خارج المخيلة.. إعادة الحسين إلى العقل

التمادي بعاشوراء وصل إلى ظهور 'كلاب رُقية والزهراء'

تعرض آية الله نرتضى مطهري إلى ما دخل بقوة على طقوس عاشوراء وأسرت العقول والنفوس إلى المنبر الحسني، ومنها ما يُعرف بعرس القاسم. القاسم هو ابن الحسن بن علي، وكان في الواقعة الطف طفل، وقُبيل مقتله، مع عمَّه الحسين، يعقد له على ابنته سُكينة ليلبي أمنية طالما تمناها الإمام الحسين وهي زواج ابن أخيه من ابنته. ثم يبرز القاسم إلى القتال ويُقتل. في هذا اليوم، المخصص للقتيل العريس، تأتي النساء بأوانٍ فيها ما يُلزم للاحتفال بالعرس. وحسب الميرزا نوري في "اللؤلؤ والمرجان" أن أول مَنْ أدخل هذا الطقس، أو تلك الحكاية، في عاشوراء هو الملا حسين الكاشف في كتابه "روضة الشهداء"، والذي جمع فيه صاحبه مجموعة حكايات قالها ملالي ذلك الزمن، قبل خمسمئة سنةً، أي تزامناً مع بداية العهد الصفوي.

لا يفوت الشيخ مطهري الوقوف على حكاية العطش، وهي تكفي لهز المشاعر بعرض المأساة، عندما يقابل قارئ المنبر بين نهر الفرات الجاري ولسان الحسين الصادي، وهو يحمل طفله الرضيع طالباً له الماء، ثم يأتي سهم من حرملة الأسدي، أحد جنود أو قادة الجيش الأموي، ليذبحه من لوريد إلى الوريد، فيجمع الحسين دم رضيعه بيده ويرميه نحو السماء، ويضيف بعض قراء المنبر أن الحمرة التي تظهر عند الغسق هي من أثر حمرة ذلك الدم، ,اكثر من هذا أن السماء تمطر دماً غضباً لمقتل الحسين. ولا يُقتل الحسين ضعفاً أو لقة قوة إنما سيفه أحاط برقاب آلاف الجنود لكن إرادة الله تريد قتل الحسين لمهمة أو غاية أخرى ألا وهي" "إن لم يستقم دين محمد إلا بقتلي فيا سيوف خذيني"! وكم تشبه غاية قتله غاية قتل السيد المسيح!

مبالغات مهولة

إضافة إلى تلك المختلقات وتحويل عاشوراء إلى موسم للانكسار والحزن العميق، وما يصاحبها من تلاعب بمشاعر البسطاء، عبر رواية أحداث لا أصل لها، وقراءة شعر وجداني باللهجة العامية، والترنم به، يأتي دور المبالغات في الحوادث، فسيف الحسين كان يحصد الرؤوس بالآلاف حصداً، حتى أن عدد القتلى دفعت الشيخ مطهري إلى حساب الزمن المطلوب لقطف تلك الرؤوس فوجدها تحتاج إلى يوم أكثر ساعاته من اليوم العادي! وبالفعل لما وجد أصحاب تلك المبالغات أن ذلك اليوم، وهو العاشر من عاشوراء، لم تكف ساعاته لسيف الحسين في أن يقطع آلاف الرؤوس ابتدعوا حكاية أن الله مد بطول ذلك اليوم وجعله (72) ساعةً بدلاً من (24) ساعة!

عموماً، قصص التحريف التي أتى عليها الشيخ مطهري، وتحاول الدولة الإيرانية حالياً من الحد منها، وذلك بالسماح لمثل هذا الكتاب وسواه بالانتشار، وأنها منعت التسوط بالزناجيل على الظهور والتطبير بالقامات على الهامات، كان قصده من فضحاها هو إعادة قضية الحسين إلى موقعها المؤثر في العقل لا في المخيلة، فطالما استغلت من قبل السلاطين الصفويين لتمتين سلطتهم، وجمع الجموع تحت لواء الحسين ضد خصومهم العثمانيين، ونشر المذهب الشيعي بأدواتهم، فلا بد من عقلنة طقوس أو مراسم عاشوراء، وجعل منابرها للهداية الدينية، وتنقية الإسلام السياسي الشيعي، المعتمد عليها بالأساس، لتحل محل تلك الشوائب، التي تخلق بشراً منكسرين يسبحون في بحار من الوهم والخيال.

الواجب مكافحة التحريف

لذا يطلق الشيخ مطهري في كتابه الدعوة إلى "واجب مكافحة التحريف". قال: "نعم، فواجب العلماء في عصر خاتم النبوة هو مكافحة التحريف، ولحسن الحظ فإن وسائل هذا الكفاح وأدواته موجودة، كما أن هناك عدداً لا بأس به من العلماء، ممَنْ وقفوا هذا الموقف المشرف حتى الآن. وما كتاب اللؤلؤ والمرجان، الذي يتعرض مؤلفه إلى موضوعة واقعة عاشوراء التاريخية... إلا تطبيقاً عملياً ومصداقاً حياً لهذه الوظيفة المقدسة جداً جداً، والتي قام بها هذا الرجل العظيم على أحسن وجه، وهي المصداق الحي للقسم الأول من حديث الرسول (ص): إذا ظهرت البدع في أمتي فيظهر العالم علمه".

