التطرف.. في مواجهة التنوير

تجاوز التطرف إلى الإرهاب

من سوء حظ التنوير لدينا أن فترة ازدهاره كانت هي - في الوقت نفسه - فترة ازدهار المد القومي - بتنويعاته الحزبية - وهو الذي كان لا يخفي عداءه للدولة القُطْرية التي كان يراها عقبة في طريق تحقيق الوحدة القومية الكاملة

عندما أذكر مصطلح (التطرف) فإني لا أقصد به المنتمين إلى التيارات الإرهابية، ذات الطابع العسكري، كما لا أقصد به المنظرين لهؤلاء، أو المبررين لأفعالهم سرا وعلانية، فهؤلاء تجاوزوا مرحلة التطرف إلى مرحلة الإرهاب، والحرب المعلنة، وإنما أقصد : المتشدد الديني، الذي يمارس سياسة الرفض لكل ما لم يعتد عليه من أفكار وسلوكيات، ويتعمد اختيار الرؤية الدينية المتشددة؛ محاولا قسر المجتمع عليها .

تنامي التطرف

هذا المتطرف المأزوم، وإن كانت له جذوره التاريخية، إلا أنه ظاهرة تنامى حضورها في الثلاثين سنة الماضية . بعض المفكرين العرب أرجع هذا التنامي إلى سلسلة الهزائم العربية . لكن، هذا وإن كان أحد الأسباب المؤثرة، إلا أنه ليس السبب الأقوى، ولا الأشد تأثيرا؛ لأن التطرف نشأ؛ كحالة داخلية في بعض البلدان الإسلامية غير العربية . تلك البلدان التي لم تذق مرارة الهزائم العربية القومية، بل كانت في قمة انتصارها (استقلالها) .

التطرف كان في كثير من ملامحه رد فعل على الفعل التنويري، أو ما يسميه الآخرون (أعداؤه) بالتغريبي . التنوير العربي كان في حالة صعود منذ بدايات القرن العشرين، وكان قد حقق بعض المكتسبات في مساحات الوعي العربي . لكن، كانت عقدة التخلف التي أحست بها الذوات المتنرجسة؛ دعتها إلى رفع راية الأصالة والخصوصية . النكوص إلى الوراء؛ بعد فترة غير قصيرة من محاولة استنبات التنوير، يظهر - كمؤشر عام - في مشوار سيد قطب . فبعد ممارسة النقد والانفتاح الثقافي، عاد يسم هذه المرحلة من حياته ب (الجاهلية) .

لا نريد أن نستطرد في ذكر الحالة العربية في عمومها، وإنما نريد مقاربة الشأن المحلي، في علاقة متطرفيه بالتنوير . فالتنوير المحلي بقدر ما يشترك مع التنوير العربي في السياق العام، إلا أن بعض ملامحه ذات ارتهان خاص بالواقع والوقائع المحلية . ولعل المفارقة في التوقيت من أبرز المفارقات . فالتنوير في صورته الأشد ظهورا - كما وكيفا - كان في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين عندنا، بينما هو في مصر - مثلا - كان في النصف الأول من القرن العشرين .

ومن سوء حظ التنوير لدينا أن فترة ازدهاره كانت هي - في الوقت نفسه - فترة ازدهار المد القومي - بتنويعاته الحزبية - وهو الذي كان لا يخفي عداءه للدولة القُطْرية التي كان يراها عقبة في طريق تحقيق الوحدة القومية الكاملة . ولهذا، كانت حركة التنوير - في بعدها الفكري - متهمة في ولاءاتها الوطنية، حتى وإن كانت مفردات التنوير - في أبعادها التنموية - محل احتفاء من قبل الجميع . وهذا ما جعل السلفيات التقليدية تأخذ واجهة التعبير عن الهوية، بوصفها الأقدر على مجابهة المدى القومي ذي الواجهة التنويرية .

