التصوف في يوغسلافيا.. سنوات الترهيب

من الصدام مع العثمانيين إلى الصدام مع الحكم الملكي ثم الشيوعي

كان من الطبيعي حسب الموقع الجغرافي أن تمتد الطريقة السعدية الصوفية إلى تركيا المجاورة، ومنها إلى البلقان. وفيما يتعلق بتركيا فقد انتقلت الطريقة السعدية إلى هناك في مطلع القرن الثامن عشر على يد الشيخ إبراهيم الشامي أبو الوفا الذي تأسس معه فرع الوفائية السعدية، والشيخ عبد السلام الشيباني (توفي 1165ھ) الذي تأسس معه فرع السلامية السعدية، وأصبح للطريقة السعدية في نهاية القرن الثامن عشر أربعة زوايا في اسطنبول.

وإلى ذلك القرن أيضا يعود انتقال وانتشار الطريقة السعدية في البلقان. ويرتبط ذلك بشخصية مركزية يختلط فيها التاريخ بالكرامات الأقرب إلى الأساطير، ألا وهو الشيخ سليمان بن حسين الذي تخلّص في شعره باسم "عاجز" ليشتهر بعد ذلك أكثر باسم عاجز بابا baba Axhizi (حوالي 1637- 1728م). ولدينا من المعطيات ما يفيد أن سليمان المذكور ولد قرب مدينة شكودرا Shkodra بشمال ألبانيا، وهناك من يقول أنه من عائلة بوشاتلي Bushati المعروفة دون أن يؤكد ذلك بدليل قاطع، التي كانت مركز الولاية العثمانية التي تحمل اسمها وأهم مركز للثقافة الإسلامية في ألبانيا. ويبدو أنه قد أتمّ دراسته الأولية في شكودرا ثم ذهب إلى عاصمة الدولة العثمانية للالتحاق بإحدى المدارس المعروفة لمتابعة دراسته هناك. وبعد تخرجه من المدرسة أراد أن يبقى فترة في اسطنبول ليكتسب خبرة هناك، حيث تعرّف على الشيخ إبراهيم وأخذ منه إجازة بالطريقة السعدية.

في ما يتعلق بالتكية الكبيرة، التي أسسها الشيخ سليمان في بريزرن ودفن فيها، نجد سلسلة من شيوخ الطريقة السعدية في البلقان المحفوظة بالزاوية السعدية بدمشق القديمة، توضح أن ابنه عبد الوهاب خلفه في مشيخة الطريقة حتى وفاته في 1174 هـ ، بينما تقول الرواية المتوارثة أن ابنه لم يقبل بالخلافة، ولذلك بقي نشاط التكية محدودا إلى أن قام أحد أفراد العائلة (حسين شيخ زاده) بأخذ إجازة من شيخ الطريقة السعدية في سكوبيه الشيخ محمد علي، وهو مايدل على أن الطريقة السعدية أصبح لها وجود في مقدونيا منذ ذلك الحين، وهو مايؤخذ بتحفظ هنا .

كذلك انتشرت الطريقة السعدية في بلغراد من صريبيا والمناطق الجنوبية الغربية ذات الغالبية الألبانية، وبالتحديد في نيش Nish وفرانيه Vranje وليسكوفاتس Leskovac ونسالتسه Nastalce قرب بويانوفاتس Bujanovac. أما بلغراد، التي كان تسمى "دمشق الأوروبية" حتى مطلع القرن العشرين، فقد قام أحد أتباع الطريقة خلال خدمته في بلغراد (الدفترار حسني آغا) ببناء تكية في 1783 للشيخ مصطفى. كما قام الشيخ محمد خراباتي بابا الذي أخذ إجازة بالطريقة من "المعلم الثاني" الشيخ سليمان بإنشاء تكية للطريقة السعدية في نيش Nish وبقي على رأسها إلى أن توفي في 1169ھ/1755-1756م.

