فن كتابة الأغنية في 'حتة مني'

أصلي كنت سعات بغير ** وانت قلبك كان كبير

قد يزعم قائل: إن الأغنية شيء سهل في كتابته، وأنها لا تخضع لقواعد محددة. وسأحاول في قراءتي التحليليلة هذه، أن أتناول أغنية المبدعة منال أحمد حسن "حتة مني"، بالنقد والتحليل لنتعرف على مواطن الإبداع فيها، ونتعرف على فن كتابة الأغنية، وعلاقتها بالشعر والزجل وعلاقة ذلك بالعروض.

• المحور الأول : اللغة

لغة النص لغة سهلة بسيطة، واضحة، والفكرة من الأغنية واضحة المعالم، وهكذا يجب أن تكون لغة الأغنية – فيما أظن – بساطة في غير سطحية وفي غير تكلف.

وهي لغة أنثوية .. فيها الكثير من الحنان والتودد للحبيب حتى إنها تقول:

راضيه بيك مهما جرالي

وهي تشعرنا بقدر لا بأس به من الدرامية والحوار أو الحكاية – وإن كان من طرف واحد – الذي يزيد من عمق التجربة، وكأنها تطرح قضية وتناقشها، وتبرر موقفها وموقف الحبيب فانظر إليها تقول:

وأما كنت ساعات بتزعل ** كان يا روحي غصب عني

أصلي كنت سعات بغير ** وانت قلبك كان كبير

كنت تزعل مني لكن ** مش جه يوم وبعدت عني

وإن كنت أستغرب بعض الشئ كلمة "مش جه" فالمعتاد أن تقول: "ما جاش" مثلا ويا ليتها قالت: "عمري يوم ما بعدت عني" أو غير ذلك، لكان أفضل، وهي تقدر أن تأتي بالأجمل ولا شك.

كما أن منال حسن – على ما يبدو – غير مولعة بسرد التفاصيل والجزئيات بكثرة، على عكس شاعرة أخرى وهي "منال شيخ العرب" فهي مولعة بذكر التفاصيل الصغيرة والدقيقة "كالنظارة والبلوفر وكوب الشاي والأسفلت وغير ذلك"، فكلتاهما منال، وكلتاهما مبدعة ذات إحساس خاص، وأسلوب مختلف، وعالم شعري متميز، وهكذا يكون الإبداع تكريسا للحرية والتعددية.

أيا ما كان من أمر فإن شاعرتنا الجميلة "منال حسن" قد أجادت استخدام اللغة بشكل محبب للنفس، وقريب جدا من لغة تعاملنا اليومية.

• المحور الثاني: الصورة الشعرية

بالطبع لا نطلب من كاتب الأغنية أن يمعن في التصوير الشعري، والتوسع في استخدام المجاز والاستعارة وغير ذلك من أبواب البلاغة.

ولكن يجب ألا تخلو الأغنية – باعتبارها شعر - من التصوير على كل حال. وفي النص بعض صور جيدة، وأغلبها على مستوى الكناية. مثلا تقول شاعرتنا:

وانت قلبك كان كبير .... وهي كناية عن التسامح والعفو .. وقد تكون لها دلالة على تعدد تجاربه الغرامية – ولذا فهي تغار عليه، وفي ذلك نوع من التورية.

وتقول:

يوم أحب ويوم أغني .... وذلك كناية عن الرضا والسعادة بالحياة مع الحبيب، في كل الأحوال وعلى مدى الزمان.

ونجد صورة طريفة، فيها حس شعبي وخفة دم وهي قولها:

أنت قلبك كوم حنان ... هذه الصورة أفضل ما في الأغنية من صور، وهي أكثر أصالة كذلك، والأصالة تعني – نقلا عن المعجم الوجيز – الإتيان بفكرة مبتكرة.

• المحور الثالث: الموسيقى

ربما من أهم ما يميز الأغنية هو موسيقاها، المعتمدة على التفاعيل والقوافي المتعددة وفي الأغلب تكون الجمل قصيرة وسريعة، وهذا واضح في نص منال حسن كما في غيره من الأغنيات الجيدة – في عصرها الذهبي - على حد سواء.

