الحريق .. وأد بنات الأفكار

جريمة

انفصام الرؤية الفردية عن الرؤية الجماعية يهدم التواصل بين المبدع والمتلقي. لقد ظهرت هذه القصة لأول مرة عند ابي الفرج، وهو مؤرخ عربي مسلم في القرن الثالث عشر. وخلاصته ان كاهنا مسحيا اسمه يوحنا النحوي تقرب من الفاتح العربي عمرو بن العاص، وطلب منه كتب الحكمة الموجودة في خزائن الامبراطورية على أساس أن هذه الكتب سوف تكون قليلة الفائدة بالنسبة للعرب، فكتب عمرو بن العاص يطلب رأي الخليفة عمر بن الخطاب الذي أجابه قائلا فيما يختص بالكتب التي ذكرتها، فإذا كان ما هو مكتوب فيها يتفق وكتاب الله فلا حاجة لنا بها. واذا كان يختلف مع كتاب الله فإنها مرفوضة وعليك بحرقها.

لقد أخبرنا التاريخ أن هنالك أدباء صمتوا، وفئة مزقت ما كتبت وأخرى أحرقت ما سطرت، وتالية أتت بحبل وحزمت كل مخطوطاته في حزمة واحدة، ودفعت بالحزمة تحت السرير. قالوا إذا أردت إذلال كاتب جرّده من قلمه أو احرق كل ما كتب انت حينذاك تكون ألقمته حجر.

• هزيمة الذات الفردية

فهد العسكر الشاعر الكويتي أحرق كل ما كان تحت يديه من قصائد تحت وطأة اليأس ومرارة التجاهل في محاولة للانتحار لذاته الشعرية. وقد انتهى به الأمر بائسا حزينا يرسل أناته المحتضرة نحو السماء من غرفة متواضعة، بعد ان تنكر له الأهل ونبذه مجتمعه لأنه دعى الى محاربة العادات والتقاليد، ودعا الى تعليم المرأة مما أوغر صدر أسرته ومجتمعه عليه، فلم يجد سوى الشكوى من هؤلاء الذين لا يفهمون ما يريد، ويتضاعف ألم الشاعر بتسلل مرض التدرن الرئوى الى صدره بالإضافة الى فقدانه بصره وأطلق زفرته الاخيرة في الخامس عشر من أغسطس من العام 1951.

• مائتان وخمسون

الفيلسوف برتولد بريخيت قضى شطرا من حياته منفيا عن وطنه، وبعد أشهر قليلة من تولي هتلر الحكم في ألمانيا أحرق عددا كبيرا من الكتب للادباء المان، وقد اعتبرت النازية هذه الكتب ضارة بالشعب الالماني وشنت حملة هوجاء على كل من يشك في ولائه للحكم الجديد الأمر الذي دفع أحد مؤرخي الادب الالماني ليكتب بعد سنوات مائتان وخمسون كاتبا من جيل واحد جنحوا الى الصمت أو تركوا وطنهم، وهو أمر لم يكن يشهده التاريخ من قبل.

• الحريق انتقاما

الشاعر الرائي ارثر رامبو أحرقت ماتليد زوجة فيرلين الشاعر الملقب بخنزير الأردن مخطوطة كتبه رامبو تحمل اسم "صيد روحي" انتقاما من علاقته المثلية مع زوجه.

لقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في أوقات كثيرة الى أكل الخضرة في الصحراء والى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة والى بيع الدين والمروة والى تعاطى الرياء بالسمعة والنفاق والى ما لا يحسن بالحر ان يرسم بالقلم ويطرح في قلب صاحبه الالم.

تلك الرسالة من ابوحيان التوحيدى الى ابوالوفاء المهندس. أحرق ابوحيان كتبه، ثم قال كيف اتركها لاناس جاورتهم عشرين سنة فما صح من أحدهم وداد ولا ظهر منهم حفاظ. ثم قال إن أغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه.

