الأسد يخيّر المعارضة في حلب بين الاستسلام أو الموت

دمشق تريد مغادرة نهائية للمقاتلين المعارضين في حلب

دمشق/واشنطن - أعلن الرئيس السوري بشار الأسد أن قواته ستواصل محاربة "المسلحين" في حلب حتى يغادروا المدينة، إلا إذا وافقوا على الخروج بموجب اتفاق مصالحة، وفق مقابلة تلفزيونية مع قناة دنماركية نشرت نصها وكالة الأنباء السورية الرسمية الخميس.

وقال الأسد إن هدف القوات السورية والروسية في المرحلة المقبلة "الاستمرار في محاربة المسلحين حتى يغادروا حلب"، مضيفا "ينبغي أن يفعلوا ذلك، ليس هناك خيار آخر، لن نقبل بأن يسيطر الإرهابيون على أي جزء من سوريا".

لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أنه "إذا كان هناك أي خيار آخر مثل المصالحات التي تمت في مناطق أخرى فإن ذلك هو الخيار الأمثل وليس الحرب".

وتحاصر قوات النظام السوري منذ نحو شهرين الأحياء الشرقية في مدينة حلب، حيث يعاني أكثر من 250 ألف شخص جراء النقص الفادح في المواد الغذائية والأدوية.

وتأتي مواقف الأسد غداة دعوة الجيش مقاتلي الفصائل في الأحياء الشرقية إلى "عدم انتظار المساعدة من أحد، فجميع خطوط الإمداد أصبحت مقطوعة ولا مجال أمامهم إلا إلقاء السلاح"، محذرا من "أن كل من لا يستفيد من الفرصة المتاحة لإلقاء السلاح أو المغادرة سيلقى مصيره المحتوم".

وغالبا ما يستخدم النظام السوري سياسة الحصار لتجويع المناطق الخارجة عن سيطرته واخضاعها بهدف دفع مقاتليها إلى تسليم سلاحهم ومغادرة هذه المناطق بموجب اتفاقات مصالحة.

وحقق الجيش السوري تقدما ميدانيا الخميس داخل مدينة حلب، حيث يخوض معارك عنيفة ضد الفصائل في حي بستان الباشا الذي تمكن من السيطرة على نصف مساحته.

وبدأ الجيش السوري قبل أسبوعين هجوما للسيطرة على الأحياء الشرقية في حلب، إثر انهيار هدنة في 19 سبتمبر/ايلول كان تم التوصل اليها بموجب اتفاق أميركي روسي وصمدت أسبوعا.

وترافق الهجوم مع غارات روسية كثيفة وأخرى سورية أوقعت 270 قتيلا على الأقل بينهم 53 طفلا، وفق حصيلة للمرصد السوري لحقوق الانسان.

كما تسببت بدمار هائل في الأبنية والمستشفيات، ما استدعى تنديدا من حكومات ومنظمات دولية تحدثت عن "جريمة حرب" ترتكب في حلب.

ونفى الأسد تعمد قواته استهداف المستشفيات في شرق حلب. وقال "كحكومة ليست لدينا سياسة لتدمير المستشفيات أو المدارس أو أي منشأة أخرى"، مضيفا "هذا شيء لا نقوم به لأنه يتعارض مع مصالحنا فنكون كمن يطلق النار على نفسه".

وأوضح أنه "كان هناك مثل هذا الهجوم من قبل الجيش فيمكن أن يحدث من قبيل الخطأ"، متابعا "لكن ليس لدينا أي معلومات بأن ذلك قد حدث".

وعما اذا كان يعتبر أن من يستهدف المستشفيات يرتكب "جرائم حرب"، أجاب "بالطبع إنه كذلك طبقا للقانون الدولي، للمستشفيات حصانة".

وتشهد سوريا منذ مارس/اذار 2011، نزاعا داميا تسبب بمقتل أكثر من 300 ألف شخص ودمار هائل في البنى التحتية ونزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

دي ميستورا يحذّر

وحذر الوسيط الأممي ستافان دي ميستورا الخميس من أن الأحياء الشرقية التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في مدينة حلب قد يلحقها دمار تام بنهاية السنة اذا ما استمر الهجوم العنيف الذي تنفذه القوات السورية بدعم من روسيا.

