لماذا كل هذا الخوف من ترامب؟

جاء ترامب وانصرفت كلينتون، هل هناك فرق؟ لقد حدثت معظم مآسي العرب قبل ترامب، وكان آخر أفعال هيلاري جلب داعش إلى المنطقة، وكان إنجاز الديمقراطيين الصلح مع إيران والتخلي عن العرب. وهيلاري كانت زعيمة تغيير أنظمة الحكم بالقوة وقبلها بوش الأب والابن اللذان أجهزا على العراق وسلماه لإيران، وكانوا جميعا يدعون إلى السلام والتعايش مع الآخر، بينما عمليا، دمروا الآخر مع الحفاظ على ابتسامتهم الشيطانية. ولكن ترامب صرح بوضوح بنواياه، ولم يترك العالم يبحث فيما وراء الكواليس وهذا أمر ينير الطريق على الأقل لمعرفة ماذا يجب أن يفعل الآخرون.

لقد خلفت هيلاري وراءها الفوضى في العراق وسوريا، ثم وضع الكونغرس قانون الجاستا وقد استخدم أوباما الفيتو الرئاسي لإبطاله وباء بالفشل، وعلى أية حال لم يكن استخدامه للفيتو سوى ذر للرماد في العيون، فإدارته لا ترغب بالقضاء على التطرف الإسلامي لأن دوره لم ينته بعد. وكل المخاوف الماثلة الآن ليس لترامب دور فيها، ولو افترضنا أنه سيحاول تجميد قانون الجاستا، فلن يستطيع لأن الرئيس في البلاد الغربية لا يملك صلاحيات مطلقة كما في بلادنا، وهو مساءل من قبل البرلمانات، ونحن نذكر أن الغزو الأميركي على العراق كان قد حصل على موافقة مجلس العموم البريطاني والكونغرس الأميركي.

إن هناك جماعة في الكونغرس من أشد الناس ضراوة ولا يعرفون الرحمة اسمهم المحافظون الجدد، وفيهم يهود وهم متدينون جدا، ويحافظون على إسرائيل بكل عزمهم، والمسيحيون كذلك لأنهم يعتبرون اليهودية العهد القديم للمسيحية، ويناصبون المسلمين العداء، لا بل يعتبرونهم مجرد أدوات يسيرونهم كما يشاءون، فتارة يخلقون إسلاما متشددا ويحشدون العالم ضده، وتارة يدعون إلى التعايش السلمي والحوار البناء، والعرب يستجيبون بسرعة، ليس لاقتناعهم بل لضعفهم وتفرقهم وانقيادهم لأميركا، ألم يحارب العراق ايران لمدة 8 سنوات ثم ناصبه العرب العداء حين غضبت منه الولايات المتحدة؟

مهما حاول العرب خطب ود الولايات المتحدة أو روسيا، فلن يستطيعوا اتقاء شرورهما، لأنهم مكروهون من قبل العالم جميعه، سواء يمين متطرف أو يسار راديكالي، لا يهم، ولن يتقوا الخطر المحدق بهم حتى يدفعوا كل ما لديهم ويصلوا مرحلة الإفلاس، وعندها سيتركهم العالم يأكلون بعضهم. فهل نتوقع الأسوأ؟

الجميع يعرف أن الكونغرس الأميركي بدأ مشروعه الجديد المتعلق بالشرق الأوسط الذي شاركت كلينتون في تنفيذ جزء منه، ولا يمكن لترامب وقفه لأنه ليس لديه صلاحيات تجيز له إبطال قرارات الكونغرس، فإذا استمر تنفيذ المشروع، فذلك لأنه قرار اتخذه الكونغرس، ولن يتراجع عنه إلا إذا اقتنع بضرورة التراجع، فهو مصمم على إعادة رسم الخريطة المنطقة، وهو لا يتجاوب إلا مع الدول التي يخشاها، كروسيا وإيران والصين وغيرها، فإذا دخلت قوة كبرى وتصدت لهذا المشروع، فقد يتراجعون بعد نقاش وجدال ومن ثم اتخاذ القرار. أي أن جميع القرارات مؤسسية وليست فردية، حيث يتدارس المجلس المستجدات ويتخذ القرار المناسب.

إن الانفجار التعليمي الذي شهده العالم العربي أنتج أجيالا مدركة لجميع المخاطر، وفهموا كيف تعمل الدول الكبرى، ولكنهم أسرى عقلية متحجرة، لا ترتاد الصعاب، ولا تبحث عن مواجهة التحديات، ولا تمنح الفرص لذوي الكفاءات، وأرصدتها مستثمرة في مشاريع خارجية، وإذا غضبت عليهم تلك الدول، تقوم بتجميد أرصدتهم، وهم يعرفون عوامل التخلف والضعف، ولكنهم لا يعملون بصدق لاستئصالها، ولا يسعون بصدق لتوحيد صفهم وكلمتهم، لأن كلا منهم يغرف من بئر مختلفة، فهناك المتدين الذي يريد إقامة الخلافة وكأن الخلافة ستجعل العقول تبدع وترفع من مستوى التنمية مثل كوريا الجنوبية على سبيل المثال، وهناك من يريد الاشتراكية وهناك من يريد العلمانية، وهذا يذكرنا بالقرن السادس عشر حين كانت أوروبا تخوض ولادة فكرية عسيرة، أسفرت عن ترسيخ مبدأ العقد الاجتماعي بين الحاكم والشعب، وهو الذي ينتخبه وهو الذي يعزله، أما الكنيسة فلا دخل لها بالحياة السياسية أو المدنية وليس هناك وسيط بين العبد وربه.

خاضت أوروبا تلك المعركة وكسبتها وقامت بتعديل جميع قوانينها على كافة المستويات، وأصبح الفرد قادرا على انتزاع حقوقه من أي جهة تسلبها منه، وأصبحت السلطة بيد ممثلي الشعب، يراقبونها ويحاسبونها وإذا تبين تقصيرها فإنهم يعزلونها. إذن يجب ألا نتوقع قيام ترامب بأي خطوة لتنفيذ أو تجميد أي قرار لأنه محاسب أمام الكونغرس على كل خطوة يخطوها.