ما يقلق السعودية تدهور علاقة تاريخية مع أميركا وليس جاستا

تقاطعات بالجملة بين واشنطن والرياض

لندن ـ تبدو الرياض على حقّ عندما اعترفت، في بيان إدانة لقانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب" الأميركي (جاستا) أصدرته وزارة الخارجية السعودية الجمعة، بأن القانون يشكل لديها "مصدر قلق كبير"، إذ لم تتأخر سيدة أميركية في المسارعة إلى تقديم دعوى قضائية ضد المملكة بزعم علاقتها بهجمات 11 سبتمبر 2001.

وقالت وكالة بلومبرغ الأميركية إن ستيفاني روس التي قدمتها كأرملة لأحد ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 تقدمت بدعوى قضائية في واشنطن تتهم فيها السعودية بتقديم الدعم المادي لمنفذي الهجمات الإرهابية والتسبب في مقتل زوجها الضابط البحري باتريك دون، مؤكدة في دعواها انها كانت حاملا عندما لقي زوجها حتفه في الهجمات.

ومثل هذه القضية ليست جديدة إذ سبق للقضاء الأميركي أن رفض دعاوى سابقة أقامتها عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر قبل سنة تقريبا وتطالب بدورها بتعويضات من السعودية، لكن الجديد هو أن هذه الدعوى ستأخذ هذه المرة إلى المحاكم لأن القانون الأميركي الجديد أتاح إسقاط الحصانة عن أي متهم سعودي مفترض مهما كان موقعه في الدولة السعودية، وبقطع النظر عن كون هذه الاتهامات صحيحة أو باطلة فإن أي شخص ورد اسمه في أي قضية لابدّ وأن يواجه القضاء.

وفي الدعوى التي أقامتها عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر والتي رفضها القضاء الأميركي نهاية أكتوبر/تشرين 2015، قال قاضي المحكمة الجزئية الأميركية في مانهاتن جورج دانيلز إن "السعودية لديها حصانة سيادية من مطالب التعويض من عائلات حوالي ثلاثة آلاف شخص قتلوا في تلك الهجمات، ومن شركات التأمين التي غطت الخسائر التي مني بها أصحاب برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك وشركات.. لأن الاتهامات لا تجرد المتهمين من الحصانة السيادية".

غير أن الوضع صار مغايرا بفعل القانون الأميركي الذي يبدو أنه جاء لتلافي هذا العائق القانوني الذي أعلن عنه القاضي دانيلز أساسا.

ونظريا يفتح القانون الطريق أمام عائلات ضحايا 11 سبتمبر لمقاضاة السعودية باعتبار أن 15 من أصل تسعة عشر ارهابيا هم منفذو الهجمات يحملون الجنسية السعودية كما أن هناك مزاعم بتورط أمراء بالتخطيط أو التمويل.

وقالت وكالة "بلومبرغ" إن المحامين الأميركيين يستعدون هذا الأسبوع لجني عشرات الملايين من الدولارات، لصالح عائلات الضحايا.

لكن ديفيد ستراشمان أحد المحامين المختصين بمثل هذه الدعاوى، قال إن الحصول على تعويضات من حكومات أجنبية أمر في غاية الصعوبة.

وقال إن القانون الأميركي الجديد يسمح برفع الدعاوى ضد الحكومة السعودية أمام قاض وليس لجنة تحكيم، ما يعني أن الأمر قد يأخذ وقتا أطول.

ويقول محللون إن مخاوف السعودية ليست من القانون في حد ذاته أو من الملاحقات القضائية المنتظرة ضدها، ولكن القلق متأت أصلا من السلوكي الأميركي المتغير بشكل يبدو راديكاليا في العلاقة بين البلدين الحليفين، والذي أوصل علاقتهما الى هذا المستوى من الريبة، لا سيما في ظل الإدارة الديمقراطية الحالية التي باعت كل الإرث التاريخي لعلاقات تحالف استراتيجي بسرعة وعلى نحو مفاجئ لفائدة إيران الخصم الطائفي اللدود للسعودية في المنطقة.