وقال دي ميستورا في جنيف "خلال شهرين أو شهرين ونصف كحد أقصى قد يلحق الدمار التام بالأحياء الشرقية لحلب".

وتتعرض الأحياء الشرقية في حلب منذ أكثر من أسبوعين لقصف عنيف استهدف كذلك المستشفيات.

وقال المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا أيضا، ان وجود مقاتلين من جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا قبل اعلان فك ارتباطها بتنظيم القاعدة) في المدينة يشكل مبررا لموسكو ودمشق لمواصلة الهجوم على حلب.

وتابع متوجها الى هؤلاء المقاتلين، "اذا قررتم الخروج بكرامة ومع أسلحتكم فإنني مستعد شخصيا لمرافقتكم".

وتقدر الأمم المتحدة عدد المدنيين الخاضعين للحصار من قوات النظام في شرق حلب حيث يتعذر ايصال المساعدات بنحو 275 ألف شخص.

وأعلن الجيش السوري في 22 سبتمبر/ايلول بدء هجوم هدفه السيطرة على شرق المدينة ترافق مع غارات روسية وسورية عنيفة أوقعت 270 قتيلا بينهم 53 طفلا، وفق حصيلة أوردها الاربعاء المرصد السوري لحقوق الانسان.

وتخوض القوات السورية منذ أسبوع معارك عنيفة ضد الفصائل المعارضة، على ثلاثة محاور في شمال ووسط المدينة وجنوبها وتمكنت من تحقيق تقدم على اطراف الأحياء الشرقية.

عقوبات جديدة على سوريا وروسيا

ومع تعثر الجهود الدبلوماسية لإيجاد تسوية للنزاع في سوريا والحصار المفروض على الأحياء الشرقية من مدينة حلب، يدرس الرئيس الأميركي باراك أوباما عقوبات جديدة على سوريا يمكن أن تكون لها وطأة شديدة على النظام وتستهدف أيضا روسيا الداعمة للرئيس بشار الأسد.

وقال مسؤولون ودبلوماسيون إن البحث جار في هذه الاستراتيجية، مشيرين إلى أن الجهود الأولية قد تركز على فرض عقوبات في الأمم المتحدة على الجهات الضالعة في هجمات بواسطة أسلحة كيميائية.

ومن المتوقع أن تصدر لجنة تحقيق مدعومة من الأمم المتحدة خلال الأسابيع الأربعة المقبلة تقريرا جديدا حول هجومين بالأسلحة الكيميائية وقعا في سوريا في 2014 و2015.

وسبق أن حمّلت اللجنة التي شكلتها الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، القوات الجوية السورية مسؤولية هجومين كيميائيين بغاز الكلور على بلدتين في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا، هما تلمنس في 21 ابريل/نيسان 2014 وسرمين في 16 مارس/اذار 2015.

غير أن التقرير الجديد المرتقب صدوره قبل 27 أكتوبر/تشرين الأول سيتضمن المزيد من التفاصيل حول الجهات المسؤولة، ما يمهد لفرض عقوبات محددة الأهداف.

ويقول مؤيدو العقوبات إن فرضها سيوجه إشارة مفادها أن هناك هامشا ضئيلا للمحاسبة في سوريا لا زال قائما على الرغم من النزاع المستمر منذ سنوات ووقوع الكثير من الفظاعات وسقوط أكثر من 300 ألف قتيل.

وفي حين أن معظم المقربين من بشار الأسد وكبار مساعديه العسكريين يخضعون حاليا لعقوبات تتضمن منع السفر إلى الولايات المتحدة وتجميد أموالهم، رأى مسؤولون أن استهداف ضباط من مراتب أدنى قد ينعكس على معنويات القوات العسكرية السورية، غير أن التأثير الأكبر قد يكون على الصعيد الدبلوماسي.

فأي مشروع لفرض عقوبات سيضع روسيا في موقع غير مريح ستظهر فيه على أنها تدافع عن استخدام حليفها أسلحة كيميائية، وقد يرغمها على استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي.