كما أنشأت تكية في فرانيه وتكية أخرى في ليسكوفاتس آنذاك، ولكن الحرب الروسية العثمانية 1877-1878، وما أدت إليه من انحسار الوجود العثماني، دفع بالكثير من المسلمين في فرانيه وليسكوفاتس إلى الهجرة نحو الولايات العثمانية المجاورة، الذين عرفوا هناك باسم "المهاجرين". ومن هؤلاء كان الشيخ وفا بابا الذي ذهب إلى سكوبيه وأسّس تكية للطريقة السعدية في محلة "طوب خانه". ومن هؤلاء أيضا الشيخ إسلام الذي هاجر من ليسكوفاتس إلى مدينة جيلان Gjilan بكوسوفا المجاورة، التي نشأت كمدينة بطابع إسلامي في النصف الثاني للقرن الثامن عشر، حيث بنى في "محلة المهاجرين" تكية للطريقة السعدية في ثمانينات القرن التاسع عشر على الأرجح.

التطورات السياسية الجديدة

تأثرت الطريقة السعدية انتشاراً وانحساراً بالتطورات السياسية التي عصفت بالمنطقة وخاصة بمآل الدولة العثمانية ووصول الأحزاب الشيوعية إلى السلطة بعد الحرب العالمية الثانية.

وفيما يتعلق بالدولة العثمانية يمكن القول إن الحرب الروسية العثمانية 1877-1878 كانت نقطة فارقة في مصير المسلمين في البلقان، فقد جرفت مناطق واسعة من المسلمين وعقدت اسطنبول معاهدة مذلة مع روسيا القيصرية (سان استيفانو) تخلت فيها عن مناطق واسعة ثم جاء مؤتمر برلين في صيف 1878 ليقنّن دوليا هذا الانحسار العثماني ويسمح للنمسا باحتلال البوسنة والهرسك أيضا. وفي غضون ذلك كان تخوف المسلمين على مصيرهم يعبّر عن نفسه في حركة سياسية تقاوم سلخ المناطق التي يعيش فيها المسلمون عن الدولة العثمانية، وهي الحركة التي اشتهرت باسم "رابطة بريزرن 1878-1881، وأسست قوات خاصة بها لحماية تلك المناطق وانتهت بالصدام مع الدولة العثمانية التي كانت مجبرة على تسليم هذه المناطق، وما يهمنا هنا، أن شيوخ الطريقة السعدية برزوا في هذا الحراك الشعبي، فقد ساهم شيخ التكية السعدية في بريزرن الشيخ أمين شيخو في تأسيس "رابطة بريزرن".

. ونتيجة لهذه التطورات انحسر الوجود المسلم والوجود السعدي من المناطق التي تنازلت عنها الدولة العثمانية لصربيا (وخاصة من مدن نيش وفرانيه وليسكوفاتس وضواحيها)، وهو ما أدى إلى انتقال الوجود السعدي إلى مقدونيا وكوسوفا المجاورة، حيث أسّس الشيخ وفا بابا تكية في سكوبيه بينما أسّس الشيخ إسلام تكية في جيلان كما مرّ معنا.

وباستثناء ألبانيا، التي أعلنت استقلالها في أواخر 1912 واستقرت حدودها الحالية في 1920 بعد انضمامها إلى عصبة الأمم آنذاك، فإن المسلمين في المناطق الأخرى المذكورة (كوسوفا ومقدونيا وصربيا والبوسنة) أصبحت في أواخر 1918 ضمن الدولة الجديدة التي نشأت آنذاك (مملكة يوغسلافيا). وقد تميزت الدولة الجديدة منذ سنواتها الأولى بسياسة ترهيب ضد المسلمين (وخصوصا في مقدونيا وكوسوفا والسنجق) لدفعهم إلى الهجرة إلى تركيا، وهو ما أدى بالفعل إلى هجرة مئات الألوف من المسلمين إلى تركيا خلال مرحلة مابين الحربين وتدمير وإغلاق بعض الجوامع والتكايا نتيجة لذلك.

