الخلافة الرَّشيدة والعقول الرَّاشدة

لامبررر لوجود الخلافة ذلك زمن مضى

استبانات عديدة وزعت في دول إسلامية مختلفة مثل مصر وباكستان وإندونيسيا والجزائر خلصت إلى أن ثلث المشاركين في ذلك الاستبيان يحلمون بخلافة إسلامية تجمع جميع الدول الإسلامية تحت راية واحدة وهو أمر محمود، ولكن الخلفاء الراشدين لم يتم اختيارهم بالسيوف والقوة وبالقتل ونهب حقوق الآخرين، وكان الخليفة يبايع أمام سائر المسلمين في المسجد بترشيح نخبة من أهل الحل والعقد، ويخطب الخليفة في الناس وتتم البيعة، ومن لديه اعتراض على المرشح للخلافة له حق الاعتراض وليس بالضرورة الالتفات لاعتراضه كون العملية لم تكن مثالية ولم تخلُ من التجاوزات المقبولة بعرف تلك الحقبة الزمنية.

وكثر الحديث فيما بعد عما حدث في فجر تاريخ الحضارة الإسلامية، وعلى الرغم من كل ما قيل عن تاريخ الخلافة فإن الخليفة كان يمثل المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت من حيث تموقع القوة العسكرية والروحية الضاربة، وبايعه طوعاً الكثير وحدثت الردة ورفض من رفض وأجبر من أجبر على المبايعة حتى حدث الانشقاق الأكبر في عهد الخليفة علي أبن طالب رضي الله عنه، وتحولت الخلافة لشأن قبلي وعرقي مؤسسي متوارث.

فالخلافة كانت نتيجة تطور طبيعي للعقلية القبلية في ظروف تاريخية يعرفها الجميع، وكان اختيار الخليفة أمراً دنيوياً بحتاً لم ينزل به نص صريح بوحي كون ما سيؤول إليه ذلك النظام هو الملك العضوض، ولذلك ترك أمر الحياة السياسية للمسلمين بين أيديهم ليختاروا ما يناسبهم وفق معطيات الزمان والمكان ووفق المصلحة العامة للسكان من مختلف الديانات والأعراق والمدارس الفقهية والفكرية، حيث يؤمن البعض بأن البطولة في أن تحمل سلاحاً لتسمع رأيك وتفرض قناعاتك. والبعض الآخر في أن تحمل ضميراً يحرك الإنسان المنصف فيك، ولذلك عليك الاختيار بين الراحة والحقيقة، وإن أردت النمو فجهز نفسك لبعض الألم، وإن أردت ألماً أقل فاذهب وانكمش وكن من القطيع، فازدراء العقل هو الجريمة الوحيدة التي لا يعاقب عليها القانون.

فعدد المسلمين عند موت الرسول (عليه الصلاة والسلام) في المدينة المنورة لم يتعدَّ آلافاً قليلة، وما جرى بعد ذلك كان اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للنبي، على عجلٍ دون إعلام المهاجرين، واتفق الأنصار على مبايعة سعد بن عبادة الخزرجي، وفي المقابل شغل المهاجرون بوفاة النبي وجهازه ودفنه، ولما بلغ خبر اجتماع السقيفة أبا بكر الصديق وعمر بن الخطَّاب انطلقا نحو السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح وهم مؤمنون كقريشيين بأن قريشاً أحق بالخلافة وليست مسألة سبق في اعتناق الدين والمعرفة الدينية فقط، وأقنعهم عمر بأحقية أبي بكر بالخلافة، وتم كل ذلك في غياب باقي كبار الصحابة من المهاجرين كعلي بن طالب وطلحة بن عبيدالله وبلال وصهيب وعمار وسلمان وأبو ذر والزبير بن العوام وغيرهم وأهل بيت الرسول رضي الله عنهم جميعاً، وإن كانوا بايعوا أبا بكر فيما بعد، وكل ذلك حدث لأنه بكل بساطة، لم تحدد أُسس انتخاب خليفة للرسول في الدين الإسلامي ولم تكن الشورى ملزمة لقرار يتخذه أي خليفة من الخلفاء.

فالخلافة جاءت في ظروف تاريخية وسياسية ومكانية يستحيل أن تتكرر اليوم، أم تريدون أن يجتمع أحفاد الصحابة في مكة والمدينة اليوم وينتخبون بينهم خليفة للمسلمين من بني هاشم وبني أمية وسكوت النص القرآني عن تحديد شكل محدد لنظام الحكم وتركه لمستجدات الزمان هو حكمة ربانية لعدم تديين السياسة، فالله أعلم بعباده وبطبيعتنا البشرية، فلو كان الصحابة جعلوا الخلافة حكراً على أبنائهم وأقربائهم بعد الخلفاء الراشدين فيما بعد فكيف تريدون اليوم 1,62 مليار مسلم أن يتفقوا على خليفة واحد، وأين الواقعية في تطبيق ذلك حتى في القطر الواحد؟

فالدولة الدينية بعد موت الرسول كانت بمعايير اليوم دولة إقطاعية طبقية فيها الناس عملياً درجات حسب النسب والأصول والسيادة والموقع الجغرافي والسبق إلى الإسلام والثروة، وإذا كان سيدنا محمد لم يوصِ بالخلافة ولا بخليفة له فلا نستطيع أن ندين أو نصف بالجهل من يقول إن الخلافة كانت حلاً مؤقتاً ونظاماً مقترحاً من عدة أنظمة لتنظيم الشأن السياسي، وليست من أصول الإسلام، وهي اجتهاد شخصي، وليس نصاً شرعياً ملزماً للمسلمين ومتى تراضى الناس على غيره من الأنظمة انتقلوا إليه بمقتضى قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ".

سالم سالمين النعيمي

كاتب إماراتي