة المتصوفة غير الملتزمين باحکام الاسلام.

ثالثا – محاولة الطريقة الصفوية احتکار التصوف لصالحها حيث قامت بالقضاء علی باقي الطرق.

رابعا – .نفوذ العلماء والفقهاء الرافضين للتصوف