مطاردة للقريحة وسط ضوضاء العصر في 'التيس الذي انتظر طويلا'

رحلة في فن التفاصيل الصغيرة

لم تستطع الأم أن تنتقم لأنوثتها المجروحة وكرامتها المهدورة من شاعر أحبته فأذلّها فاضطرت للزواج من شرطي، إلا من خلال الزج بابنها الى مسالك العاصمة ليصبح شاعراً، وكانت لديه مقومات الموهبة، وفي الثانوية أصبح شاعر المدرسة والمعوّل عليه في الأنشطة الثقافية، وأيضاً كان يكتب رسائل للعشاق بأجر مدفوع.

على هذه الحكاية يؤسس الكاتب والصحفي العراقي رياض رمزي بناءه الروائي، ليجعلنا نعيش محنة الطالب الذي فجأة فقد قريحته في الشعر وفي النثر بسبب ما قاله له مدرس التاريخ حينما قدم له الطالب مخطوطة رواية كتبها بعنوان "البطل والفتاة ذات المنامة الشذرية" فإذا بالمدرس يقول "ما هذا يا ولد، أهو مزاح أطفال؟ كان عليك أن تفصح عن شكل هوايتك قبل أن تأتي الى هنا، إنني وكيل علم عمره آلاف السنين وليست مهمتي الكلام عن النساء.. كأنما ما أعاني لا يكفي كي يأتي ابن عشيقة الشاعر وابن الشرطي ليزيد من عذابي".

الطالب الذي تعود أن يجلس كل يوم في وقت محدد ليكتب، واجه محنته بعدم الركون إليها، ظنها أول الأمر مجرد حالة عابرة ستزول وستعود إليه قريحته، لكن الأيام جرت الأيام، وأصبحت أعواماً، وعلى الرغم من ذلك لم تهن إرادته، سيكافح من أجل استرداد ما فقده في محاولات يائسة وعناد وصبر عجيبين.

كيف يمكننا إرجاع شيء فقدناه ومر عليه زمن طويل، وهو شيء حيوي في تكوين شخصيتنا التي استقرت عليه وطبعتنا بملامحه؟ ذلك ما سيجعل الطالب، الذي أصبح رجلاً في الثلاثين، يلاحق ذلك الشيء طيلة ما مضى وما سيمضي من حياته، وسيأخذنا رياض رمزي في رحلة مضنية مع بطله الذي يستحوذ على السرد في رواية متعددة الأصوات وكثيرة التفاصيل حد التشابك، يقودنا من خلالها الى بيوت وشوارع وأمكنة تخرج من بين زواياها الأحداث.

ومن خلال حكاية الطالب الذي فقد قريحته، والأم التي تريد الانتقام، ومدرس التاريخ الذي يعاني من زوجة متسلطة وسليطة اللسان، يلقي رياض رمزي الضوء على خبايا النفس البشرية بكل مكنوناتها القوية والهشة، ويكشف لنا نوعية وسلوك الناس في حياتهم العادية، والظروف التي جعلت الأقدار تتغير لصالح فئة ضد فئة أخرى.

الرواية كما نعلم هي فن التفاصيل الصغيرة، وفي رواية "التيس الذي انتظر طويلاً" هناك إغراق في التفاصيل قد يضيع القارىء أحياناً بها فتأخذه بعيداً عن الاتجاه الذي سارت به أحداث الرواية، لكن المؤلف لا يلبث أن يعيد القارىء الى البوصلة، ففي قصة قاتل القطة، ولماذا أطلق عليه هذا اللقب سنتتبع مطاردة الرجل الذي يريد أن ينتقم من القطة التي أفسدت عليه تجاربه في صناعة نوع من النبيذ فما كان منه الا القيام بمطاردتها لفترة زمنية طويلة امتدت على الورق من ص 155 الى الصفحة 185، وتستمر القصة الى ما بعد ذلك من خلال مقابلة صحفية من 8 صفحات أجريت مع الرجل حول مقتل القطة، وقد استنفد الكاتب كل الوسائل التي من شأنها أن توصل الرجل الى هدفه، من الاستعداد النفسي الى صناعة الخطط والطرق الموصلة، في الشوارع والساحات وظلال الأشجار والأسواق والحوانيت والبنايات، لقد أصبحت تلك المطاردة ليست مجرد رد فعل على فعل وإنما قضية تسببت بانكسار الرجولة أمام قطة.. برأيي الشخصي أن هذه الحكاية وحدها تصلح أن تكون رواية لرجل مختل عقلياً يطارد وهماً متمثلاً في هيأة قطة.

ورويداً رويداً سنذهب الى حكايات أخرى، وواقع متشابك، وسياحة في الجغرافيا والطقس، سنقابل شخصيات تظهر وتختفي لتفسح المجال لشخصيات جديدة، سندخل قاعات للشعر وبيوت لا تصمد أمام جبروت كوارث الطبيعة، ربما سننسى الى حين شاعرنا الذي ما يزال يطارد قريحته ليمسك بها، وحين ننتهي من الرواية سنشعر بتعب الرحلة، لكنه تعب ذلك الشخص القادم من رحلة على قدر ما فيها من صعوبات فإنها تحمل تلك المتعة التي لا تتأتى بسهولة لقارىء عادي يلهث وراء الجاهز من الحكايات.

رواية "التيس الذي انتظر طويلاً" التي صدرت عن دار الحصاد في دمشق 2013 هي رواية بحث عن الحقيقة وسط كم هائل من ضوضاء العصر.. رواية يحتاج متلقيها الى صبر لكي يصل مع البطل الى الأشياء التي يفتقدها في زحمة الحياة، وقد لا نكون في هذه المقالة قد قلنا كل ما نريد، ذلك أن ما جاء في 446 صفحة لا يمكن تلخيصه بهذه القراءة، ولكي نُبقي للمتلقي ما يفتح أمامه نوافذ جديدة يطل من خلالها على عالم رياض رمزي.