تركيا في الموصل: خطورة الخطاب الطائفي

النبرة الاخيرة التي استخدمت في خطابات اردوغان الموجهة تحديدا الى العراق، كانت تعبيرا صارخا عن حجم التحول في الذهنية الطائفية لصناعة السياسة الخارجية لدولة اقليمية مهمة مثل تركيا. في هذه النبرة خرجت تركيا عن واحد من اهم المبادئ التي حكمت علاقاتها بالاخرين بعد ان تم اسلمة الحكم بطريقة متطرفة. مبدأ "السلام في الداخل، السلام في الخارج" اعيدت صياغته ليتم تشكليه عبر تصدير ازمات الداخل لخلق الفوضى في الخارج. وهي فوضى تنعكس بالضرورة على المجال الامني الجديد لتركيا، وبالتالي على تشكيل التفاعلات التركية – التركية ذاتها.

يحاول بعض الكتاب الاتراك ايجاد التبريرات لهذه السياسة عبر التأكيد على فكرة كون العراق خاضع تماما للدور الايراني. وايضا عبر توظيف فكرة كون كل اشكال المقاومة والرفض للدور التركي في معارك الموصل، انما تمثل موقفا ايرانيا بحتا له علاقة بالصراع الشرس بين القوتين على امتداد الجغرافيا العراقية – السورية. لاجل ذلك وضعت تركيا في اجنداتها حديثا مركزا حول تسويغ تواجدها في بعشيقة اساسه الخشية من ان تحدث تغيرات ديموغرافية في الموصل تقود لاحقا الى تحولها لمدينة شيعية!

يفشل مثل هذا التبرير في الاجابة عن تساؤلات تخص فكرة المقاومة في جذرها البعيد اولا، وكذلك في تمرير فكرة التغيير الذي يمكن له ان يصيب البنية السكانية لثاني اكبر مدينة في العراق. فلأجل تطبيق اشكال هذا التغيير الذي يدعيه الخطاب التركي، لا بد من ان تكون هنالك فترة زمنية طويلة وسياسات سكانية بشعة قد لا يمكن الوصول معها الى نتيجة ممكنة، حين يتم التعامل مع مدينة مثل الموصل في بلد عرف جيدا ما الذي تعنيه هذه القضية ومدى خطورتها المستقبلية. الجغرافيا تلعب دورها الحتمي في هذه المعادلات، وتترك اثرها السياسي والاجتماعي على كل العراق وليس الموصل تحديدا اذا ما اراد البعض رسميا التفكير بمثل هذه التصورات الاقرب الى الخيال منها الى الواقع.

هنالك في الخطاب التركي المعاصر توجه محدد لقيادة السُنة في العراق. فهنالك من يريد ان تكون الموصل هي الرقعة التي تمهد لانتاج الاقليم السني برعاية تركية مباشرة. وهو امر لم يعد خافيا بالمطلق حيث عبر عنه اردوغان بشكل صريح في مقابلة مع احدى القنوات الخليجية قائلا "من هم أهل الموصل؟ إنهم السنة العرب، والسنة التركمان، والسنة الأكراد، بالتالي يجب ألا يدخل 'الحشد الشعبي' الموصل... أن الحشد الشعبي يجب أن يُمنع من دخول الموصل من السعودية وتركيا...". تصريح يتم فيه نفي فكرة المكونات واختزالها بعنوان مذهبي محدد صارخ المعالم، بهدف خلق عراقين متناحرين طائفيا احدهما سني والاخر شيعي. هنا فقط وفقا لهذه الرؤية التي يطرحها صانعو السياسة التركية سيكون لفكرة التغيير الديموغرافي مخرجاتها وتطبيقاتها القاسية على ارض الاقاليم التي ستتشكل بالدم وليس عبر الخرائط.

