حزب الله.. العرض العسكري في القصير

رسالة إلى جمهور الحزب قبل الآخرين

من خارج كل الحسابات والتوقعات، شاء "حزب الله" ان يحيي ذكرى "يوم شهيده" بمحطة لافتة تنطوي على احتمالات وأبعاد شتى يحتاج الاصدقاء والخصوم الى وقت لسبر اغوارها ومؤداها، فكان العرض العسكري الذي نظمه في بلدة القصير السورية في ريف حمص قبل ظهر الاحد الماضي وواكبه هذا الحشد من التأويل والتحليل، فكان ذلك مؤشرا وبرهانا على ان القرار حقق غايته المنشودة.

التميّز والفرادة بسطا نفسهما على العرض اياه من كل جوانبه، فقد رعاه القائد العام لـ "المقاومة الاسلامية" الامين العام للحزب ممثلا برئيس المجلس التنفيذي السيد هاشم صفي الدين، الى اركان من القيادة العسكرية في الحزب، وشاركت فيه مئات من العناصر المقاتلة سارت بطريقة نظامية في فرق متخصصة بجانب قتالي معيّن يحتاج الى مهارات عالية. ثم كانت مفاجأة العرض الذي استمر اكثر من ساعة ونصف ساعة مرور فرق مدرعات ومدفعية وصواريخ مع طواقمها.

لا ريب في ان اختيار مكان العرض (القصير السورية) هو واحد من جملة عناصر الفرادة والاستثناء والتميز التي اراد الحزب إلقاء الاضواء عليها لحظة اتخذ القرار باجراء العرض، وتعمّد تالياً عبر وسائله الخاصة تسليط الانظار عليه. فالقصير هي باب العبور الذي ولج منه الحزب دفعة واحدة وأخيرة قبل نحو ثلاثة اعوام إلى عمق الميدان السوري الملتهب مشاركاً مذذاك بوحدات من نخبه العسكرية المحترفة الى جانب قوات الجيش السوري ووحداته الرديفة لتبدأ على اثرها مسيرة فاصلة في مسار الصراع الدائر على اشده في كل الساحة السورية من جهة، وفي مسار دور الحزب العسكري الذي كان يومها يخترق، وللمرة الاولى منذ نشأته في مطلع عقد الثمانينات، حدود ارض بلاده ويدخل مباشرة وعميقا في صلب معادلة جيوسياسية – عسكرية ذات أبعاد اقليمية ودولية مدوية.

من القصير التي نجحت مجموعات الحزب بتحريرها عام 2013 كان هو والنظام السوري يحققان اول نصر ميداني يعتد به بعد عامين من التراجع امام التقدم السريع للمجموعات المعارضة للنظام. وعليه عُدّت معركة تحرير تلك البلدة (خسر الحزب فيها اكثر من مئة عنصر) نقطة التحول النوعي الاول في مسار التطورات في الميدان السوري، اذ إنها وجهت ضربة مدوية الى كل الرهانات التي عقدتها عواصم وقوى على امكان الاسقاط الحتمي لنظام الرئيس بشار الاسد وارساء اسس سوريا مختلفة الهوية والدور والموقع، كما انها كانت المحطة الاولى التي ظهر فيها لمن يعنيهم الامر سقوط نظرية استفراد النظام السوري وتثبيت مقولة ان هذا النظام جزء من محور معني برفده ودعمه والحيلولة دون تهاويه. وهذا ما تجلى لاحقا بالدعم الجوي الروسي فضلاً عن الدعم من وحدات عراقية وافغانية وفلسطينية وخبراء من ايران في مواجهة اممية "جهادية" جذبت مقاتلين من اربع رياح الارض بما فيها بلاد الايغور في الصين وتركمانستان.

عندما دخل الحزب عسكريا الى القصير ليحررها، كان تبريره لتشريع هذا الامر المستغرب يومذاك انه حماية استباقية للبقاع الذي يشكل خزانه الاستراتيجي والمدى الحيوي لمواجهة العدو الاسرائيلي، فضلاً عن الدفاع عن نحو ثلاثين بلدة ومزرعة يقطنها لبنانيون في السهول الزراعية الممتدة بين القصير وحدود الهرمل. ثم تطور هذا الخطاب التبريري لاحقا الى حماية العتبة الزينبية المقدسة في ريف دمشق والتي رفع من اجلها شعار: "لن تُسبى زينب العقيلة مرتين"، وتدرّجاً نحو رفع الشعار الأعم الذي اطلق على لسان السيد حسن نصرالله وهو: "سنكون حيث يجب ان نكون"، ليظهر لاحقا ان وحدات الحزب أُوكلت اليها مهمة المشاركة في تحرير ما سقط من حلب التاريخية.

