السبسي يربك النهضة بانفتاحه على القوى العلمانية

العلمانيون هم الحل

تجتاح قيادات حركة النهضة وكوادرها المقربة من رئيسها راشد الغنوشي موجة من القلق على خلفية جهود يقودها الرئيس الباجي قائد السبسي للانفتاح أكثر على القوى العلمانية بهدف توفير حزام سياسي ديمقراطي لحكومة الشاهد يخفف من هيمنة الحركة على المشهد السياسي.

وقالت دوائر مقربة من النهضة إن "راشد الغنوشي وعدد من القيادات وفي مقدمتها أعضاء المكتب السياسي يراقبون بتوجس سلسلة اللقاءات والمشاورات التي يجريها السبسي منذ فترة مع عدد من القوى السياسية العلمانية".

وشددت الدوائر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها على أن "قيادات الحركة وفي مقدمتها الغنوشي تتساءل عن الخلفيات والدوافع الأساسية التي تقف وراء فتح قصر قرطاج أمام سياسيين علمانيين ما انفكوا يجاهرون بعدائهم للنهضة بما فيهم اليساريين الراديكاليين".

ويبدو أن السبسي تحسس التداعيات السياسية المحتملة لغضب العديد من السياسيين لا فقط على صورته كرئيس لكل التونسيين وإنما أيضا على أدائه ومصداقيته وأيضا على أداء حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها يوسف الشاهد خاصة وأنه حريص على إنجاحها باعتبارها مبادرته الذاتية قبل كل شيء.

وقبل لقاء جمعه الثلاثاء بسليم الرياحي رئيس الحزب الوطني الحر الغاضب كان السبسي أجرى سلسلة من اللقاءات مع عدد من القيادات السياسية مثل مصطفى بن أحمد ووليد جلاد القياديين في حركة مشروع تونس التي أسسها محسن مرزوق في محاولة لتخفيف التوتر مع الحزب الذي يطالب بحزام ديمقراطي يضبط نشاط النهضة وتحركاتها.

غير أن اللقاء الذي لفت انتباه القوى السياسية هو الذي جمع الرئيس التونسي بمنجي الرحوي القيادي في الجبهة الشعبية اليسارية المعارضة لسياساته والتي تصف تحالفه مع النهضة بـ"ديكتاتورية الأغلبية".

ولئن تم التكتم عن الخلفيات التي دفعت بالرئيس التونسي إلى مد يده إلى أشرس معارضيه الذين يرى فيهم تطرفا أشد من تطرف الإسلام السياسي، فقد أفادت تسريبات أن السبسي يسعى إلى طمأنة الجبهة الشعبية واستمالتها وامتصاص غضبها لتكون رافدا سياسيا له وللحكومة.

وبحسب الدوائر المقربة من الرئاسة فإنه من المنتظر أن يعقد الرئيس الباجي عددا من اللقاءات الأخرى مع قيادات سياسية وممثلين عن الكتل البرلمانية بهدف مزيد التشاور حول كيفية إعادة التوازن للخارطة السياسية ونسج حزام سياسي قوي يسند جهود يوسف الشاهد الذي تعهد بإجراء إصلاحات تنموية وسياسية كبرى".

وأرجع هشام بن عمار المحلل السياسي قلق النهضة إلى طبيعة اللقاءات والمشاورات خاصة وأنها تأتي في وقت تشهد فيه العلاقة بين السبسي والغنوشي حالة من الفتور المتكتم عنه، مشددا على أن الرئيس التونسي يسعى إلى تمكين نفسه وتمكين حكومة الشاهد من حزام ديمقراطي خصم للنهضة".

وقال بن عمار "إن النهضة ترى في انفتاح مؤسسة رئاسة الجمهورية على القوى العلمانية الديمقراطية رسالة موجهة إليها بالذات مفادها أن السبسي لن يقبل بهيمنة النهضة على المشهد السياسي وأنه يسعى إلى تضييق الخناق عليها من خلال بناء قوة سياسية تتكون من خصومها".

