هل حماس على أبواب مراجعة فكرية وسياسية؟

النبأ الذي نشرته بعض المواقع عن أن حماس تجري خلف الأبواب مراجعة لسياستها، سوف تبلورها في وثيقة خاصة، أثار بلبلة في صفوف الحركة وفي الرأي العام الفلسطيني. فعدا عن النفي الذي ورد على لسان صلاح البردويل، أحد قادة حماس، يرد فيه على أن حماس مازالت على ثوابتها، وأنها ليست بصدد أية مراجعة لهذه الثوابت، فإن ما جاء في أكثر من مقالة للدكتور أحمد يوسف، المقرب من حماس، والمستشار السياسي السابق لنائب رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، أوحى بما لا يدعو للشك أن الحركة تقف عند مفترق طرق، وأنها بصدد إعادة قراءة المشهد السياسي الإقليمي، والعربي والفلسطيني، ورسم السياسات المطلوبة على ضوئه. ومن الطبيعي أن تكون حركة كحماس، تعيش مثل هذه الأجواء. وهي أجواء تعيشها ربما معظم القوى السياسية الفلسطينية والعربية في ظل تدافع الأحداث في المنطقة.

ثم جاءت تصريحات خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للحركة ليعترف بالفم الملآن أن الحركة أخطأت في العديد من المحطات، وربما في محطة الإنقسام والإستفراد بالسلطة على قطاع غزة.

وهو الأمر الذي شجع أحمد يوسف على الكتابة مرة أخرى، مؤكداً صحة تقديراته، ومخطئاً، ضمناً، تقديرات ونفي البردويل وكل الذين إنبروا من حماس ليدافعوا عن الحركة الإسلامية بإعتبارها محصنة ضد الأخطاء. فحركة حماس، وهي الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين، تتأثر كثيراً وكثيراً جداً، ليس بتطورات الحالة الفلسطينية وحدها بل ويشكل مباشر، ومن موقعها «الإخواني» بمجمل تطورات المنطقة التي تربطها ببعض محاورها علاقات وثيقة. فلا بد أن تكون حماس بصدد إعادة قراءة المشهد التركي، بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة على أردوغان وحزبه الذي ترتبط معه حماس بعلاقات سياسية وفكرية متشعبة، خاصة في ظل الإستدارات السياسية لنظام أردوغان، على الصعيد الدولي والإقليمي، ولمصير تجربته الخاصة، في إدارة الشأن العام في تركيا، قبل الإنقلاب الفاشل وبعده.

ومن الطبيعي أن تكون حماس بصدد التوقف أمام التجربة الإسلامية في تونس، متمثلة في حزب النهضة برئاسة راشد الغنوشي، وما أقره في مؤتمره الأخير من فصل السياسي عن الدعوي في بنية الحزب وآليات عمله، بالتالي إنعكاس هذا الأمر على تركيبته، وعلى علاقته بحركة «الإخوان» التي يحاول الغنوشي أن يتظاهر بالإبتعاد عنها، وفصل علاقته بها، مراعاة منه لمجتمع راسخ في العلمانية، منذ سنوات، شكل فشل القوى السلفية في شق طريقها في صفوف المواطنين عنصراً لا بد للغنوشي أن يأخذه بعين الإعتبار، خاصة وقد بات لقب السلفي، في تونس، يرتبط إلى حد كبير بالإرهابي.

والأمر نفسه ينطبق على تجربة «الإخوان» في الأردن وهم الفرع الأقرب إلى حماس جغرافياً وفكرياً، وحتى إجتماعياً، في ظل إنشقاق الحركة الأردنية على نفسها، وفشل المبادرات لإعادة توحيدها، وهو إنشقاق يحمل في طياته مراجعة لدى «الحزب الإخواني الجديد» أساسها فك الإرتباط بالإخوانية الدولية، التي باتت تجربتها تشكل إثقالاً سياسياً يكلف فروع الإخوان، خاصة في الأردن (وقبله في تونس) ثمناً باهظاً.