وجاء القانون بعد تقاطع أميركي سعودي خاصة في الملفالنووي الإيراني والملف السوري وحتى في الملفين اليمني والعراقي.

ولم تراع واشنطن مخاوف حليفها التقليدي من برنامج ايران النووي وهي تستعد لرفع العقوبات الاقتصادية عن طهران مع ما يعني ذلك من تمكن ايران من موارد مالية ضخمة لمزيد تسليح قواتها ودعم المليشيات الطائفية التي تتغول في الدول العربية السنية.

كما ان واشنطن رفضت رفضا قطعيا إسقاط النظام السوري بالقوة درءا لمجازر التي يرتكبها النظام في هذا ـ بالإضافة لما تركتبه التنظيمات الإرهابية، وبينما تصر الرياض على رحيل الاسد ترى واشنطن العكس بل ان تسريبا صحفيا كشف عن ان وزرير الخارجية الأميركي جون كيري يؤمن بأن انتخابات يممكن ان تجرى في سوريا ويشارك فيها الاسد والمعارضة.

وقال خبراء في القانون الأميركي إن القانون في حد ذاته لن يكون له أي تأثير واقعي على صعيد المحاكمات أو على صعيد استحصال الأموال.

وقال البروفسور ستيفن فالديك أستاذ قانون الأمن القومي والقانون الدستوري الأميركيين في جامعة تكساس لصحيفة سعودية، إن قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب" الأميركي المعروف اختصارا بـ"جاستا"، مثير للجدل لكنه غير فعال ولن يكون له تأثير.

وأوضح البروفسور الأميركي أن قانون جاستا "لا يتضمن أحكاما تخول للمحاكم الفيدرالية حق إجبار الدول ذات السيادة الأجنبية على تسليم أصولها في الولايات المتحدة للوفاء بأحكامها"، مشيرا إلى أن هذه الأحكام كانت "موجودة في النسخة الأولى من القانون، أما النسخة المعدلة فلا تسمح بذلك". وأكد المصدر أن الحصول على تعويضات لأهالي الضحايا تكاد تكون معدومة بموجب هذا القانون.

وتم إقرار هذا القانون الذي يعتبر أهم ترجمة لتدهور العلاقات غير المعلن رسميا بين البلدين "ضمن سلسلة تفاعلات سياسية وفكرية في المجتمع الأميركي تجاه السعودية".

وشملت هذه التفاعلات نشر مقالات معادية للسعودية، وتكثيف الضغط من قبل وسائل إعلام واسعة الانتشار، وإصدار كتب تنتقد نظام الحكم في الرياض.

ونشرت دورية "نيويورك ريفيو أوف بوكس" قراءة لأربعة كتب في مقال مطول، كتبه الباحثان في جامعة كامبريدج البريطانية توبي ماثيسن وباسكال مينوريت، إلى جانب باول أردتس وسايمون فالينتاين.

وتتناول الكتب الأربعة تاريخ السعودية بشكل تدريجي يثبت في النهاية أن الرياض تصر على دعم جماعات متشددة، إلى جانب انتهاج القمع مع الأقلية الشيعية شرق البلاد.

ويقول ماثيسن في كتاب بعنوان "السعوديون الآخرون" إن الأسرة الحاكمة “تقمع الشيعة في المنطقة الشرقية، ورغم ذلك يحافظ هؤلاء على صلات قريبة بملالي إيران ويستمرون في إنشاء الحوزات، ويخصصون إحداها للمرأة".

ويقول فالينتين في كتاب "القوة والتعصب: الوهابية في السعودية وما وراءها" إن السلطة توظف الدين في السياسة، بينما المجتمع لا يسير وفق هذه الرؤية، "أثناء إقامتي في السعودية لم تكن تعرض علي مخدرات ومشروبات كحولية فقط، بل أيضا نساء لقضاء وقت ممتع".