وكان من المقرر أن يصدر التقرير في وقت سابق، لكن تم تأجيله لإتاحة فرصة من أجل أن تتوصل الجهود الأميركية والروسية إلى وقف اطلاق نار في سوريا.

ومع وصول هذه المساعي إلى طريق مسدود، اشتدت الضغوط على أوباما للتحرك من أجل وقف المجازر في سوريا.

وقال دبلوماسي في مجلس الأمن "ما نقوم به هو دبلوماسية من نوع آخر، دبلوماسية قد تكون أشد وطأة يمكن أن تتخذ شكل قرارات مصممة لممارسة الضغط".

وأوضح أن "الاستراتيجية التي نعمل عليها تقضي بمحاولة تغيير السلوك الروسي. بصراحة لم ننجح كثيرا على هذا الصعيد هذه السنة، وهم قدموا دعما عسكريا للأسد".

تشديد الضغوط

في حال فشل المساعي في الأمم المتحدة، يرجح التوجه الى اعتماد عقوبات تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفاء آخرون.

وأفاد المسؤولون أن نطاق العقوبات قد يكون واسعا ولا يقتصر على سوريين فقط بل يشمل أيضا شركات روسية توفر الامكانات لضرب مناطق مدنية.

والهدف من ذلك توجيه رسالة قوية إلى موسكو بأنها ليست بمنأى عن العقوبات وأن استمرارها في دعم النظام السوري يحتم عليها دفع ثمن.

وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ايرنست "لا استبعد جهودا متعددة الأطراف خارج إطار الامم المتحدة لفرض أثمان على سوريا أو روسيا أو غيرهما فيما يتعلق بالوضع داخل سوريا".

واضاف "لا استبعد ذلك من حيث الخيارات التي يمكن أن يدرسها الرئيس (أوباما)".

ومن المرجح ان تستهدف العقوبات شركات محددة مثل شركات قطع الغيار للطائرات أو شركات انتاج المواد الكيميائية، بهدف الالتفاف على معارضة العواصم الأوروبية لفرض عقوبات واسعة النطاق على روسيا التي تعتبر شريكا تجاريا أساسيا لها.

غير أن غارات الطيران الروسي والسوري على الأحياء الشرقية من مدينة حلب والأزمة الانسانية ذات الأبعاد التاريخية في هذه المدينة، مهدا لاتخاذ خطوات أكثر شدة.

في الاطار نفسه، تبنت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل خطابا أكثر تشددا أخيرا على خلفية المجازر في حلب وأبعاد أزمة اللاجئين التي هزت أوروبا.

وبعد مكالمة هاتفية مع اوباما الاسبوع الماضي، ندد الزعيمان بـ"بأشد العبارات بالغارات الجوية الوحشية لروسيا والنظام السوري على شرق حلب"، وحملا موسكو ودمشق "مسؤولية خاصة في وضع حد للمعارك".

لكن يستبعد أن تؤدي أي من العقوبات قيد الدرس حاليا إلى انهاء القتال بصورة مباشرة في حلب.

واستبعد مسؤولون احتمال أن يخرج أوباما عن خطه المعارض للقيام بتحرك عسكري ضد النظام السوري، وأن يأمر بشن ضربات جوية أو بواسطة صواريخ كروز على أهداف تابعة للقوات السورية.

وقال المتحدث باسم البيت الابيض جوش ايرنست "ثمة عواقب جسيمة تترتب على استخدام القوة العسكرية الأميركية ضد نظام الأسد"، مضيفا أن "أبرز هذه العواقب التي يجدر أن نتنبه لها هي انجرار الولايات المتحدة الى حرب برية جديدة في الشرق الأوسط".

وأرسل أوباما حوالى 300 عسكري إلى سوريا وركز على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في البلد كما في العراق ومناطق أخرى، غير أنه رفض التدخل في نزاع لا يعتبر أنه يهدد المصالح الأميركية الاستراتيجية.

الا أن القصف المركز على ثاني المدن السورية شكل تحديا لتمنع أوباما عن استخدام القوة، كاشفا عن قلق داخل إدارته إزاء هذا الأمر.