وهــل يحترمهــم أردوغان الإخوان..؟

نشيدهم: الأقصى ينادي!

كان نشيدهم «الأقصى ينادي»، وأقنعهم أردوغان بأن الأقصى بخير حال لا يشتكى شيئًا مع «الصديقة» إسرائيل وحرى بهم الاستماع لنداء حلب والموصل، وبالفعل عقد «الإسلاميون» مؤتمرًا بتركيا بهذا العنوان «نداء الموصل»، وطفقوا ينشدون «الموصل تنادي».

وفى حديثه التليفزيونى الأخير يتحدث أردوغان عن مصر كما لو كانت دولة ناقصة السيادة وأن شعبها كله ينتمى لجماعة الإخوان، وأن تركيا صاحبة أفضال عليها وهى التى تقرر ما إذا كانت هذه السلطة معبرة عن الإرادة الشعبية من عدمه، ويعلن أنه لن يتخلى عن «الشعب المصري» الذى تربطه علاقات تاريخية وثقافية ودينية به الذى يحبه ويهواه فليست المشكلة مع الشعب بل مع قيادته! وهذا العاشق الولهان ردد نفس الكلام سابقًا فيما يخص حلب «لنا روابط تاريخية وثقافية ونسب فى حلب»، وراح يخاطبها بأسلوب مهند فى المسلسلات التركية «آه يا حلب.. يا روحى يا حبيبتى يا حلب» وكذلك فعل مع الموصل!

نعلم كيف يفكر أردوغان وما هى أهدافه الممتدة إلى مكة منطلقًا من المجد «العثماني» ويضع وراءه صورة فاتح القسطنطينية السلطان محمد الثاني، ويعلن «أنا حفيد الدولة العثمانية» ويقول «إننا نعيش فى هذا العالم ذى السبعة مليارات نسمة ونعرف ما هى وظيفتنا، نذهب إلى كل بقعة وصل إليها أجدادنا على ظهر الخيول ونهتم بتلك المناطق»، ولم تكن حلب أو بعض الشمال السورى هو الهدف إنما سوريا التى أقاموا معها علاقات ممتازة، لكنها كانت جزءًا من أدوات إيصال جماعة الإخوان إلى الحكم ليصبح المجال الإسلامى والعربى حصريًا للنفوذ التركي.

وبدعم أعتى التنظيمات المتطرفة والإرهابية وبلعب دور بيشاور كساحة تدريب وإعداد وتمرير كل أصناف المسلحين الذين قدموا من مختلف دول العالم لمحاربة سوريا وجيشها، أسهم أردوغان فى تدمير البلد وتهجير شعبه، ليصبح الشرق الأوسط تحت الريادة التركية ويلغى كل الآخرين ولا اعتبار لتاريخ العرب وحضارتهم ومكانتهم، فقط هدف الولايات المتحدة لتطويق روسيا وحلفائها، وهدف أردوغان الإمبراطورى الذى أعد له كتائب بأسماء موحية «نور الدين زنكي» و«السلطان مراد».. الخ، والسلطان ليس ولهانًا فقط بحلب بل كل البلاد العربية بما فيها دول الخليج.

ورغم جميع الانتكاسات السياسية والعسكرية فما يزال عازمًا على تحقيق أطماعه داخل الدول العربية، ليس للحيلولة دون تمدد الأكراد إلى غربى الفرات كما هو معلن، إنما لإيجاد واقع جديد بالمنطقة العربية والشرق الأوسط عنوانه الهيمنة التركية، اعتمادًا على جهود منشدى «الموصل تنادي» بعد أن تضاءلت أهمية تركيا الإستراتيجية بتفكك الاتحاد السوفيتى وتحطمت آمالها فى الانضمام للاتحاد الأوروبي.

هل يظن هؤلاء السذج حقًا أن أردوغان ينتصر لمشروعهم «الإسلامي»؟؛ تركيا لم تتجه شرقًا لأجل عيون الشرق وتحقيق مصالح بلدانه ونهضتها ولا بدافع أيدلوجى لـ«استعادة الخلافة» وإن كانت تتخذ ستارًا، وبعد حرمان تركيا من الشرف الأوروبى نتيجة افتقادها المقدرة على لعب دور فى هذا الاتجاه لأسباب عديدة تخص أوروبا، حضرت إلى الشرق لتصنع من نفسها «زعيمة» تحت أى عنوان، ومن ثم العودة من جديد لفرض نفسها على القارة العجوز من موقع قوة ونفوذ.