لهذا لم يكن المجال للتنوير - في بعده الثقافي - مفتوحا، بالقدر الذي يكفي لصناعة وعي حديث، يستطيع أن يعمل بالتوازي مع الحركة التنموية في بعدها المادي، شبه المادي . وساعد على الزهد في التنوير ما أتت به الطفرة المادية من قدرة كبيرة على تحقيق منجزات تنموية لا يستهان بها . وهذا المنجز المادي؛ أوهم الوعي العام أن لا حاجة إلى التنوير، وأن الانبعاث الحضاري يتحقق، رغم التمسك بالوعي التقليدي . وحسب هذا الوهم؛ فلا مبرر للمغامرة بتبني المشروع التنويري في أبعاده الثقافية .

السلفيات جرتنا للمعركة

هذا الوهم، استيقظنا منه بعد أن رأينا كيف نصطدم بالواقع كل مرة، كيف نؤجل كثيرا من الخطوات إلى أجل غير مسمى، يقتنع سدنة التقليد به . وكانت قمة اصطدامنا بالواقع ما حدث في سبتمبر وما بعده، حينما أدركنا أن السلفيات لا بد أن تدخل في معركة مع العالم، وأنها لا تكتفي بذلك، بل تريد أن تجرنا إلى هذه المعركة طوعا أو كرها . لقد أرادت أن تمارس من خلالنا وبنا غزو العالم، وإقامة خلافتها المزعومة على أنقاضنا .

في الثمانينيات الميلادية رأينا كيف وقف المد الأصولي الكاسح ضد التنوير الثقافي المتمثل آنذاك بتيار الحداثة، ورأينا كيف حاول أن يهيمن على تفاصيل الحياة الاجتماعية إلى درجة التطرف . وكان الهجوم المتطرف موجها في هذه الفترة إلى الأشخاص أكثر مما هو موجه إلى الوقائع والأحداث .

وبما أننا منذ سنوات معدودة نمر بفترة انفتاح نسبي، تسمح لأضواء التنوير بالمرور الحذر؛ فقد عاد التطرف لميدان المواجهة من جديد . إحساس التيار المتطرف بأن مساحة نفوذه الاجتماعي بدأت تتقلص؛ جعله يعود إلى أساليبه التقليدية في المواجهة . وإذا كان المجتمع موضع الفعل المتطرف قد اكتسب وعيا يختلف عن وعي الثمانينيات الميلادية، فإن هذا الوعي (النسبي) لا يعصم شرائح كثيرة من الانقياد إلى مقولاته؛ لأن هناك تاريخا من الألفة بين هؤلاء وبين مفردات الخطاب المتطرف الذي يمارس وصايته عليهم .

في مثل هذه الحال، يجد الفاعل التنويري نفسه في مواجهة علنية مع هذا الخطاب المتطرف الذي يمارسه سدنة التقليد . وهؤلاء إما مجموعة من الجهال الذين تمت تغذيتهم بمفردات التطرف وأدبياته الحادة، بحيث أصبحوا مسيرين بفعل التراث الذي يستبطنونه، ويعتقدون - صادقين - أن هذا هو الحق، ولا حق غيره، وإما مجموعة من النفعيين ذوي الأهداف الخاصة، وهم يوظفون هذا التناحر الفكري في تحقيق مكتسبات خاصة، مادية أو معنوية . المجموعة الأولى يساقون إلى المعركة ضد أنفسهم (الإنسان فيهم) دون أن يشعروا . أما المجموعة الثانية فهي التي تجني الغنائم، وتحقق مطامعها في الزعامة والنفوذ الاجتماعي .

الفاعل التنويري عندما لا يدرك طبيعة هذا الخطاب المتطرف؛ فإنه قد يقع فريسة لممارياته التي تتلون وفقا لمقتضى الحال . كثير من المثقفين يتعاملون مع التيار المتطرف - في منحاه الفكري - بكثير من حسن الظن، ويتوقع - خاصة في بداية المواجهة - أن هذا التيار يريد أن يقيم حوارا جادا معه . وهذا ما يدعوه إلى التوقف مع كل هاتف بلسان التقليدية؛ لإيضاح رؤاه، بينما هو محكوم عليه سلفا بالضلال، والمطلوب منه : التراجع عن رؤيته التنويرية بكل تفاصيلها .