والبحر الذي نظمت منه منال أغنيتها هو بحر الرمل، وتفعيلته فاعلاتن، وهي تفعيلة متموّجة وإيقاعها محبب للنفس.

ولكني أشعر – وقد أكون مخطئا – بخروج شاعرتنا عن هذا البحر حين قولها:

وأما كنت ساعات بتزعل ...

وقولها:

واللي شفته من الزمان

• المحور الرابع: شكل أو قالب كتابة الأغنية

مكونات الأغنية بشكل أساسي هي:

المذهب أولا وهو مطلع الأغنية ومضمونها، ويتكون المذهب من عدة أبيات تنتهي جميعا بقافية واحدة، وقد تختلف القافية أحيانا (والمقصود بالقافية حرف الروي) ولا بد أن يتحقق شرط الوزن العروضي، فلا شعر بلا وزن وبلا موسيقى. والشعر هو خلق الجمال الموزون، أليس كذلك؟!

وهذا المطلع هو الفكرة مضغوطة أو هو مقدمة منطقية للموضوع ثم يأتي تفصيل ونموّ الفكرة في المقاطع التالية للمذهب حتى لكأني بالأغنية كائن حي يكمل بعضه بعضا دون تلفيق بل توافق وتكامل. وهكذا يجب أن يكون كل عمل فني جيد.

ثم يأتي ثانيا السينيو وهو يأتي بعد المذهب – وقد يكون هو المذهب نفسه - ويتم تكراره على طول الأغنية، وهو يحمل الصراع والدراما الشعرية ومن ينسى أغنية شادية "التليفون" من كلمات الشاعر عبدالوهاب محمد، والسينيو المتكرر في الأغنية يقول:

إكمنه يا ناس واحشني ** وخصامه كمان حايشني

كلمته سمعت حسه ** وقفلت السكة تاني

وقد يكون السينيو مجرد "آهات" تتردد بين مقاطع الأغنية، وفي الأغنية الناجحة شيء يعلق في وجدان وذاكرة المستمع، ويجعلها خالدة لا تُنسى.

ثم يأتي ثالثا الكوبليه، وهو الذي يحكي نص الأغنية وحالتها النفسية، وهو متعدد وغير متكرر، وبذلك يكون كل كوبليه مختلفا عن بقية الكوبليهات الأخرى في القافية وفي اللمحة التي ينقلها للمستمع.

وحين نرجع إلى أغنيات مؤلفينا الكبار نجد ذلك متحققا، ويمكننا الرجوع أيضا إلى النشيد الوطني المصري، فهو يحقق قالب كتابة الأغنية - المسمى بالقالب المفروق - بكل دقة وأمانة (مذهب ثم سينيو ثم كوبليه ثم السينيو ثم كوبليه مختلف وهكذا وهذا واحد من الأشكال المثالية للأغنية والنشيد، وإن للمبدع أن يغير في ترتيب هذه العناصر بحسب قدرته الإبداعية، على أن يحتفظ بمدخل الأغنية وخرجتها كما هي بلا تغيير).

والسؤال الآن. إلى أي مدى حققت منال حسن هذا النسق؟ أم أنها حادت عنه؟

وهل يشترط أن نلتزم بالشكل أو بالقالب المرسوم وكأنه قدر لا فرار منه؟

أقول: من حق المبدع أن يرسم ما يشاء، طالما أنه حافظ على قدر كبير من القواعد – لا سيما الوزن – والأجمل والأكثر إبداعا على الدوام أن تبدع دون أن تشعرنا أن هناك قيدا عليك.

أبدع وأنت تسير على القواعد التي رسمها الأسلاف العباقرة وتلقتها الأجيال بالقبول، فذلك أفضل وأكثر جمالا!

أخيرا أقول قولة أستاذنا محجوب موسى:

معماريات الأغنية لا تنحصر بحال، وهي متجددة باستمرار وفي مُكنة المؤلف الواعي الصناع أن يتفنن كيف يريد فالتأليف الغنائي هو تعبير فني منظوم يجمع الأفكار والمعاني في نسق موسيقي خاص عبر صور وأخيلة يلتحم فيها الشكل بالمضمون دون إخلال بأي من هذه العناصر بل ينبغي صهرها لتصبح سبيكة لا يعلو فيها عنصر على عنصر ... وأين هذا من جل أغانينا؟!