خطورة هذا التوجه وعدم جدوى التبريرات التي قدمت لتفسيره عمليا، دعت المعارضة التركية والقوى المجتمعية الى التحذير من المعاني السيئة لهذا الخطاب. فعلى سبيل المثال اكد حزب الشعب الجمهوري بانه يتفهم مخاوف تركيا في الموصل ويتفق مع اردوغان في بعض التصورات الخاصة بتواجد الجيش التركي في بعشيقة، الا انه يحذر من جعل الطائفية اساسا لتوجيه السياسة التركية في التعاطي مع هذه القضية. هنا اكد كمال كيليتشدار أوغلو "ان الحكومة التركية مطالبة باستخدام لغة حذرة لا يتم فيها الترويج لسياسة خارجية مذهبية خاصة في اعقاب عملية تحرير الموصل... ان تحرير الموصل سيعني بروز استراتيجيات جديدة حول سوريا والعراق. لذا فان مقابلة اردوغان في الاعلام الخليجي تشير الى خطورة المفردات الطائفية".

خطورة هذه التصريحات انها لم تاتِ من شخصية عابرة لكاتب او اعلامي مدفوع الاجر لتحقيق غاية محددة، بل اتت من شخص يفترض به قيادة امة كبيرة ومهمة مثل الامة التركية. هنا يتم الحديث عن اثر هذا التحول الممكن عبر الموصل في الداخل التركي ذاته. فالانقسام المجتمعي لا زال يؤثر في مشهد الاستقرار المستقبلي لتركيا. وهو مشهد له امتداداته السكانية الواسعة عبر الجغرافيا التركية. لذا يتوقع ان يترك تحديد تركيا لقائمة اعدائها الجدد في العراق وفقا للقاعدة الطائفية، مساحة تأثير وشحن سلبي في العديد من الاوساط التركية. لاحقا سيقود هذا التصنيف للاعداء الى انتاج تحولات جيوبولتيكية مهمة داخليا في العراق بالطريقة التي قد تفقد معها تركيا الكثير من المبادرات في ميادين الاقتصاد والطاقة والاعمال.

بالنهاية ليس مفاجأ ان تكون تركيا مأزومة الى كل هذا الحد في ظل استبعادها اميركيا عن معركة الموصل. المفاجئة الحقيقية ستكون في اصرار الاتراك انفسهم على اعادة التذكير بدور اردوغان في شق وحدة الصف التركي عبر هذه التصريحات والعقيدة الطائفية التي باتت تهيمن على ذهنيته في رسم السياسات العليا للبلد. في هذا الصدد يقول الكاتب هاينتس كرامر في كتابه "تركيا المتغيرة تبحث عن ثوب جديد": "حين كان اردوغان رئيسا لبلدية اسطنبول في زمن حزب الرفاه السابق، فقد صدر بحقه حكم يقضي بسجنه عشرة اشهر بسبب زرع بذور الكراهية بين صفوف الشعب حيث اقتبس في خطاب القي في احدى المدن التركية ابيات تدلل على عقليته جاء فيها 'ان الجوامع ثكناتنا، والقباب خوذاتنا، والمآذن حرابنا، وجمهور المؤمنين جيشنا'، وعد ذلك بنظر محكمة امن الدولة في ديار بكر على انه خطاب لاثارة الحقد والكراهية بين صفوف الشعب".

لقد فشلت سياسات تحشيد السنة في معظم التجارب التي خاضتها حكومة حزب العدالة والتنمية. هذا الاستنتاج المهم بات مسيطرا على بعض الرؤى الحيادية للكتاب الاتراك في نقدهم للتبريرات التي تتقدم بها المؤسسة الحاكمة لتمرير السياسات الطائفية التي افقدت تركيا فرصا استثمارية وتنموية كبيرة.هنا يؤكد الكاتب التركي بوراق بيكديل في مقاله المعنون "اكاذيب رخيصة" على هذا التوجه بالقول "ان طموحات اردوغان المذهبية فشلت في سوريا وكذلك في ترتيب الاوضاع في مصر لمصلحة الاخوان المسلمين، كما فشلت في لبنان عبر حركة حماس، ولاجل ذلك فان السياسة السُنية التي تتبعها تركيا ستفشل في العراق ايضا".