ولعل من أشد الأساليب الماكرة فتكا في الفاعل التنويري الذي يدخل في حوار مع هؤلاء بحسن نية تصل درجة السذاجة أحيانا، ما يسمونه ب (المناصحة) وهي من جمل مفردات الاحتساب عندهم . والذي يدعو إلى الانخداع بهذا الأسلوب،؛ أنه يظهر - كما توحي بذلك دلالته اللغوية - بمظهر التسامح، بل بمظهر الشفقة والعطف والاهتمام .

الإشكالية التي يجب التنبه لها، أن الفاعل التنويري، عندما يواجهه هؤلاء بما يسمونه (المناصحة)، يقع في الفخ، دون أن يشعر . الفخ الخطير هنا هو الاستكانة التي قد يبديها لهم، لمجرد أن الذي أمامه يتحدث بلسان الدين، فيتنازل مباشرة عن تدينه الخاص لتدين هذا الناصح، ويشعر أنه أقل منه تدينا، لمجرد أن هذا الناصح بدأ يمارس عليه الوعظ باستعلاء .

فخ المناصح الديني

وقوع الفاعل التنويري في هذا الفخ يعارض مبدأ تنويريا أساسيا، وهو أن لا أحد يمتلك الحقيقة، ولا يملك حق الوصاية باسمها . وعندما يركن (المناصح !) إلى مفردات الديني، فيجب على الفاعل التنويري أن يواجهه بأنه أحوج منه إلى كل ما يقول . هناك جمل مثل (اتق الله) أو (هداك الله) وسواها من الجمل التي لها اعتبارها الشرعي، لكن من يطلقها، يريد أن يقول - تلميحا: إنه مهدي، وإنه أشد تقوى وورعا، وأنك أيها المخاطب (بفتح الطاء) لم تتق الله، ولم تنج من الضلالة بعد .

الهداية بمفهومها الديني يريد الفاعل المتطرف أن يحتكرها لنفسه، وأن يمارس وصايته من خلالها . لكنه لا يعمد - في الغالب - إلى المناقشة الفكرية التي تتصل بالقضية موضوع الخلاف . أحيانا يبدأ بالحوار الفكري، لكنه عندما يدرك تهافت خطابه، يبدأ بالانتقال من الحوار إلى الوعظ . وحتى عندما يمارس شيئا من الحوار فإنه يريد أن يحاججك إلى التراث العقائدي الغالي، الخاص به، لا لشيء، إلا لأنه يرى أن منطلقه العقائدي (المراد : التراث العقائدي، وليس الأصول الإيمانية) هو الذي يجب على الجميع تمثله، وجوبا لا اختيارا .

هناك أسلوب آخر، ظهر حديثا في مواجهة التنوير، وهو أسلوب التعريض دون التصريح، أو التصريح بالتهم والتعريض بالأشخاص . وهناك سببان لبروز هذا المنحى عند التيار المتطرف :

الأول : الانضباط القانوني الذي بدأ يحاسب على التهم ذات البعد التكفيري، عندما تنال ذواتا معينة، وفتح المجال للمتضرر؛ كي يطالب بحقه الخاص، خاصة عندما تطال التهم معتقده الإيماني، أو عندما تكون درجة السباب تطال حقه الأدبي المكفول بقوة القانون .

الثاني : أن معظم الناطقين بلسان التيار المتطرف لديهم أطروحات في مجال تخصصهم، وبعضهم قد حاز بموجبها شهادات عالية . وهم يدركون قبل غيرهم هزالهم المعرفي، ويتوقعون أنهم في حال مواجهتهم الأسماء التنويرية - بأشخاصها - أن يقوم هؤلاء بفضحهم، وببيان الخواء المعرفي الذي ينطوون عليه، خاصة عندما تتم تعرية رسائلهم (المسماة : علمية) وبيان تهافتها .

لهذا تجد الكثير من الناطقين بلسان التيار المتطرف يلقون التهم الكبيرة، دون تحديد الأسماء، خوفا من أن تطالهم يد القانون من جهة، وأن يعمد المتضرر إلى فضح خوائهم المعرفي من جهة أخرى . وهم يمارسون هذا الأسلوب ليس في مواجهة التنوير فحسب، بل في مواجهة كل ما سوى المنظومة المتطرفة التي ينتمون إليها .

محمد علي محمود

كاتب سعودي