ما الذى يدفع بمبدع الى وأد بنات أفكاره بعد مخاض الولادة، أهو دافع سياسي ام اجتماعي ام ديني، كما حدث مع الفيلسوف ابن رشد الذي اصطدم بوجهة نظر بعض رجال الدين في بعض المسائل فنشأ عداء بينه وبينهم أدى الى ضطهاده في أوخر أيام حياته. استدعاه المنصور سلطان مراكش لتنظيم محاكمه وقوانينه القضائية، إلا ان المنصور سرعان ما صب جام غضبه عليه لانه اعتبر أفكاره داعية للإلحاد والكفر فطرده من منصبه، وصادر كتبه الخاصة وعندما اتهم بالزندقة أحرق معظم كتبه فلم يبق منه إلا القليل.

اما ابن حزم الفيلسوف الفقيه فقد ضاق علماء عصره بحكمته وصراحته وإخلاصه، فشهروا عليه الحرب، فحرق كتبه ولم يبق منه الا القليل، وكذلك أحرقت الشاعرة عائشة التيمورية قصائده حزنا على وفاة ابنته.

وأغرب الحرئق ما فعله ورثة الشاعر السكندري خليل شيبوب، إذ أنهم بعد فشلهم في إقناع المسؤلين بأخذ المكتبة وضمها الى المكتبات العامة قاموا بحرقها، أهو زهد في معرفة قيمته أم انه كانت في أيد لا تقدر العلم والأدب؟

أسئلة كثيرة تزاحمت في رأسى وأنا اتتبع تلك الحرائق سألت نفسي هل سأتجرأ في يوم ما على حرق بنات أفكاري؟

فلنترك إجابتي جانبا ونبحث عن تلك الأسباب التي أدت الى هذه الحرائق. في ذلك يحدثنا الناقد مصطفى الصاوي قائلا:

على مر العصور يقوم أدباء بحرق منتوجهم الابداعي، السؤال الذى يطرح على الذهن ما سبب هذا هل هو عدم اقتناع بالأعمال لكن هذا لا يودى إلى حرقها ولكن إلى إعمال الفكر لكتابتها بصورة رائعة.

هل مسألة تلقي الكاتب أعماله الابداعية وليس هنالك أي متابعة أو قراءة لأعماله، أم ان الامر مرتبط بظروف أخرى لا ندرك أبعادها. لقد أحرق لوركا بعض أعماله، بل ان بعض الكتّاب وضع حدا لحياتهم كما فعلت فرجنيا وولف، ارنست هيمنجواي، خليل حاوي، ابوذكري، وشيبون.

والجامع بين كل هذه الفئات تتعاطى بدرجات مختلفة المسألة الادبية والابداعية، هل يجيب عن هذا السؤال علماء النفس أم الاثنوغرافيا؟ الذي يحير أن الكتابة نوع من الإحياء والحريق إجابته كما ذكرتِ. إذن ليس هناك إجابات جاهزة ولكن الظاهرة في حد ذاتها تبحث عن اجابة لان في نهاية الامر سلوك فردي يخص كل كاتب وسياقها الاجتماعي والابداعي هل يمكن القول إن هذا فعل ثقافي مضاد لما يومن به الكاتب.

• الاثم الخاص

حول سؤالنا للشاعر ابوعاقلة ادريس عن ماهية فعل الحريق في الحقل الادبي، وعن دلالة الفعل، أجابنا قائلا:

يعتبر بريق حرق الكتب قرارا بينيا لقيمة ما تحتويه إعدام بعض آثار المبدعين ضربين إعدام حقيقي ومعنوي ولعل مردود ذلك التطهير والتخلص من الإثم وعند البعض أبنية بحالة جذب سماوي او الخبل والجنون، وعند البعض الآخر ممارسة لطرق ابداعي.

بعض الفنانين التشكليين حرقوا لوحات مراسمهم، للفنان إبراهيم حديث ذو شجون عن تراجيديا محارق أولئك التشكليين.