وتأتي جهود الرئيس التونسي في وقت تسود فيه المخاوف من أن يفقد الشاهد الإسناد السياسي اللازم مثلما حصل مع الحبيب الصيد رئيس الحكومة السابق في ظل ائتلاف حزبي حاكم غير متجانس يقوده نداء غارق في أزمة داخلية ونهضة تسعى إلى الاستفادة من هشاشة الأوضاع.

حزام سياسي قوي

ووفق دوائر مقربة من رئاسة الجمهورية تندرج سلسلة اللقاءات التي يجريها الرئيس الباجي قائد السبسي مع عدد من الشخصيات السياسية والمدنية سواء منها المؤتلفة في الحكومة أو المعارضة "في إطار توفير حزام سياسي لرئاسة الجمهورية ولرئاسة الحكومة معا" مشددة على أن الباجي بات أكثر اقتناعا بـ"ضرورة الانفتاح أكثر ما يمكن على مختلف القوى واستمالة الغاضبة منها".

وأضافت إن "مؤسسة الرئاسة تعي جيدا محاذير الانتقادات التي تواجهها بشأن تداعيات تحالف السبسي مع راشد الغنوشي كما تعي أن حكومة الوحدة لن يكتب لها النجاح المطلوب ما لم تحاط بحزام سياسي قوي لا فقط من الأحزاب المشاركة في الحكم وإنما أيضا من المعارضة والقوى المدنية".

ويواجه قائد السبسي انتقادات من قبل سياسيين بما فيهم قيادات من نداء تونس الذي أسسه بنفسه بشأن دعم نجله حافظ في قيادة شق داخل النداء ما أدى إلى اختلال المشهد السياسي ومهد الطريق أمام النهضة للهيمنة على المشهد.

ويحمل السياسيون الرئيس التونسي مسؤولية ما يقولون استضعاف المعارضة وتهميشها من المشاركة في إدارة الشأن العام في ظل تحالفه مع الغنوشي الذي لا يرى في القوى العلمانية سوى لفيفا من الإستئصاليين والإجتثاثيين.

وبرأي وليد جلاد القيادي في حركة مشروع تونس "تقتضي مصلحة تونس خلال المرحلة الدقيقة والحرجة "إعادة بناء الخارطة السياسية التونسية والنأي بها عن الاختلال من أجل توفير أكثر ما يمكن من حظوظ النجاح لحكومة الوحدة الوطنية على أساس قيم ومبادئ الجمهورية ودولة المواطنة".

ويشدد جلاد على أن "خروج البلاد من أزمتها وتأمين مسارات الانتقال الديمقراطي يستوجب ثقافة سياسية منفتحة على القوى السياسية الفاعلة في إطار رؤية وطنية تكون رافدا قويا لإسناد الحكومة بشأن سياساتها الإيجابية طالما أنها تهدف إلى مواجهة التحديات".

ولم تستبعد الدوائر المقربة من قصر قرطاج أن تقود لقاءات السبسي ومشاوراته إلى نوع من المبادرة السياسية في إطار جبهة ديمقراطية تتجاوز الأحزاب السبعة المشاركة في الحكومة لتشمل قوى سياسية معارضة وأيضا قوى مدنية بما يعزز طبيعة وأداء حكومة الوحدة الوطنية.

ورغم من أن اللقاءات شملت أيضا راشد الغنوشي غير أن المراقبين يقولون إن الحزام السياسي الذي بات يؤرق قائد السبسي يستبطن تدني الثقة في حركة النهضة بشأن مدى مصداقيتها في دعم الحكومة في ظل ارتفاع منسوب الغضب داخل التنظيم على قيادة الغنوشي التي اهتزت.

وتقر قيادات من حركة النهضة منها لطفي زيتون المستشار السياسي للغنوشي بوجود خلافات بين السبسي ورئيس الحركة الإسلامية غير أنه كثيرا ما تم التقليل من شأنها.