ويقول محللون، إن المسؤولين السعوديين يخشون من أن تكون الدعاوى القضائية مدخلا لعمليات ابتزاز ومقايضات ربما تهدف للضغط على المملكة في ملفات خلافية يمكن ان تحتدّ في المستقبل على ضوء المؤشرات السلبية الراهنة في العلاقات الثنائية وهي قضايا قد تتخذ فيها الرياض مواقف مستقلة عن الولايات المتحدة على نحو حاسم لعل أهمها الملف السوري ودور إيران في المنطقة.

والأهم في هذا السلوك الأميركي تجاه السعودية أن الرياض لا تعلم على وجه التحديد إلى اين ستتجه نهايته مع وجود تقارير وتحليلات استراتيجية تقول إن الولايات المتحدة ـ من وجهة نظرها مؤهل ـ قد قررت وعلى نحو حاسم إعادة تأهيل إيران كشرطي قوي في المنطقة الى جانب اسرائيل لمقارعة الإسلام السني المتشدد والذي تتهم السعودية على نطاق واسع بأنها المصدر الاساسي له، رغم أن الرياض ما فتئت تقدم الأدلة على أنه من أشد الدول حرصا على مقارعة الإرهاب الذي يتهددها مثلما يتهدد أي دولة أخرى.

وأدانت وزارة الخارجية السعودية إقرار قانون أميركي يتيح لأسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 مقاضاة المملكة للمطالبة بتعويضات،

وقال بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية "من شأن إضعاف الحصانة السيادية التأثير سلبا على جميع الدول بما في ذلك الولايات المتحدة".

وأعربت الرياض التي باتت تدرك أن التصعيد التشريعي الأميركي مع السعودية يمثل مرحلة جديدة من هبوط أسهم الرياض في واشنطن عن أملها في أن "يتخذ الكونغرس الأميركي الخطوات اللازمة من أجل تجنب العواقب الوخيمة والخطيرة التي قد تترتب" على سن ذلك القانون.

ولم يحدد البيان تلك العواقب.

ويقول محللون إن السعودية قد تعمد الى تقليص تعاونها مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الارهاب، بعد اقرار الكونغرس الاميركي قانونا يتيح لاقارب ضحايا اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر مقاضاة المملكة، وهو ما تراه الرياض بمثابة "طعنة في الظهر"، بحسب محللين.

وقال الصحافي والمحلل السعودي جمال خاشقجي انه "سيكون صعبا جدا على المملكة العربية السعودية مواصلة التعاون الاستخباري"، مع الولايات المتحدة بعد ان اتخذت الاخيرة "موقفا عدائيا كهذا".

واشارت تقارير صحافية سابقا الى ان السعودية لوحت بسحب مليارات الدولارات من الاستثمارات في الولايات المتحدة في حال اقرار القانون، رغم ان مسؤولين سعوديين قللوا من اهمية هذه التقارير.

وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن الكونغرس بصدد إعادة النظر في خطوته بتشريع القانون المثير للجدل والتي اعتبرها غلطة.

وأوضحت أن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكنويل قال الخميس إن أحدا لم يركز على الجانب السلبي المحتمل لخطوة الكونغرس على العلاقات الدولية الأميركية، وإنه يعتقد أن إبطال فيتو أوباما كان مجرد غلطة من جانب المجلس.

وأضافت نيويورك تايمز أنه بدلا من أن ينحي ماكنويل بالمسؤولية كاملة على مجلس الشيوخ حيث يجب أن تكون فإنه مضى بشكل عبثي بإلقاء اللوم على الرئيس أوباما، وذلك بدعوى فشله في الإخبار عن العواقب المحتملة لمشروع القانون.

واستدركت بالقول إن الرئيس أوباما والوكالات الأمنية الوطنية والحكومة السعودية والدبلوماسيين المتقاعدين والاتحاد الأوروبي كلهم أمطروا الكونغرس الأميركي بالتحذيرات قبل اتخاذ خطوته هذه.