ولعل أبرز عنوان لهذا الفشل هو التجربة المصرية، وسقوط حكم مرسي، وإنحياز إخوان مصر إلى العنف الدموي، وتشتتهم، وفشلهم في إعادة لملمة صفوفهم، وإستقالة موقعهم المؤثر، بل والمقرر في التجارب والتوجهات الإخوانية في المنطقة. ولا بد أن يكون على جدول أعمال حماس تجربة «الإخوان» في سوريا، وتراجع موقعهم في صفوف المعارضة بعد ان احتلوا لفترة زمنية طويلة الموقع الأول فيها، وباتوا هم الناطقين شبه الوحيدين بإسمها. بالمقابل لا بد أن يكونوا قد توقفوا أمام تجربة «الإخوان» في الجزائر، والتي زارها مؤخراً نائب رئيس المكتب السياسي لحماس موسى أبو مرزوق وإلتقى فيها قادة الحركة الإسلامية (حمس) وأجرى معهم محادثات معمقة، لا بد أنها تناولت بالضرورة واقع الحركة الإخوانية بما فيها تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب المجاور الذي يترأس الحكومة المغربية، بزعامة عبدالإله بن كيران، الذي عاد مرة أخرى إلى موقعه هذا، بعد الإنتخابات التشريعية الأخيرة في البلاد.

هل تشكل هذه المراجعات مدخلاً لإجراء مراجعة معمقة لتجربة حماس نفسها في ظل سلطتها على قطاع غزة. فها هي في موقع المسؤولية المباشرة عن القطاع بعد حوالي عشر سنوات من الحكم المنفرد له. وكل المؤشرات تؤكد فشل تجربتها في إدارة الشأن العام فيه. فعلى الصعيد الإقتصادي تشهد الأوضاع تراجعاً إلى الخلف. ولم تنجح المصالحة التركية الإسرائيلية في إنعاش الإقتصاد في غزة، أو في تخفيف إجراءات الحصار الإسرائيلي عليه. بل على العكس من ذلك فقد سحبت إسرائيل مؤخراً تصاريح حوالي 500 تاجر من غزة لإستيراد البضائع من إسرائيل أو من الخارج عبر معبر كرم أبو سالم، وما زالت نسبة العاطلين عن العمل في تصاعد ملموس، يترافق ذلك مع تراجع في الخدمات كالكهرباء والماء، ونظافة البيئة، بإنعكاس ذلك على حركة الإنتاج وعلى قطاع الزراعة. فضلاً عن ذلك يعيش القطاع في حالة توتر دائم بين حماس والقوى السلفية المتهمة بدعم المسلحين في شبه جزيرة سيناء، عدا عن التوتر الدائم بين حماس وفتح، وحالة الإحتقان التي يعكسها الحصار على الجو العام، بما في ذلك إغلاق معبر رفح مع مصر، وبيت حانون مع الضفة. كما تشكو حماس من عجز مالي حاد عكس نفسه سلباً على قدرتها على صرف رواتب المفرغين في صفوفها، مدنيين وعسكريين، بشكل منتظم. وكلما تعطلت عملية الصرف، كلما إنعكس ذلك ركوداً في الأسواق، باعتبار أن الموظفين هم المحرك الرئيس لأنشطة الأسواق على إختلاف أنواعها.

أما في السياسة فقد فشلت حماس في تقديم البديل للسلطة الفلسطينية في رام الله، وتحاول على الدوام أن تلقى بمسؤولية الفشل في إدارة القطاع على هذه السلطة، وفي الوقت نفسه تمارس على الوزارات الرسمية هيمنة كاملة، بحيث باتت حماس نفسها، وليست حكومة رام الله، هي المرجعية اليومية للوزارات الخدمية وغيرها في القطاع.

أما على الصعيد العربي والإقليمي، فالتباين واضح في مواقف قادة حماس إن من القاهرة أو طهران أو أنقرة، وهو تباين يعكس وجود خلافات داخل الحركة حول تحالفاتها المحورية، وحول إرتباطها بالإخوانية الدولية وأثر ذلك على تجربتها الفلسطينية التي يصفها الكثيرون بالفاشلة.

حماس، كما تؤكد مصادرها، مقبلة على إنتخاب رئيس جديد لمكتبها السياسي. والمرشح الأبرز لهذا المنصب هو إسماعيل هنية، نائب رئيس المكتب السياسي، حالياً، دون أن تسقط من حساباتها خيارات أخرى. كما أن حماس تدرس جدياً إمكانية ترشيح خالد مشعل، بعد إنتهاء ولايته في المكتب السياسي لرئاسة السلطة الفلسطينية، ما يعني ترشيحه كذلك لرئاسة اللجنة التنفيذية، إذا ما جرت إنتخابات لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني. وكلها خطوات ليست معزولة عن تفكير سياسي جديد يطرق أبواب حماس. ما يؤكد مرة أخرى، وخلافاً لما صرح به البردويل، أن الحركة مقبلة على مراجعة سياسية سوف يكون لها آثارها على أوضاعها الداخلية وعلى دورها الفلسطيني، وعلى علاقاتها الإقليمية.