'الكتابة بالممحاة' توقعيات شعرية تونسية

في ليلة عند السحر الشمس زفت للقمر

"الكتابة بالممحاة" هي "توقيعات شعرية" للشاعر التونسي أحمد الشايب جاءت في 63 صفحة وصدرت في طبعة أنيقة عام 2015، وقام بتقديمها عبر "قراءات برقية في المجموعة" كل من الناقد ماجد السامرائي والناقد محمد عيسى المؤدب والشاعر سوف عبيد والكاتبة سعاد بوصرصار الفقي.

ينطوي الكتاب على خمسين قصيد ومضة وسمت بالتوقيعات وعلى قراءات برقية، مما يجعل من الكثافة الشعرية منتشرة بكثافة، متوزعة عبر أشكال مختلفة متلونة تلون الحالة الشعرية ومزاج الشاعر، كما تعيدنا هذه التوقيعات إلى تسميات سابقة إلى ما أطلقه الشاعر عزالدين المناصرة على قصيدة الومضة "التوقيع"، وإلى البرقية عند نزار قباني فهي النص الموجز البليغ.

• حالات عاطفية مثقلة بالحس

مثقلة هذه النصوص بنشوتها الحسية، يحركها انفعال عاطفي عميق، مشكلة بصور تربطها وشائج تشير إلى معان أخرى معنوية، تلتقط عناصر الحياة الحسية وتنسج منها صورا لامرئية أو تتسم بالغرابة أو الدهشة، يندمج فيها الظاهر بالباطن لنرى ما بطن مخالفا لتلك الصور الرتيبة الباهتة. لا يشكل الشاعر صوره في لوحة مشهدية، بل تترك آثارها الجمالية مخلفة حيرة وأسئلة مدهشة، لا تخبو وإنما ترتفع الى حيث لا يقين.

• التوقيع 49

ثم ماذا

ثم ماذا

قد خذلت القلب لما

بك لاذا

والذي من مقلتي قد أسلت

ليس دمعا لو علمت

بل رذاذا

ثم ماذا

ثم ماذا

عبر قواف متداخلة يتغير إيقاع الحيرة في النص، وفي تسمية الأشياء، فالإنسان في لحظات اتحاده بالعوالم العلوية لا يراها مختلفة عنه في مرآة اللغة، الدمع رذاذ، هو مطر خفيف يدخل على النفس حالة من الانسجام والتآلف. فلم يدعي البعض أن الانسان ترابي المنبت ولا يحمل بداخله منبع الحياة؟

وفي اعتماده على صور متقابلة، تقوم على نفي الواحدة للأخرى، يشير إلى القلب والى علمه بما لا يعلم، فلم يعد القلب مجرد دقات ونبضات تخضع إلى حالات بيولوجية بل ثمة حياة أخرى ملتحمة بما هو معنوي، يستشعرها الشاعر في حالات النشوة ولكنها لا تقدم تفسيراتها.

• الكتابة بالممحاة

الكتابة بالممحاة ليس الغرض منها الشطب والحذف واعتماد الفراغات وتقطيع المقاطع والحروف والترقيم بعيدا عن العنونة فحسب، الاقتصاد في اللغة ليس فعلا واعيا بقدر ما هو استجابة إلى اللحظة الشعرية والكتلة الشعورية، هو تصوير لما يتراءى للنفس في لحظات خاصة مشرقة أم عاتمة.

• التوقيع 12

في ليلة عند السحر

الشمس زفت للقمر

تتابع القافية في هذه الومضة ولغة التوقيع في تناص مع المعجم القرآني عبر اعتماده على مفردات تواردت بكثرة في القرآن مثل القمر الذي ذكر 26 مرة، والشمس 33 مرة، أما السحر التي وردت في سورة آل عمران وهي الثلث الأخير من الليل الذي يكثر فيه الاستغفار وتقبل الدعوات، ما يجعل التناص واعيا وما يبرز المرجعية الفكرية والثقافية التي ينهل منها الشاعر، ولكنه هنا يخاتل المعجم المقدس الذي ينطوي على أسراره ويشير إليها في لغة رمزية، إلى معجم شعري مختلف. إلى لغة الشاعر في حالة الاندماج بين إشراقة الشعر وإشراقة الكون.

