'غرباء' الياباني تايشي يامادا تحاور الاشباح


تشبيك العلاقات الإنسانية بشكل معقد وبسيط

في سعيها لرفد المكتبة العربية بكل ما هو جديد من الأدب العالمي، أصدرت دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع بدمشق رواية "غرباء" لمؤلفها الياباني تايشي يامادا.

وقام بترجمة الرواية خالد الجبيلي، وصدرت في طبعتها الأولى 2016 م مكونة من 223 صفحة.

وكما هو معروف، تطور الأدب الياباني الحديث كان على أيدي الثلاثة الكبار وهم – يوكيو ميشيما و كوبوآبي وشو ساكو إندو.

أما كاتب الرواية هنا فهو كاتب معاصر، نحاول قراءة عوالمه لنستكشف البيئة الثقافية اليابانية.

ففي \'الغرباء" يعمد المؤلف يامادا إلى وضع المتلقي في واجهة أحداث الرواية بشيء من الصدمة، وهو ككاتب معاصر يبحث في تساؤلات ملحة تتعلق بالوحدة والقلق، الحياة والموت، الحقيقة والوهم، بل يذهب بعيداً يفتش حياة كاتب سيناريو "بطل الرواية".

وهو بارع في رسم مسارات حياة شخصياته على شاشة التلفاز ولكنه أخفق في حياته الزوجية، ثم وجد نفسه لا مناص له من تطليق زوجته لكونها بدأت تميل إلى رجل آخر، صديقه المنتج في محطة التليفزيون.

وما يميز هذا العمل عن غيره، كم التفاصيل التي ساقها يامادا وهو يبحر بنا في صميم الثقافة اليابانية، واحدة من مفرداتها الشعبية تعتبر أن التحدث مع شبح رجل ميت أمر سيء يترتب عليه ضمور عافية المرء مع مرور الوقت! هذا تماما ما حصل مع بطل الرواية كاتب السيناريو، الذي وجد نفسه يعيش الفراغ بعد أن غادرت زوجته أياكو البيت وهي مطلقة ثم في وقت لاحق وهي أمام القاضي، تمثل بتواضع خبيث أنها لا تريد الكثير من زوجها السابق، بينما هي تطمع بالاستيلاء على كل شيء!.

الكتابة بحد ذاتها لم تملأ فراغ الرجل الذي وجد الشقة التي يسكنها تكاد تضيق عليه الخناق في وحدة قاتلة أو ربما حالة إكتئاب مرضية تمهد فعليا لاضطرابات نفسانية عميقة لم نشعر بها واضحة المعالم إلا في ختام الرواية.

هنا يتعرف الكاتب العجوز على امرأة تسكن العمارة، وهي تماماً وحيدة مثله.

يامادا يدير الحدث في روايته ويقوم بتشبيك العلاقات الإنسانية بشكل معقد وبسيط في آن معا.

صحيح إن كاتبنا أغرق الرواية بتفاصيل كثيرة كنا نعتقدها أثقلت بنية الحدث بهذا الترهل الفني الذي لم يخدم الرواية كما يجب، لكن لنتريث.. ففي حقيقة المشهد، يامادا كان ينصب فخا للقارىء، فهو يدير لعبته الروائية عن دراية وخبرة عميقة.

والجانب السايكولوجي هو أكثر الأبعاد التي أحسن توظيفها يامادا ضمن الرواية، فقد عرفنا أن خلف مشهد العزلة التي كان يحبها بطل الرواية ويمقتها بذات الوقت، كان هناك ماضٍ صعب لصبي صغير فقد والديه في حادث أليم.

المفارقة التي فجرت العمل من الداخل وصار على ما هو عليه من تشويق يمضي بالمتلقي حتى آخر سطر، يكمن في هذا الماضي فهناك شوق وحب يشتعل في قلب عجوز لم ينال كفايته من حب وحنان والديه، فجأة يلتقي بهما في سوق شعبي حيث يدعوانه إلى احتساء البيرة في بيتهما المتواضع. وكان لهذه الدعوة مسار آخر في هذه الشحنة الدرامية، أغنت ثيمة المكان ضمن الرواية حتى صارت جزء من شخصية هذا الكاتب العجوز.

فالمكان هنا لم يعد مجرد كينونة جغرافية، بل تحول ليكون مشاعر متناقضة في داخل الشخصية تعيش القلق والضياع ضمن جغرافيتها النفسانية الباحثة عن خلاصها أو الهاربة من أوجاعها.

أكثر ما يشدك في هذا العمل الروائي، الجانب الشعبي من الثقافة اليابانية، تلك الجزئية الصغيرة المتعلقة "بالتحدث مع الموتى" وكيف عمل يامادا على توظيفها منطلقا من محيط محليته.

المتلقي أساسا لم يكن يعرف أو حتى يتبادر إلى ذهنه أن المرأة الوحيدة في العمارة أو الزوجين اللذين يشبهان والدا كاتب السيناريو هما في نهاية المطاف أشباح!.

هنا متعة الإبداع حينما يوجه الكاتب أنظار القراء إلى وجهات مراوغة تحكم قبضة فخها على مفاصل العمل ثم تفجر المفاجأة .

"غرباء" عمل روائي إبداعي يتيح للقارىء العربي فضاء واسع وتجوال جميل في البيئة اليابانية وثقافتها، قدمته دار نينوى عن دراية تامة بأهمية مد الجسور الثقافية مع اليابان لخلق حوار حضاري.

والعمل به تحولات درامية كثيرة لكننا في هذا الحيز، نكتفي بهذا العرض الموجز كي نلفت انتباه القارئ العربي لأهمية هذا المنجز الروائي، فهو يستحق القراءة النقدية المتخصصة بلا شك بما يحمل من مضامين، وسط هذا التكدس الكبير الذي تطلقه دور النشر العربية (بعضها) ، بطرح إصدارات تجارية الطابع، مجهودها لا يتعدى أن يكون مجرد ترجمات ضعيفة المستوى تشوه المضمون ولا تنجح في اثراء ثقافة المتلقي بأي حال من الأحوال.

ويعد تايشي يامادا واحدا من أكثر الكتاب شهرة في اليابان، وقد منحته الحكومة اليابانية جوائز عديدة، ويشتهر بكتابة مسلسلات تليفزيونية كثيرة، بالإضافة إلى العديد من الروايات والمسرحيات.

ولد في طوكيو عام 1934، وتخرج من جامعة واسيدا في عام 1958 بعد أن درس اللغة اليابانية وآدابها.