هكذا ومن خلال معركة القصير المثقلة بالمعاني والدلالات الرمزية في وجدان الحزب وجمهوره، شاء الحزب ان يعيد الاعتبار الى دوره في الميدان السوري والى الاهمية الاستراتيجية الدائمة لحضوره هناك، والامر ايضا بمثابة رد غير مباشر على شبهات حاصرت هذا الدور منذ فترة.

فثمة معلومات راجت اخيرا فحواها ان الحزب وطوال الـ 18 عاما من مواجهته مع الاحتلال الاسرائيلي (اي منذ عام 1982 الى عام 2000) خسر فقط ما يقارب الألفي عنصر، بينما بلغت خسائره في سوريا منذ نحو 3 اعوام ما يقارب الـ 1300 عنصر بينهم نخبة من قيادييه العسكريين المخضرمين. ولم يكن هذا الحجم من الخسائر البشرية هو ما يوحي بان الحزب، وقاعدته، بدأ يستشعر عبء الثقل الذي يرزح تحت وطأته، فالمعلوم ان المواجهات في الميدان السوري ليست محدودة بزمن مما يوحي ايضا بضرورة تقديم المزيد من القرابين ومن الجهد القتالي المضني والمكلف في آن.

وبناء عليه، فان العقل المفكر في الحزب رام من خلال محطة القصير، زمنيا او مكانيا او ما عرض فيها، ارسال رسالة نوعية تتخطى رثاء الشهداء والقياديين منهم الآتين جثامين من ارض المواجهة المفتوحة على مصراعيها والحديث عن الاهمية الاستراتيجية لاستعادة حلب وواجب الوقوف في وجه الارهاب التكفيري، فذلك خطاب ربما بدأ يفتقد جاذبيته امام ارتفاع منسوب المواجهات وتحولها الى عمليات استنزاف طويلة.

هي إذاً رسالة من طبيعة صادمة واستثنائية موجهة اكثر ما يكون الى داخل الحزب ويقصد منها اعادة الاعتبار الى المعركة في ارض الشام والحيلولة دون إسدال ستار النسيان عليها، وغايتها القول إنه في الوقت الذي يصل مرشح الحزب الحصري الى سدة الرئاسة في بعبدا وتُحبَط كل المحاولات الرامية للالتفاف على هذا الخيار، فان المدى الجغرافي الممتد للحزب يتيح له اجراء عرض من هذا النوع في عمق الميدان السوري، وفيه يظهر الحزب ان ضلوعه في المعارك هناك صيّره ذا خبرة وذا قوة واكسبه مزيدا من الخبرات والقدرات، وان استطالة امد المواجهة في ميدان تتصارع فيه ارادات ودول ومحاور عظمى لم ينهكه كما اشيع ولم يئد الروح القتالية المتحفزة عند جسمه الجهادي. ربما يرى البعض ان هذا الكلام بات قديما، ولكن الاكيد ان الحزب بات في امس الحاجة الى اعادة الاعتبار اليه مجددا وفي هذه المرحلة بالذات. وفي جعبة الحزب مزيد من اوراق القوة الجديدة، منها ان تجربته القتالية العقائدية التي نهض على اساسها ظهر من يحاكيها في اليمن في جماعة "انصار الله" وفي العراق خصوصا في الحشد الشعبي وفي "حركة النجباء" وفي "عصائب انصار الله" وهي تعلن انها لن تتوقف في مواجهتها للارهاب عند حدود تحرير الموصل بل ستدخل الميدان السوري لتلاحق الارهاب اينما كان.

عموما، اراد الحزب عبر العرض اعادة الانظار الى دوره في سوريا، ولكن أُريد منه ايضا الايحاء بانه يستعد للعبور الى دور اوسع ومرحلة نوعية جديدة.

إبراهيم بيرم

كاتب لبناني