رحيل الشّيوعي السُّعودي الأخير

معرض الرياض للكتاب والمنتديات الثقافية ستفتقد مشاكساته

كلمة كنتُ نشرتها قبل ستة أعوام (2010)، إثر لقائي الأول بأبي نضال صالح المنصور، وأعيد نشرها بعد الحادث المؤسف الذي أودى بحياته يوم أمس(الأحد 2/10/2016).

سمعتُ الكثير من مثقفي نجد، من الأصدقاء الكُتاب والباحثين، أن صالح المنصور يتأبط النُّصوص الماركسية وسط مدينة الرِّياض، يحمل المنشورات، التي تحث على المساواة، وتبعد عن الاشتراكية لوثة السقوط، يحملها من دون اعتراض من شرطة أو أمن، بعد أن ثبت لهؤلاء أن الرجل على سجيته، لا يحمل نية ثورة ولا إشادة تنظيم، ناهيك عن أن الظَّرف ما عاد يحفل بتنظيم شيوعي سري، فالإرهاب الديني جمع الأضداد، فهو الأخطر قولاً وفعلاً.

من حيل صالح المنصور في إشاعة ما لديه من أغلفة كتب، أو أبيات شعر، مثل قصيدة محمد مهدي الجواهري «حببت الناس»، أن يضعها في صندوق سيارته المتهالكة، ويتركه مفتوحاً، لعلَّ ماراً يسرقها. وصل الحال أن يداهم الشرطة ولا تداهمه، وكأنه يطلب اعتقاله! فلما يتحدث مع الشرطي البسيط بأمر الصراع الطبقي، ودورة التاريخ، يفغر الشرطي فاه ويحاول التخلص من المفردات المبهمة.

أحد الظواهر التي حرصت على رؤيتها بعيني، بالعاصمة السعودية، ظاهرة صالح المنصور، حصلت على تلفونه، وامتدت اللقاءات، كأننا معرفة قديمة، فقد أثار في دواخلي زمن المخاطرة من أجل الفكرة، وذكرني بعناوين كتب ومصطلحات غلبت عليها كتب التراث والتاريخ والفقه والأديان والمذاهب، حتى بدت كلماته تأتيني من بئر عميق.

لكن العجب أنه ظل مأخوذاً إلى حد الهامة بما قرأ وسمع وشاهد، عند زيارة سياحية إلى براغ، من قبل، وما زال يحاول التبشير بحلولهما لأزمات السكن والنقل والعمل، يثق بدورة التاريخ ثقة مطلقة، وانتظار الطبقة المنقذة يوماً ما.

لا يرتدي صالح المنصور العقال والكوفية، ولا الثوب الأبيض، وهو لباس بلاده الرسمي وغير الرسمي، إنما يرتدي البنطلون والقميص ويعلق في رقبته رباطاً أحمر، إشارة إلى انتمائه، حاملاً بيده كيساً، ملأه بأوراق من القصائد، والخواطر، والكتب المستنسخة. تحدث معي بأمر دورة التاريخ التي يثق بدورانها، وأنه ليس ذلك الثوري العنيف، بل حركة الزمن ستحقق له المنال بهدوء.

يقتحم المجالس، ويبتسم له الجميع ويحيونه، وهو اعتاد على مجالسة الخصوم الودودين، من الذين يعدونه صدىً لماضٍ تولى، على المستوى المحلي بالجزيرة العربية وعلى المستوى الدولي، لكنه يرد عليهم بمثال نجاح الاشتراكية بأمريكا اللاتينية، وأن يكفوا عن تحميل النظرية أخطاء السياسة! أما الجدل الدَّائر حول التَّجديد وتغليب لغة الحوار ببلاده فيصفها بحركة التاريخ وفعله أيضاً، وأنه واقع محتوم.

كتب المنصور على بطاقته التعريفية، التي احتفظ بها لغرابتها، حشداً من التعريفات: أبو نضال، باحث في الفكر، ناشط في حقوق الإنسان، شاعر، كاتب، من مؤسسي نقابة العمال ومكتبة الحرية، وأنصار المرأة، مع عبارة: تحت التأسيس. ثم منسق خيري في الزواج، الأعزب أولاً! أما ظهر البطاقة فملأه بعبارات: حرية التجارة تعني: الفوضى! الغلاء! التفاوت الطبقي يساوي: الفقر! الجرائم بأنواعها، نعم للجمعيات! ويختم بعبارة: لا مرسى للحب باستغلال الإنسان للإنسان!

أهدى لي المنصور رواية «الشيوعي الأخير»، التي كتبها الأديب السعودي إبراهيم الوافي، وأشار إليه باسم رضا، وحينها نشرت الصفحات الثقافية في الجرائد السعودية عن أبي نضال أنه هم بمقاضاة الروائي، لكنه قال لي: سيكتفي بالرد على الرواية برواية: «شيوعي في الرياض»! وكأنه يشعر بضرر من لفظة الأخير. فتح كيسه، الذي يحمله دائما، وهمس بأذني هذه صورة مِن كتاب "ذكالكتيك الطبيعة" لفردريك أنجلز(ت1895)، وقال خذها معك. قلتُ له: يا صالح قرأتُ هذا قبل أربعين عاماً!

لم ألحظ جنوناً ولا غروراً على الشيوعي الأخير صالح المنصور، مثلما شاع عنه، بقدر ما أخذتني الدهشة من تخشبه وتكوره منفرداً على أفكاره، لا رجاء من انشطاره، وسط بيئة خرساء صماء لا تجادله، ومع ذلك يرفض أن يكون الشيوعي الأخير، لأنه لا يدعيها!