اتحاد الشغل يواجه انتقادات واسعة بسبب تأجيج الاحتجاجات

الاتحاد يتجاوز حدود مهامه

تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي التونسية هذه الأيام موجة من الانتقادات بلغت حد الغضب من الإتحاد العام التونسي للشغل على خلفية وقوفه وراء الاحتجاجات التي ارتفع منسوبها وطالبته بتهدئة الأوضاع لا بتأجيجها فيما يقول النقابيون إنهم لا يساندون إلا الاحتجاجات المشروعة.

وقال ناشطون في تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي "فايس بوك" إن "إتحاد الشغل منظمة وطنية عريقة غير أنها بدأت وكأنها تحيد عن دورها الوطني في تهدئة الأوضاع المحتقنة" وأنها "مطالبة اليوم بأن تتحلى بلغة العقل وتخفف من المطلبية المجحفة وتساعد الحكومة على التهدئة".

وذهب أحد المغردين إلى حد القول بأن "الإتحاد العام التونسي للشغل تحول إلى دولة منافسة للدولة بحجة الدفاع عن حقوق المحتجين والحال أنه يفترض أن يقدم الإسناد الاجتماعي والسياسي لأول حكومة وطنية يراهن عليها التونسيون لتحقيق التنمية للمحرومين وتشغيل آلاف العاطلين".

وأضافت مغردة أخرى من مدينة القصرين "إن دور الإتحاد الذي يثق فيه التونسيون بدأ يتآكل في ظل مساندته المطلقة للإضرابات والإعتصامات التي عطلت الإنتاج وقادت بالمئات من المؤسسات الاستثمارية إلى التوقف عن النشاط والزج بمئات العاملات والعاملين في عالم البطالة".

وشددت على أنه "آن الأوان لمساعدة الدولة على مكافحة الجهاديين".

غير أن القيادات النقابية وفي مقدمتها حسين العباسي الأمين العام للإتحاد ما انفك يشدد على أنه يدعم حكومة يوسف الشاهد وأن المركزية النقابية ليست طرفا في الاحتقان الاجتماعي ملاحظا أن الإتحاد لا يساند عدا الاحتجاجات المشروعة لتمكين المحتجين من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.

ويرجع خبراء في التنمية وفي المخاطر المالية تدني نسبة النمو الاقتصادي في تونس التي لا تتجاوز 0.5 بالمائة وغياب المشاريع الاستثمارية وتوقف العشرات من المؤسسات الاقتصادية عن النشاط إلى الانفلات الاجتماعي نتيجة الاستخفاف بقيمة العمل وتزايد المطلبية المشطة.

وخلال الأسابيع الماضية توترت علاقة إتحاد الشغل بنقابة أرباب العمل التي تطالب المركزية النقابية بترشيد أدائه ومراجعة مواقفه من التشنج الاجتماعي الذي قاد إلى غلق أكثر من 600 مؤسسة اقتصادية وفق تصريحات وداد بوشماوي رئيسة الإتحاد التونسي للصناعة والتجارة.

وقال خليل الرقيق المحلل السياسي إن "إتحاد الشغل منظمة وطنية عريقة في النضال عن حقوق العمال والتونسيين ومن حقها الدفاع عنهم غير أن الأوضاع الحرجة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية تملي على المركزية النقابية ترشيد أدائها وضبط التركات الاحتجاجية".

وشدد الرقيق على أن موجة الانتقادات "مشروعة من حيث المبدأ نظرا للسقف العالي من المطلبية" غير أنه لفت إلى أنه "لا يمكن تجريد الإتحاد من دورة خاصة وأن الحكومة تضم نقابيين ممثلين في وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي ووزير الوظيفة العمومية ومكافحة الفساد عبيد البريكي".

ويقول مراقبون للشأن التونسي أن يوسف الشاهد حرص على إشراك النقابيين في الحكومة في مسعى إلى استمالة الإتحاد من خلال تهدئة الوضع الاجتماعي وإشراكه في الخيارات السياسي من أجل تأمين الاستقرار الحكومي.

غير أن نشطاء لم يترددوا في اتهام المركزية بأنها "أصبحت تقوم بدور سلبي ولم تساعد مؤسسات الدولة على استرجاع أدائها وهيبتها لتحل محلها حتى أنها لم تتخلص من العقلية الثورجية التي لم تجن منها تونس سوى الفوضى ونسف قيمة العمل والكسب والجهد ما قاد إلى استفحال ظاهرة الربح السهل".

وجاء في تغريدة لناشط من مدينة صفاقس التي تعد العاصمة الاقتصادية لتونس والتي تضررت كثيرا بفعل السقف المرتفع والعشوائي للمطلبية المفرطة "لقد حاد إتحاد الشغل عن رسالته الوطنية والاجتماعية وبات يركز جهوده على تأجيج الاحتقان ومن ثمة التشجيع على ضرب قيمة العمل وثقافة الربح السهل والتواكل، وبدل أن يقود جهودا بهدف تحقيق هدنة اجتماعية تحتاجها البلاد اختار مساندة أي احتجاج رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة".

ورأى الرقيق أن موجة الغضب على الإتحاد "مبالغ فيها" لأن المركزية النقابية تحظى بالمصداقية والوعي السياسي غير أنه طالب، بالمقابل، القيادات النقابية أن تخفف من الضغوط على الحكومة حتى تتمكن من تنفيذ سياسات إصلاحية تضع حد لثقافة الربح السهل والتهريب والفساد وتساعد على إنعاش الاقتصاد.

وتلتقي انتقادات النشطاء مع مواقف عدد من القوى السياسية والفاعلين الاقتصاديين الذين يرون أن الإتحاد أفرط في المطلبية سواء من خلال الزيادة في الأجور أو في إشاعة نوع من الفوضى في النسيج الاقتصادي.

ويشدد حسين العباسي على أن موجة الانتقادات الموجهة لإتحاد الشغل هي "عملية ممنهجة تهدف إلى تجريد المركزية من حقها الوطني في الدفاع عن العمال والمحرومين وإلى استبعاده من المشاركة في خيارات الحكومة".

وخلال السنوات الخمس الماضية وفي ظل استفحال العقلية "الثورجية" تم، كما يذهب إلى ذلك كثير من المحللين والخبراء، تدمير قيمة العمل ما فتح المجال واسعا أمام حالة من الفوضى لا فقط في مؤسسات الإنتاج وإنما أيضا في مؤسسات الدولة التي تكاد تصاب بالشلل جراء الغيابات والتسيب المهني.

غير خليل الرقيق رأى أنه من الإجحاف تحميل إتحاد الشغل المسؤولية وحده بشأن ما سماها الفوضى المهنية والاقتصادية مشددا على أن حالة الاحتقان لئن كانت تستوجب دور تهدئة من قبل الإتحاد فهي أيضا مسؤولية الحكومة والأحزاب السياسية والقوى المدنية بصفة عامة.