رجال دين.. يدرّسون الفلسفة!

ليتهم كعبد الله العلايلي

أن تحضر الحداثة في المجال العربي، في مؤتمر كموضوع للتفّكر لدى اللجنة البحثية للفلسفة في المعهد العالي للدكتوراه، فتلك محاولة جادة للعودة الى الفلسفة والنقاش فيها لإشاعة التفكير النقدي، وفهم تاريخه والانسياب في تيار فكر إنساني منفتح. لكن هذه المحاولة تحتاج الى جهد وتفكير في الجامعات، كي تعود الفلسفة الى عصرها الذهبي الذي أنتج مفكرين ساهموا في إغناء الحياة الثقافية في البلد، مما صارت فيه اليوم، حيث حوّلها البعض الى مجرد قناع لتعميم الفكر الديني وسيطرة الغيبيات والجمود العقائدي، على رغم وجود اساتذة كفوئين يستمرون في مواجهة الانغلاق والتشدد. ولأن أي نقاش في الفلسفة، هو مساهمة في إشاعة التنوير، فإن مواجهة محاولات تقليص منهاجها تربوياً يبقى أولوية، قبل أن يقضى على أي إمكان لبلورة وعي نقدي وتنمية القدرة العقلية على ممارسة التفكير، ومواكبة قيم الحداثة والحرية.

نتحدث هنا عن أزمة في التفكير. فما الذي جرى مع الفلسفة، من المدرسة الى الجامعة؟ بداية ألغيت محاور من مادة الفلسفة في الإمتحانات الرسمية قبل يوم من إجرائها، ما يؤشر الى نظرة سائدة في التربية لا ترى في الفلسفة ومنهاجها إفادة للتلامذة، ثم تبين أن المركز التربوي يريد تقليص المادة ودمجها، على رغم أن المشتغلين بها انقسموا بين مؤيد لدمج الفلسفة عامة وما تختزنه من فكر ونقد، بالفلسفة العربية، وبين داع لاستقلالية تعليم الفلسفة العربية. لكن المشكلة، لا بل المأزق، يبقى في النظر الى الفلسفة على مستوى التعليم، من المرحلة الثانوية الى الجامعة، حيث تبدو المشكلة أكثر تعقيداً على ما نشهده من تقزيم للتفكر الفلسفي في الجامعة، والتي ما عاد يرى القيمون عليها الا السوق ليركزوا اختصاصاتهم عليها، من دون أي رؤية توازن بين التعليم التطبيقي وبين العلوم الإنسانية.

ينسحب هذا الأمر على الجامعة اللبنانية، وهي الأساس في تخريج المشتغلين بالفلسفة والاساتذة الذين يدرّسون المادة في الثانويات، وأيضاً أولئك الذي يراكمون معرفة نظرية نقدية، لها وظيفتها في المجتمع وفي السجال النظري حول مفاهيم بناء الدولة وفي مواجهة الانغلاق والتزمت والعودة الى الوراء. ولذا، فالمقارنة بين تعليم الفلسفة في الجامعات قبل عقود، وبين طرق تعليمها اليوم، لا تجوز، اذا اعتبرنا أن النظرة الى الفلسفة باتت تتحكم بها، الى حد بعيد، المرجعية الدينية. فالفلسفة لم تعد في الجامعات، خصوصاً في الجامعة اللبنانية، ذلك الاختصاص الذي يفتح على كل العلوم ويصنع الفكر النقدي، طالما أن قسماً ممن يدرّسها رجال دين، بالإضافة الى عدد ممن فرّغوا حديثاً في الجامعة.

البعض يريد تحويل الفلسفة الى دروس دينية. هذا يرمي في النهاية الى تجويف المادة وإفراغها من مضمونها، ليصب هذا الأمر في خدمة التزمت والإنغلاق والتكفير أيضاً.

إبراهيم حيدر

كاتب لبناني