لسنا عراقيين بل مستعرقين.. شعب اصبح ضحية وحدة بلاده

قد يكون العنوان هذا مستفزا لمن لا يزالوا متمسكين بشعارات الوطنية الزائفة التي تمجد بالوطن وتعطيه اولوية وقيمة اعلى من قيمة الانسان نفسه، دون ان يدركوا بان تلك الشعارات التي استخدمت لاقصاء الاخرين وتصيفتهم كانت الشماعة التي شرعنت ممارسات الحكومات العراقية المتعاقبة وجرائمها بحق الشعب العراقي. ولم يستطع العراقيون (حكومات ومكونات) من تحويل هذه الشعارات الى واقع ملموس على الارض وايجاد تعريف حقيقي لمفهوم الوطنية والوطن. فتعريف الوطنية ومعاييرها عند الحكومات العراقية السابقة تختلف عن معاييرها وتعريفها عند الحكومات الحالية، ومن كان وطنيا بمعايير الحكومات السابقة هو خائن اليوم حسب معايير الحكومات الحالية والعكس بالعكس، وهكذا ففي الوقت الذي فشلت فيه المكونات العراقية من بلورة مفاهيم مشتركة وصحيحة للوطنية نجحت الحكومات المتعاقبة من تفصيل شعارات الوطنية البراقة حسب مقاييسها ووفق توجهاتها. ولذلك نستطيع القول بانه ان كان البريطانيون قد نجحوا في تاسيس دولة اسمها العراق، فان العراقيين قد فشلوا في تحويل هذه الدولة الى وطن يحس بالانتماء اليه كل ابنائه، ولم تنفع كل المحاولات القسرية لتحقيق ذلك.

هنا نريد ان نطرح السؤال التالي: هل لا يزال هناك امكانية في ان تتعايش مكونات العراق الثلاث (السنية والشيعية والكردية) في دولة واحدة يحسون بانها وطنهم دون اقتتال ودون ان يفرض طرف ارادته على الاطراف الاخرى؟

للجواب على هذا السؤال علينا ان نقر بحقيقة مثبتة وهي ان شعوب منطقة الشرق الاوسط عجزت طوال تاريخها عن خلق افكار سياسية بعيدة عن ايدلوجيتين وهما الايدلوجية الدينية والأيدلوجية القومية. وشاءت اقدار سايكس بيكو ان تحتوي دولة العراق على تنوع قومي وديني ومذهبي. فان كان الفكر القومي العربي المتمثل بحزب البعث قد تسبب في اقتتال استمر عقودا بينه وبين المكون الكردي، فان سيطرة مكون مذهبي على الحكم حاليا ينبئ بالمزيد من الاقتتال وسفك الدماء خاصة وانه ينطلق من منطلقات تاريخية سياسية مصبوغة بصبغة عقائدية لا تبشر بامكانية التوصل معها الى حلول توافقية، فكيف يمكن لاصحاب الحسين ان يتقاسموا الحكم مع اصحاب يزيد (حسب الطرح المذهبي) وهم المنادون بثارات عمرها الف واربعمائة سنة، في وقت اخذت التوجهات المذهبية تطغي على التوجهات السياسة في كل المنطقة، ما يجعل من الصعوبة بمكان توقع تهدئة في الوضع داخل العراق؟ من جهة اخرى فان المؤشرات تدل على انه ورغم جسور الثقة التي بنيت بين الأكراد والمكون العربي السني خلال السنوات الاخيرة الا ان سقف الثقة هذا لم يصل للحد الذي يجعل بالامكان تشكيل تحالف استراتيجي بينهما للوقوف ضد توجهات المكون الحاكم (الشيعي) في ضوء تشبث الاخير بالسلطة.

اضافة الى ما تقدم فان عدم تجانس التوجهات السياسية الموجودة حاليا في العراق يحدد كثيرا من فرص هذه التهدئة. فالمكون الكردي يعتمد في توجهاته السياسية على فكر قومي علماني لا يؤمن باسلمة الحكم، ويقف المكون السني مشتتا بين الفكر العلماني وفكر الاسلام السياسي. فرغم ان التوجه السائد في المكون السني كان علمانيا لغاية 2003، الا ان افرازات ما بعدها فرضت نوعا من التوجه المذهبي عليه كرد فعل على سيطرة المذهب الاخر على السلطة. اما المكون الشيعي فلا يمكن تصوره الا من خلال احزاب اسلامية تعبر عن توجهه المذهبي باعتبار ان اساس نشوء هذا المذهب كان سياسيا يتعلق بنوعية نظام الحكم. لذلك فان عدم التجانس هذا واختلاف توجهات المكونات الثلاثة في عدم وجود نقاط التقاء بينها يقلل كثيرا من احتمالية التهدئة في هذا البلد المشتت سياسيا.

اليوم وبعد تجربة مريرة استمرت قرنا من الزمن منذ تأسيس الدولة العراقية بحدودها الراهنة، علينا الاعتراف بان الذي ابقي على هذه الدولة موحدة دون ان تشظي او تنقسم هي ارادة دول الجوار العراقي وليست ارادة الشعب العراقي، وللاسف ذهب ملايين العراقيين ضحية هذه الوحدة القسرية منذ العهد الملكي ولغاية يومنا هذا. وبالطبع فان لدول الجوار اسبابها في الحفاظ على وحدة العراق والتي نستطيع اختزالها في النقاط التالية:

- ترى دول الجوار العراقي بان وحدة اراضي العراق يصب في مصلحة انها الوطني وان اي تقسيم لهذا البلد سوف يهدد كيان تلك الدول ووحدتها.

- مع اثارة الصراع المذهبي في المنطقة فان دول الجوار ترى في العراق الواحد الموحد بيئة ملائمة لادارة فصول ذلك الصراع على اراضيه بعيدا عن دولهم، وساحة ملائمة لتصفية حساباتها السياسية عليه لجعل العراقيين حطبا لهذا الصراع نيابة عن شعوب دولهم ومنع انتقاله اليها.

في الوقت الذي تضغط فيه دول الجوار باتجاه الحفاظ على وحدة العراق للاسباب التي ذكرناها اعلاه، فانها لا تدرك ان هذا التشنج المذهبي المتصاعد داخله سيؤدي في النهاية الى تداعيات ومشاكل اخطر على امنهم الوطني من خطر تفكيك دولة العراق، وقد شهدنا في الفترة الماضية احدى تلك التداعيات في نشوء تنظيم داعش الذي هو بلا شك وليد التناقضات العراقية واحدى افرازاته، والذي مثل تحديا وخطرا حقيقيا على امن دول المنطقة دون استثناء، وفي حال استمرار هذا الضغط من قبلهم دون مراعاة لارادة الفرد العراقي فلا نستبعد ظهور تداعيات اكثر خطورة قد لا يكون بالامكان السيطرة عليها كما حصل مع داعش لتمتد خطورتها الى هذه الدول مهددة امنها واستقرارها ووحدتها.