تعقيدات الوجود التركي في محيط الموصل ولطمية الوطنية العراقية الزائفة

مع وجود جيوش لاكثر من عشرة دول في العراق، استيقظت حكومة اصحاب الكهف في بغداد فجأة على كابوس وجود قوات تركية في محيط الموصل، ووخز انتهاك التراب العراقي احساسها المرهف لتهددها بالويل والثبور وعظائم الامور، وكأن تلك القوات دخلت لتوها الاراضي العراقية وليس منذ عقود.

فوجود القوات التركية في الاراضي العراقية يمتد لعهد نظام صدام حسين وفق اتفاق ثنائي حينها بين الدولتين لتعقب المقاتلين الأكراد في طرفي الحدود، واستمر وجودها بعد 2003 ولغاية يومنا هذا. ومنذ عام 2003 وثلاثة طالبت حكومة اقليم كردستان مرارا حكومة بغداد (الوطنية جدا) بدعوة الحكومة التركية لسحب قواتها لكن دون جدوى، حيث ان وجود تلك القوات حينها في كردستان كان بمثابة ورقة ضغط على الاقليم تستخدمها حكومة بغداد ضدها متى ما ارادت. وتشاء الاقدار السياسية ان تتطبع العلاقات بين حكومة اقليم كردستان والحكومة التركية وان تفقد حكومة بغداد تلك الورقة من يديها لينقلب السحر على الساحر بعد دخول داعش للعراق ويتوغل الجيش التركي ليصل الى محيط الموصل ويشكل عقبة حقيقية امام اجندات حكومة الاغلبية الشيعية ضد المناطق السنية في مرحلة ما بعد داعش.

هناك نقطتان يجب التأكيد عليهما بداية. الاولى، اصرار تركيا بان وجود جيشها في محيط الموصل جاء وفق مطالبات عراقية لها بمساعدتها في الحرب على داعش. والثانية، ان ادعاءات حكومة بغداد بوجود اطماع تركية في الموصل يكذبها الحجم الصغير لتلك القوات وتلغيها الموازين العسكرية والسياسية الحالية في المنطقة والعالم والتي تختلف عن الموازين السياسية التي كانت موجودة في بدايات القرن الماضي.

وايا ما تكون الاسباب التركية المعلنة، فالواقع السياسي يشير الى وجود اسباب مركبة متشابكة تتعلق بعضها بتوجهات الحكومة العراقية كما قلنا سابقا والبعض الاخر مرتبط بنظرة تركيا لامنها الوطني.

فبعد تزايد الرفض العراقي للوجود التركي على اراضيها اخذت الحكومة التركية تفصح عن اسباب اخرى تتعلق بمخاوفها من حدوث تغييرات ديموغرافية في مدينة الموصل في مرحلة ما بعد داعش، لكن ايضا دون الاعلان عن الجهة التي يمكن ان تقوم بهذه التغييرات، بحيث ابقت باب التكهنات مفتوحا للجهة التي تقصدها. فقد يكون موجها ضد الحكومة العراقية ومليشياتها التي دأبت على تغيير ديموغرافية المناطق السنية التي تحررها من داعش واحلال المكون الشيعي فيها، وكذلك يمكن تفسيرها بانها ضد توجهات حكومة اقليم كردستان في ضم المناطق الكردستانية خارج اقليم كردستان بعد تحريرها من داعش. وفي الحقيقة فان موقف حكومة اقليم كردستان يعتبر هو الاكثر حساسية بين جميع المواقف في رفض او قبول تواجد تلك القوات. فوجوده كاقليم غير مستقل يفقده الحق في رفض وجود تلك القوات رسميا باعتبارها موجودة وفق اتفاقيات بين الدولتين العراقية والتركية في حقب سابقة، وكذلك فان علاقاتها الجيدة مع تركيا والاسباب التركية المعلنة لا يعطيها مبررا لابداء رفضها، رغم ان الحجم الصغير لتلك القوات لا يعطي ضمانات لموقفها المستقبلي ازاء اي تطور في العراق او كردستان.

وكما قلنا فان الوجود التركي في تلك المناطق لا يمكن فصله عن النظرة التركية لامنها الوطني في تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني في نقاط التماس مع داعش سواء في سنجار او مخمور او مناطق التماس الاخرى، ما يضع حكومة اقليم كوردستان في موقف محرج سياسيا. فالتقارير التي تشير الى وجود دعم عسكري ومالي عراقي لعناصر حزب العمال في تلك المناطق تثير تساؤلات حقيقية لديها ازاء الاسباب الحقيقية وراء ذلك الدعم في امكانية الدفع باتجاه قتال كردي كردي بعد طرد داعش، وهذا ما تتجنبه حكومة الاقليم كون اي قتال من هذا النوع لن يصب الا في صالح اعداء الطموح الكردي من دول الجوار بما فيهم العراق، لذلك نراها تغض الطرف عن وجود هذا الحزب وفي الوقت نفسه تحجم عن ابداء رفضها للتواجد التركي (للاسباب المذكورة سلفا).

عليه فان حزب العمال الكردستاني مطالب بفهم المعادلة الكردية العراقية هذه وان لا يحول نفسه الى ورقة ضغط عراقية على الاقليم. فوجود عناصر حزب العمال الكردستاني في بداية المعركة على داعش كان مطلبا قوميا كرديا مثلما كان وجود بيشمركة اقليم كردستان في كوباني مطلبا قوميا لبته البيشمركة وكللته بالانسحاب منها بعد تنفيذ مهمتها وزوال خطر داعش عن المدينة، ولذلك فعلى حزب العمال الكردستاني الان تحمل مسولياته القومية والانسحاب من اقليم كردستان حفاظا على المصالح القومية للشعب الكردي من جهة وعدم اعطاء الذرائع لتركيا في ترسيخ تواجدها من جهة اخرى، خاصة وانه لا يليق بحزب كردي عريق مثله ان يتحول الى ورقة ضغط بيد حكومة مراهقة سياسيا كالحكومة العراقية، ومبررا جاهزا بيد الحكومة التركية تتخذ من وجود عناصره في كردستان ذريعة لابقاء جيوشها فيها وتطويق اي تطلع قومي يتحرك نحوه الاقليم مسبقا.