'غواية الساعات' .. حضور لعائلة الوطن

قلب بغداد ينبض بالأسى

رائحة القصب السومري، جنون الرجل السومري، العطش لحب المرأة، المفتون بعشق العراق، الرافض لكل أنواع الفرقة والتشتت، رائحة الجنوب المعبقة بالعطر والطين الحري، طقوس الجنوب وسحنات وجوههم السمر، صورة الفلاح الذي انبثق من أصل اخضرار الأرض، وطينها، وزهوها، ونقائها، وصفائها، وحنينها، وحبها، وجمالها، لفحات من نسائم أشجار ندية في بستان مورق ومورد ومثمر هناك في الجنوب. حلاوة العلاقة الحميمية بين الأصدقاء والوفاء لذكرهم، وعدم نسيانهم.

هذا ما نكتشفه ونحن ندخل عالم عدنان الفضلي من خلال مجموعته الشعرية "غواية الساعات" كما أننا نكتشف أيضا، وجود المرأة في فضاء هذه القصائد، وحسب بنيتها النصية، وثيمتها، فهي الأم، الحبيبة، المعشوقة، الخائنة، الوفية، الصادقة، رمز الأرض، رمز العراق، رمز التراث، رمز الموروث الشعبي، وهو تواق لأن تكون معه حاضرة في كل قصائده، كونها تمثل عنده النصف الجميل، النصف المكمل للحياة، ويعدها من أهم الأركان المؤسسة لإطار البنية النصية، كما أنه أشار لأصدقائه في بعض من قصائده، وفي مستهلها، وهي مهداة لهم.

وهذا لا يعني إن القصيدة في فضائها، وثيمتها، وفكرتها، قد خصصت إلى هذا الصديق، بل أنه أشار إليه، لأسباب متعددة، منها دوره المهم في حياته، ومنها ذكراه لرحيله، ومنها دوره المهم في الأدب والثقافة، وبقيت بنية القصيدة، وإطارها العام، ورسالتها موجهة إلى المتلقي، وأن الشاعر عدنان الفضلي يشبه الرحال الذي ظل لصيقاً بجذوره وأصله، واستمد من تلك الجذور قوة وتماسك البنية النصية.

وجاءت المفردة الشعرية ممزوجة بهذا الارتباط الأصيل، نلمسه، نشم رائحته، نراه في صور ودلالات مختلفة، إذ نشعر بهذا الاتصال في قصيدة "عائلة الوطن الأخير" المهداة إلى صديقه صباح محسن، التي يتضح فيها بشكل جلي، أرض الجنوب، وسماؤها، وزرعها، وناسها، وريفها العذب:

وجه جدي ..

يغمز الحقول والعباءات

ويمدّ عصاه ..

لينقذ مدينة غرقت في السراب

منذ قصرين ونيف..

وكذلك نجد إن الشاعر جعل الجدة في بناء هذه القصيدة تمثل الموروث الشعبي، وتمثل الحكمة والموعظة، ولها مكانتها في قلبه، وفي وجدان القصيدة:

جدتي

عين .. تستبدل أخطاء الرؤية

وترتكب نظرات واطئة

حتى لا تتعثر بلفظ الجلالة

وحين تستقيم ..

تطعم الغافلين آخر الشتائم

وكذلك نجد في قصيدته "ربيع أجلته النوافذ" التي أهداها إلى الأديب كاظم غيلان، وهو يناجي فيها صديقه عن الربيع الذي أؤجل، هذا الربيع الذي كنا ننتظر قدومه، ربيع التغيير، إلا أنه تغيير نحو الاسوأ، فجاءت مفردات هذه القصيدة تشكي لوعة الندم على ربيع فاشل، نقلنا إلى الهاوية والهلاك:

أبا غيلان

لماذا الآن ..

نطعم أبناءنا التشبث بالصمت

لماذا .. أقداح السومريين ..

تقرع على مسامع الله

ولا يزورها النادل

وكذلك قصيدته "بوح الجمر والخمر" التي أشار فيها إلى صديقه الإعلامي الأردني سعد حتر، وقصيدته "دم النخيل والأساطير" التي أشار فيها إلى صديقه الفنان ستار كاووش، وقصيدة "إذا .. العراق" التي أشار فيها "أسئلة إلى كاظم مرشد السلوم"، وقصيدة "غواية الساعات" التي أهداها إلى الشاعر ريسان الخزعلي، والتي حملت المجموعة اسمها، وهو يتناول في ثيمتها انتظار صديق لم يصل بعد، إلا أنها تنحى منحى آخر حيث إنها تفتح بوحا ممزوجا بالشجن بتداعيات ذاتية عميقة:

احتجاجات غامضة

نخرتها أمنياتك المصلوبة أفقيا

يا أيها الذي تغويك الساعات اللزجة

اجعل حفيف يدك ..

يصلح شسع نعل المجازات

دون أن تترجل عن الأسئلة

أما قصيدة "سبعة أحزان عجاف" فهي مهداة كريم ثاني تحديداً، كما يصفها الشاعر، إذ أنه يجد في أصدقائه ثيمة وفكرة القصيدة، التي هي موجهة إلى المتلقي، إلا أن هذا الصديق يكون جزءا من فكرة القصيدة وبنيتها النصية، ثم ننتقل عن مكانة المرأة الكبيرة في نصوص قصائده وأهميتها، وهو يؤكد لنا أن الرجل السومري يعتبر المرأة جزءا مهما في حياته، بل إنها حياته كلها، وإنها الفرح والحزن، والضياع، والبقاء.