الإخوان والقاعدة و داعش قبل الانقلاب عليها أخيرا - ما هم إلا أداة تركيا للعودة الثأرية إلى الاتحاد الأوروبي، لتتحول نظرية داود أوغلو «فيلسوف العثمانية الجديدة» التى أطلق عليها «السهم المندفع» من قوة الداخل التركى نحو محيطها الخارجي، إلى قوة «السهم التركي» المندفع من الشرق إلى الغرب.

بدليل أن المشروع قديم وليس مشروع أردوغان «الإخواني»؛ فقد تحدث سليمان ديميريل عن ضرورة ضم الموصل وتعديل الحدود التركية العراقية عام 1994م، وتراهن تركيا على أن موسم تقسيم البلاد العربية الجديد قد بدأ بعد مائة عام وعليها الخروج للمشاركة فى الحصاد واستقطاع نصيبها.

عندما شعرت تركيا بخطر التقسيم والنزعات الانفصالية كادت تشن الحرب على سوريا بسبب دعمها مطالب الأكراد ضد أنقرة، ولم تتراجع إلا بمغادرة الزعيم الكردى عبدالله أوجلان سوريا لتخطفه المخابرات التركية بإحدى الدول الإفريقية ويحكم عليه بالإعدام ولا يزال بالسجن فى تركيا، لأن تقسيم تركيا خط أحمر، أما البلاد العربية فتقسيمها لعبة أردوغان المفضلة وأنشودة إسلامييه.

تشديد قبضته على تركيا وهجومه على الحريات العامة ومذبحة الصحافة وآخرها «جمهورييت» العلمانية وغلق محطات التليفزيون ومؤسسات إعلامية ليست فقط التابعة لجولن، وحبس جميع خصومه السياسيين واعتقال الآلاف من جميع فئات المجتمع واغتيال الديمقراطية والتعددية والتداول، والعصف برونق التجربة التركية «الإسلامية» التى استمرت لعقد، والتورط بما وصفه أحد أهم منظريهم «عارًا» عند التنكر لعملية التداول بعد الصعود للسلطة من سلم الديمقراطية، كل ذلك فى سبيل القفز للخارج وتجهيز تركيا جديدة للعب دور مختلف.

أما عن من جندهم لهذا المشروع التوسعي؛ فالولايات المتحدة بلا شك ستسعى فى المرحلة المقبلة لاستعادة علاقتها القوية مع تركيا بعد فتور دام بعض الوقت، وورد هذا على لسان الجنرال مايكل فلين أحد أهم مساعدى ترامب والمرشح لحقيبة الدفاع، وجميع السيناريوهات مطروحة لتحقيق أهداف اعتماد الولايات المتحدة على تركيا منذ البداية وعلى رأسها تعويض الغياب العربى عن الساحة، وإعادة تدجين وتأهيل وتوجيه الإسلام السنى لتحقيق مصالح المحور الغربى ولإبقائه تحت السيطرة الغربية.

استثمرت تركيا علاقتها بتنظيم داعش الذى مولته وساعدته فى تسويق النفط الذى احتل آباره بالعراق، وأتاحت جميع التسهيلات لاستقبال مقاتليه وتدريبهم ونقلهم لسوريا، ثم جاءت مرحلة الفراق والانقلاب على التنظيم بعد أن حشد العالم قواه للقضاء عليه واقتلاعه، فلم تجد تركيا غضاضة من المشاركة فى العملية لكن فى سياق المقايضة والمساومة على أوراق أخري، وهو ما يحدث فعليًا الآن على الأرض، وهو سيناريو ليس مستبعدًا بشأن علاقة تركيا بالإخوان، فقد انقلب أردوغان عن من هم أهم من الإخوان لديه، وهو على الدوام لا يفعل شيئًا بالمجان، فأوجلان لم ينفذ فيه حكم الإعدام للمساومة به فى ملف الأكراد ونفس الشيء فعله مع داعش، والإخوان فى يده حتى يحين دورهم.

هشام النجار

كاتب مصري