لكن، الشيخ مطهري نسى أو تناسى، أو ليس له علم، بأن مرجع أهل الشام الشيعي، وخريج مدرسة النجف السيد محسن الأمين العاملي (ت 1954) بدأ حركته الإصلاحية من العام 1901 بدمشق، يوم أعلن مقاطعة الطقوس التي يؤديها الشيعة حول مقام السيد زينب بضواحي مدنية دمشق، وكتب كتاباً بعنوان "رسالة التنزيه" (1928)، وقد واجهه عدد من أصحاب المواكب الحسينية، المستفيدين من المتجارة عبر تلك الطقوس، بعداوة، حتى وصل بأحدهم أن يقول:

يـا راكباً إمَّـا مررت بجلق

فأبصق بوجهِ أمينها المتزندق

ديمقراطية الجهل

حرمت تلك الرسالة استخدام آلات اللهو في الموسم من طبول ودمامات، والمسرحيات التي تجري في الميادين، ومنها ما كان هدف كتاب الشيخ مطهري "الملحمة الحسينية: منع "الأمور المكذوبة، المعلوم كذبها، وعدم وجودها في خبر، ولا نقلها في كتاب، وهي تتلى على المنابر، وفي المحالفل بكرة وعشيا، ولا من منكر ولا من رادع... ومن المعلوم أن روايات التعزية من سنح الرخص...". كذلك هناك عشرات علماء الدين من المصلحين حاولوا رد العوام عن طريق التمادي في طقوس عاشوراء، لكن هناك تجار بضاعة، حيث موسم عاشوراء يسفر عن تجمع هائل يحتاج إلى أدوات استعمال لأداء الطقوس، ما القامات والزناجيل إضافة إلى ما يحصل عليه تجار المواكب من تبرعات سخية، ينتظر المتبرعون من تبرعاتهم الحصول على الثواب، ثم أتى دور تجار السياسة من الأحزاب الدينية، التني ترى في عاشوراء مناسبة فريدة للهتاف وحشد الأتباع.

توقفنا طويلاً عند الجزء الأول من "الملحمة الحسنية" فهو كما أسلفنا الجزء الأهم، وأن محاور بقية الكتاب محاولة لفك الارتباط، أو التوهم بالمشابهة ما بين الإمام الحسين والسيد المسيح. فالحزن كما يبدو واحد، إلا أن المؤلف، بطبيعة الحال، ينطلق من رؤية إسلامية أو قرآنية، وهي أن مقتل السيد المسيح حادثة مختلقة، فالآية التي لم يذكرها الشيخ في نقده للمشابهة تحتم عليه فهم الحادثة بهذه الطريقة: "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا "(النساء، آية 157). أما الحسين، فحسب الشيخ، أنه قُتل بالفعل، ومصيبته واقع معاش، والمسلمون لم يتوهموا قتله مثلما هو الحال مع الحسين! ويرد مَنْ يرى في الإمام أنه الفداء عن خطايا الأتباع، مثلما يرى السيحيون في السيد المسيح. ولم يأت الشيخ المطهري ترفاً على هذه المقابلة بين المسيح النبي والحسين الإمام إنما كان الدافع أن هناك مَنْ يجد في ممارسة البكاء واللطم على الحسين غفراناً للذنوب، وتعويضاً عن عدم أداء الصلاة والزكاة، وأن عاشوراء هو السبيل إلى الجنة بلا حساب!

نصحية ان عباس

كذلك لم يتأخر الشيخ مطهري، ولعلَّ ذلك نادراً بين مؤرخي وعلماء الشيعة، من الحط من منزلة عبد الله بن عباس (ت 58هـ)، وهو ابن عمَّ الإمام علي بن أبي طالب والنبي محمد، وقد نُقل عن طريقه كم هائل من الحديث النبوي، مع أنه لم يبلغ سوى الرابعة عشر عند وفاة النبي محمد. وإشكال الشيخ مطهري على ابن عباس هو نصيحة الأخير للحسين أن لا يذهب إلى العراق عندما قال له: "إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك إن أهل العراق قوم غُدر". وعلى هذا، كأن الشيخ مطهري يرى بابن عباس مانعاً لوجود الحدث بكارثيته، وهي لدى الشيخ سبب من أسباب ديمومة الإسلام، عبر التذكار السنوي (عاشوراء). وتراه يرمي ابن عباس بالبراغماتية، أي المنطق السياسي النفعي، بينما يؤكد منطق الإمام الحسين بأنه منطق الشهادة والفداء والعقيدة.