ففي قصيدة "ابنة الماء والشرر" التي يطوف بها في حياة فتاة صغيرة، والتي يؤكد فيها أنها لم تبلغ حد النضوج، وإنها لازالت تحتاج الكثير، حتى تعرف معنى هذه العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة، الحب، والعاطفة الجنسية:

إيه سيدتي ..

اعلم أنك لا تطيقين عبثيتي

ولا ندف الثلج التي تغطيك بعد منتصف الليل

الممسك بتلابيب الجنون الذي يعتليني

واشهد أنك تصلحين للبقاء بين الشك والبلوى

وتتضح رؤية الشاعر، للمرأة وتنوعها واهتماماتها، ويطرح الشاعر مغامراته السومرية، ويبوح بأسراره الدفينة، للحبيبته التي وجدها المرسى الأخير، وعليه إن يكشف لها كم من النساء على حبل غسيله، نكتشف ذلك من خلال قصيدته "لا أنثى على حبل غسيلي ..!!" فهو يكشف لها تلك المغامرات النسائية، وتلك النسوة اللواتي كان ينشرنهن على حبل غسيله، إلا أنه يعلن عند رؤيتها، لم تعد المرأة على حبل غسيله، وانتهت مغامراته السومرية:

آه لو تعرفين يا صديقتي :

كم أنثى مرت بحبل غسيلي

بعضهن :

بطعم الذرة المشوية

أخريات :

لهن طعم الحلوى المغشوشة

أغلبهن :

كن كما سنبلة احترق شعرها

ثم يعلن بأنه عند مجيئها، تغير لون حياته، وبات لا يرى في الوجود سواها، وأن شذى عطرها هو سر حياته:

وبعد مجيء شلالات عطرك ..

قذفت بكل نونات النسوة بعيداً

وألغيت تجاعيد الجدران من ناظري

حتى احتفظ بليلك

ينساب على إطراف نهاري

أمّا قصيدة "أنثى تخثر دمي على شفاهها" فإنها تكشف الوجه الحقيقي للمرأة التي يعشقها، إذ يجب أن تكون القرية، ويجب أن تكون وجه أمه، وتكون سمراء، سمار السومريين، وتحمل سماتها وجه الأرض والطين، وقد رآها وهو يبوح لها عن هذه المشاعر الجياشة، بمخيلة حسية شعرية خصبة:

تلك القرية الصارخة

هي أنثاي ..

تلك الأنثى الجامحة

هي قريتي ..

تلك الدافئة، الزاحفة نحوي

وطن .. تفيأت صدرها

فكنت بدفء النهايات السمر

وفي قصيدة "أسئلة خضر لزهرة سوداء" تكون الزهرة السوداء رمزاً لسواد الحياة التي نعيشها في هذا البلد.

أما قصيدة "مؤخرات" فأنها تطرح ثيمة وفكرة الخطأ الكبير الذي ارتكبه أبناء البلد عندما لطخوا أصابعهم بالحبر البنفسجي، ظناً منهم بأن اختيارهم صحيح، إلا انه عاد إليهم بالكوارث والويلات التي لا تنتهي، وهو يجعل من الحبر حالة من السخرية الرمزية:

قلب بغداد ينبض بالأسى

وحانة الشعر مغلقة

أصابعنا البنفسجية ..

جل ما تخشاه في آخر المطاف

أن لا تجد مؤخرات..

تتسع لها

وتختلف النصوص لتنتشر إلى مساحة واسعة من حياتنا، وهمومنا، ومعاناتنا، وآلامنا، وعلاقاتنا العاطفية، كما نرى ذلك في قصيدة "نكاية بهم.." وقصيدة "عشرون دعوة للجنون" وقصيدة "تلعق سرة الورق" وقصيدة "هواجس تعتليني" وقصيدة "قمران" وقصيدة "زيارة إلى نون ما" وقصيدة "على سرير القافية"، وقصيدة "دستور اللا شيء" وقصيدة "لأني ..!!" وقصيدة "إلى نون تجديداً" وقصيدة "الدرويش يكره اللون الأزرق"، وقصيدة "موعد مع الوراء".

إن المجموعة الشعرية "غواية الساعات" للشاعر عدنان الفضلي، رحلة في أروقة الحياة، بروح وسمات وصفات رجل سومري مجنون شعراً، قادم من الجنوب، من حيث الأرض والزرع ورائحة القصب السومري، وحبه للمرأة التي شكلت نسيج قصائده بإطارات مختلفة، ونفحت من روحها في متونها، وأعطت للنصوص مساحة شعرية كبيرة حالمة، وكما إن خيال الشاعر الخصب، ومفردته الشعرية المنتقاة، ومخيلته الحسية الشعرية الثرة، نقلتنا إلى أماكن وأزمنة متعددة، وطرحت بين ثناياها أفكارا تعبر عن ذواتنا، وهي قصائد تحمل عبق الجنوب.