فهو كالقمر يساير الشمس في شروقها وغروبها، في لحظات الصفاء والغموض. ورغم توفر الفضاء الزماني والمكاني والحدث المبهر في هذا النص والشخوص الرمزية أيضا، فقد قام على المفارقة وعلى تصوير فضاء معنوي تتحرك عليه كائنات لا مرئية تعانق اللغة وتزف إليها، فتتمرأى على فضاء الورقة.

• كتابة الحلم

منذ القديم كتب الإنسان حلمه عبر تشكيل العوالم الرمزية الأسطورية الغنية بالرموز والاستعارات وجسم حلمه عبر الطقوس الاحتفالية، ومنذ القديم كان الشعر يضاهي النشيد ويلتحم ببعض المسميات الواردة في الكتب السماوية، وكان مشحونا بالرؤى وبالتجليات الصوفية التي تلبس الروح ثوب الحس.

واستمر الحلم كقادح للفكر وللمخيلة، لأنه يعبر عن حقيقية الأعماق ولا حقيقية الواقع الملموس.

ونلمس توق الشاعر أحمد الشايب في "الكتابة بالممحاة" للحلم، الحلم كحالة دائمة ومستمرة ومتدفقة، الحلم كرؤية، والحلم كرؤيا، فالشاعر يرى بعينه الشعرية التفاصيل التي لا ترى ليشكل منها المعنى المتخفي. والرؤيا عبر الحدس الشعري المتخفي الذي يرى من خلال الذات المظلمة الضوء القابع في الأعماق.

• التوقيع 13

صباحك مزهر

وليلك مبهر

لذلك كنت

ولما أزل

أنام بعين

وأختها تسهر

وعبر القوافي المتداخلة تتداخل عناصر الزمن، وتتوزع، وتتقابل لتنسج عبر ثنائيتها عن دلالات مغايرة للمعاني المعلنة، وعبر الانتقال من الجمل الإسمية إلى أخرى فعلية، فهو ينقل إلينا حالة تطغى عليها دينامكية الحركة النفسية التي لا تستغرق في تفرس جمال المعنى بقدر ما تحاول أن تخلع عنه ما يشوهه. وأن ينصرف إلى تخضيب الخيال بحساسية الشاعر المرهفة.

التناص هنا يعود بنا الى تمثلات الإنسان في الأديان الوثنية، والتي أجاب عنها القران عبر إجابات إبراهيم الخليل، حيث تحضر الشمس ويحضر القمر ضمنيا في الصباح وفي الليل، إذ مثلت رموزا للعبادة عند الساميين والعرب الجنوبيين خاصة. والزهرة ابنة الشمس والقمر وقد تزوجا في التوقيع 12 عند السحر.

• على سبيل الخاتمة

توقيعات الشاعر أحمد الشايب في "الكتابة بالممحاة" متفردة تنسج دلالات مغايرة لمفردات راسخة في الوعي الإنساني عبر الأديان والأساطير والفنون الرومانسية ذات البعد الفلسفي الروحي، مثل الليل والصباح والشمس والقمر والسحر والبدر والزهر والبحر والجبل, ومفردات أخرى تسمي الشعر وتخلعه عن الكثير من الكتابات المدعية.

تنوعت فيها القوافي بتنوع الومضات فمنها القوافي المتتابعة، ومنها المتداخلة، بنى الومضات مختلفة أيضا ولكنها مفتوحة على التأويل وتعدد القراءات، على المراجع الإنسانية الكبرى خاصة الدينية والفلسفية والأسطورية. مما يجعلها تنسج الظاهر بالباطن. وتطرح أسئلتها المدهشة. وتوقع إيقاعها الموسيقي في تواتره وتداخله عبر تداخل ايقاعات مختلفة.