عدد من الشعراء أعادوا كتابة نصوصهم، كان ذلك في اويروز بمسودة قصيدة الارض اليباب وأشار الى ذلك الدكتور محمد عبدالحى في رسالة له لصديقه خالد المبارك في الأربعاء الخامس من يوليو/تموز من العام 1972 عن قصيدة "العودة الى سنار" أو ما أسماها عبدالحي الاثم الخاص. أعاد كتابتها حيث قال لسبب ما فعل ايروز مسودات الارض اليباب ربما اراد ان يتخلص من وزر ما. وفعل ذلك تخلصا من اثمي الخاص لقد أصبحت القصيدة مركزا جاذبا للغواية الشعرية، اذا لم أتخلص منه تماما ستظل تتجتذبني، وذلك مضر لقد أضر بازر باون في أناشيدها فقد أصبحت ديناصورا شعريا يصعب التحكم فيه لا يشبع أبدا مهما ألقمته من كلمات وكلمات. وذكر عبدالحي في تلك الرسالة الأدبية أنه أعاد كتابة "العودة الى سنار" مرة أخرى في يور كثير واستنافور.

إدريس جماع في مقدمة ديوانه "لحظات باقية" ذكر أن بعض نظمه من محاولات الحداثة كانت تجد اختراما، ولكنه يراه دون ما يريد لم يثبته في مجموعته الشعرية ولم يمنعه النسبة الى شعره.

الإهمال يكاد يقارب الإعدام المعنوي للآثار الأدبية، وقد اعتذر عضو مجلس الشيوخ 1954 وعضو مجلس السيادة عند الاستقلال الشاعر أحمد محمد صالح إلى قارئي ديوانه "مع الأحرار" مقدما إفادته عن تجاربه الشعرية، قائلا كنت القيها لتذهب مع الريح أو يستعيرها بعض الأصدقاء فلا يردونها، وكنت انشر بعضها في الجرائد السيارة وأهملها.

بعض المبدعين يعدم بعض الآثار الفنية لأنه دون المستوى، فمنه ما كتبه السياب كقصيدة "الرابع عشر من رمضان" وهو في مستشفى سانت مارى بلندن، وذلك اثر سماعه لنبا الثورة وقد أشار إليه صديقه مويد العبدالواحد في إهمال القصيدة لأنه دون مستوى شعره لكن مع ذلك رأت القصيدة النور.

• كلمة لا تموت

الشاعر ابو عاقلة ادريس يقول: حرق صديقي شيبة الحمد خير السيد يوما ما أضمر النار في احدى مجموعاته الشعرية شاعر مغمور ولكن صوته شاهق احترقت نسخة ديوانه الى الابد ولكنى مازالت أحفظ بعض كلماته، فالكلمة الحية لاتموت.

قد أرى نفسي في نفسي وهذا غير ميسور لغيري عندما ينسون في غير غروري

كاختصار ساتر ها هي النار التي تقدح مجدي تتمطى هيت لك هيت لك

إننى اثرى لهم ليست ردا أيها العابد عجل السامر

• مكتبتي مكتبتي

يحكى ان مارك انطنيو أهدى كليوباترا التي كانت مولعة بالثقافة، وتجيد عشر لغات مكتبة تضم مائتي ألف كتاب اعتزرا عن جريمة غريمه في الحرب يوليوس قيصر الذي أحرق مكتبة الاسكندرية عندما احرق أسطول خصمه في الميناء الشرقى عام 48 ق. م. وآنذاك كانت الحرب قائمة بين كيلوباترا وأخيها بطليموس الثالث عشر، وانحاز قيصر لكيلوباترا، وبينما كان قيصر في الاسكندرية وجد أسطولا خصمه يتحصن بخمسين سفينة حربية قبالة الشاطئ، وتلك السفن حاصرته بل وقطعت خطوط دعمه عبر البحر وجراء اضرم النار في سفن ذلك الاسطول رجحت النيران جانب قيصر لأن الحريق لم يكتف بالسفن بل امتد نحو الشاطيء وطالت ألسنة اللهب وجه الإسكندرية، فقضت على أهم ملامحها .. مكتبة الاسكندرية العتيقة. وقيل إن كيلوباترا كانت تراقب من شرفتها مشهد الحريق وهي تصرخ مكتبتي مكتبتي.

لعل هذا ينفى ادعاءات مؤرخي الغرب الذين قالوا إن المكتبة دمرها الفتح العربي الإسلامي لمصر، فالمكتبة دمرت قبل دخول عمرو بن العاص الى مصر باكثر من مائتين وثلاثين عاما.