اختلاط التاريخ بالكرامات

ولهذا انحسر الوجود السعدي في "مركز السعدية" جاكوفا التي كانت تتميز بوجود أربعة تكايا للسعدية، فقد أغلقت تكية واحدة وشغرت "التكية الأم" في 1928 بعد وفاة الشيخ كمال شيخو (حفيد المؤسّس الشيخ سليمان) دون أن يترك خليفة. وقد قام أخوه الأصغر شوكت بالذهاب آنذاك إلى دمشق ليأخذ الإجازة بالطريقة من شيخ الطريقة السعدية في دمشق آنذاك الشيخ إبراهيم. وقد احتفى به، كما تقول الروايات، الشيخ إبراهيم وأعطاه إجازة عاد بها إلى موطنه ليعيد افتتاح الطريقة في أواخر 1929 وسط احتفال مهيب لكونه عاد بالإجازة من دمشق وبقي على رأس هذه التكية حتى وفاته في 1952.

كان للتطور السياسي الآخر (وصول الأحزاب الشيوعية إلى الحكم) أثره الكبير على المسلمين والسعدية؛ سواء في يوغسلافيا أو في ألبانيا. وكما حدث في 1878 فقد أحسّ المسلمون بالخطر، هذه المرة من قدوم هذه الأحزاب إلى الحكم، ولذلك فقد بادروا إلى تأسيس "رابطة بريزرن الثانية" في 1943، التي انضم اليها شيخ التكية السعدية في بريزرن الشيخ موسى شيخو. ولكن بعد تمكن قوات الحزب الشيوعي اليوغسلافي من السيطرة على بريزرن وكوسوفا في صيف 1945 قامت بإعدام من شاركوا في المقاومة ومنهم الشيخ موسى الذي دفنته في مكان ما خارج بريزرن وأغلقت التكية السعدية في بريزرن. وقد أتبعت ذلك في 1950 بهدم هذه التكية على الرغم من قيمتها العمرانية التاريخية، ولم تترك سوى المقبرة المجاورة التي تضم أضرحة شيوخ الطريقة بمن فيهم المؤسس الشيخ سليمان.

سياسة الترهيب

في الحقيقة تميزت الفترة الأولى من الحكم الشيوعي في يوغسلافيا بسياسة ترهيب منظمة؛ تهدف إلى دفع أكبر عدد منهم إلى الهجرة إلى تركيا، وهو ما أدى بالفعل إلى هجرة مئات الألوف حتى 1966 حين أعلن الرئيس تيتو عن عزل نائبه ألكسندر رانكوفيتش، الذي حمّله مسؤولية تلك السياسة المناهضة للمسلمين. ومع انتهاج النظام اليوغسلافي سياسة جديدة تجاه المسلمين، بعد أن أدت السياسة السابقة إلى انحسار عدد المسلمين وتدمير بعض الجوامع والتكايا ذات القيمة التاريخية، قام النظام الشيوعي الألباني في تلك السنة بالذات بـ"ثورة ثقافية"، على النمط الماوي بالصين، اتخذت موقف معاديا للدين، وهو ما أدى في 1967 إلى إصدار "مرسوم منع الدين"، الذي تحولت ألبانيا معه إلى أول دولة إلحادية.

نتيجة لذلك فقد أغلقت فورا كل الجوامع والتكايا، وصودرت مافيها من مخطوطات وأرسل كل رجال الدين إلى "معسكرات العمل" لتعلم مهن أخرى، بينما هدمت بعد ذلك بعض الجوامع والتكايا وتم تحويل بعضها الآخر لاستخدامات أخرى (متاحف ومعارض ومخازن الخ). وقد استمرت هذه الحالة إلى نهاية 1990 حين اجتاحت التحولات الديموقراطية أوربا الشرقية، وأعيد بالتدريج فتح الجوامع والتكايا في ألبانيا بما في ذلك السعدية منها. وقد تتوج هذا الأمر في تيرانا خلال شهر نيسان 1994 بافتتاح "المؤتمر الوطني للطرق العليّة" الذي شاركت فيها الطريقة السعدية المنبعثة، والذي كان يهدف إلى إرساء التعاون بين الطرق الموجودة (البكتاشية والخلوتية والقادرية والسعدية الخ) خلال المرحلة الجديدة التي تمر بها ألبانيا.