حرب عالمية ثالثة على الشاشات الروسية

لم تعد القضية السورية تختصر في معضلة داعش والنصرة فحسب بل دخلت على المشهد قصة اخرى يمثلها الثنائي المدمّر اميركا - روسيا.

لم يكن احد يتوقع يوما ان تكتمل صورة روسيا المدججة بأحدث الاسلحة الفتاكة والصواريخ العابرة والاسلحة الذرية والطائرات كما هي اليوم وان تكون الساحة السورية ميدان اكتمالها.

توارى اللاعبون الصغار فجأة وحاملي الشيكات وتجار السلاح والسماسرة وتركت الساحة للمتصارعين العملاقين.

حتى تركيا لاذت بذيل الثوب الامبراطوري الروسي متأخرة واحتمت بالقصير تحسبا لهول الحريق او تحسبا لتقطيع اوصال الجغرافيا.

تتلازم فجأة على الأرض السورية كل الاستراتيجيات التي سترسم مستقبل العالم: تشطير المنطقة بموجب العقد الاميركي ـ الاسرائيلي طائفيا وعرقيا وتمزيق الجغرافيا التي كانت عليها الدول خاصة العراق وسوريا الى صراعات عرقية مستدامة وحرائق يفترض ان تكون تحت السيطرة الاميركية تطفئها ساعة تشاء وتقوم بتسعيرها ساعة تشاء.

يعلنها اردوغان بشكل مفاجئ في احد تصريحاته الاخيرة: بدل ان تصغر مساحة تركيا بسبب المخطط الاميركي القادم عليها ان تسارع فتتوسع.

آيات التوسع تختصرها حلب والموصل وكأن المدينتين الجريحتين تعودان من عمق التاريخ ليس بطريق الحرير العربي الذي طالما ربط المدينتين وميزهما بل بتحولهما الى نواتين للصراعات وميدانهما الاسخن.

المراهنة كانت على الفصائل المسلحة ذات الهوى الاميركي في مقابل نظيراتها ذات الهوى التركي فالروسي فالايراني فالخليجي، الحاصل انها انهار من الدماء ومازال المتصارعون ينتظرون انهارا اخرى.

الدم السوري ـ وياللهول ـ صار لزوم ما يلزم.

الشياطين الذين يعمّدون آلهتهم كانوا يعمدونها بدماء سخية لكي ترضى عنهم وكذلك الحروب لمن لا يكترث كثيرا بمن هم تحت الانقاض او بلا طعام او بلا دواء او مقطّعي الاوصال بقدر مراقبة الخصوم، النظام وروسيا وداعش والنصرة واميركا، الكل يقصفون وهم في قلب المعركة سواء بسواء.

هذه التوطئة هي المناخ الحيوي للتسخين الروسي وعنوان الطريق الاحادي الذي لا رجعة فيه مهما كانت النتائج: ان روسيا ـ بوتين لا ولن تتزحزح عن ارض سوريا ولا عن النظام السوري الحاكم.

لم يكن ذلك حاضرا في خطط اميركا ولا تصوّراتها يوم شكّلت المشهد السوري بما تشتهي من صراعات ولم يكن ذلك حاضرا في اذهان اصدقاء اميركا وشركائها ولا حتى النظام الذي كان على وشك الانهيار النهائي لولا ذلك التدخل الروسي الهائل وغير المتوقع.

كان الهمّ قبل بضعة شهور منصبا على بضعة مئات من حزب الله وخبراء عسكريين ايرانيين ومليشيات طائفية من هنا وهناك والتخلص من النظام واذا بالصواريخ الروسية العابرة للقارات تنزل عارية الى الساحة واذا روسيا تتباهى بقواعدها الدائمية على الارض السورية.

روسيا ـ القيصر ادركت الهستيريا التي ضربت الادارة الاميركية على اعلى المستويات وان القصير الروسي قد خرق بشكل سافر مصالح اميركا وخططها واستراتيجياتها والا كانت سبقته في احتلال سوريا او جزء منها كما فعلت في اسقاط النظام العراقي وتدمير كل ما طالته قواتها في ذلك البلد.

بوتين يستجمع قواه اليوم، يشعر انه في حالة مواجهة كارثية قد تعصف ببلده وقواته مع استمرار اصراره على ما بدأه في سوريا: ان سوريا لي ولقواتي ولتشرب اميركا من البحر. اتراها خلاصة واقعية ام ضربا من الوهم والخيال؟

ذلك هو اقصى ما بلغه القيصر منذرا شعبه بحرب اميركية ـ اطلسية وشيكة، نزول الى الملاجئ، عائلات المسؤولين يجب ان تعود الي البلاد فورا، ملايين الروس يجرون تدريبات على عمليات الاخلاء والدفاع المدني ولزوم الملاجئ.

اميركا تبدو ابعد ما تكون عن هذا الجو الكابوسي الذي اسرع بوتين لصنعه لكنها تنذره بلا ادنى تردد وبشكل مباشر: ان خرق مصالحها والوقوف في وجه استراتيجياتها سيقابل بما يستحق من رد. استنفدت اميركا الدبلوماسية وكل المناورات وكذبت على بوتين مرارا وناورت معه وارادت خداعه لكنها وجدته جاثما هناك على الارض السورية لا يرف له جفن، يصول ويجول غير مكترث لا لأميركا ولا لغيرها ولهذا هو يعلم عواقب ذلك وان كانت حربا عالمية ثالثة فلتبدأ ملامحها عنده تلفزيونيا، يتخيّل شكلها وامتداداتها اولا ثم لكل حادث حديث.