'إنها فقط نهاية العالم' .. لحظات مرعبة ولغة سينمائية مختلفة

صعوبة التواصل داخل الأسرة هو المأزق والمشكلة الكبرى للمجتمعات الغربية

في تصريحاته الصحفية دافع المخرج الكندي عن فيلمه الأخير "إنها فقط نهاية العالم" بأنه من أفضل أفلامه، ورد على بعض النقاد مطالبا بالتريث قليلا قبل إطلاق الأحكام القاسية على فيلمه الحائز على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم بمهرجان "كان" هذا العام.

وأوضح أن فيلمه بحاجة للحياة وأن يراه الناس، بل يرى أنه من أفضل أفلامه، كما يعترف بأنه وجد صعوبة قاسية خلال المونتاج، فقد كسر دولان قواعد اللغة السينمائية المتعارف عليها، وخرج عن كل النظريات والجماليات ليصبح مصدره ومنبعه دولان وليس غيره، فقد أسرف في اللقطات القريبة دون التفكير بأي منطق نظري أو جمالي سينمائي بل تهور ليشكل عالما مرعبا قد لا يحتمله الجمهور، فمشاهدته هذا الفيلم بحاجة إلى مشاهد يحتمل جنون المخرج ولديه استعداد للتوغل في عالم يفوح رعبا وواقعية.

يعود الشاب لويس (جاسبار يوليل) الذي عاش بعيدا لسنوات طويله عن أهله، سبب هذه العودة المفاجأة كون لديه خبر خطير يرغب في إطلاع أفراد أسرته عليه، فهو مصاب بمرض قاتل وأيامه معدوده ولديه رغبة في الإعتذار عن بعده ورؤية أسرته والبيت القديم والعيش معهم ولو ليوم واحد في سلام ومحبة وتعويض ما فات.

يصطدم بتجاهل وعزوف وسخرية كبيرة من جانب شقيقه الأكبر أنطوان (فينسنت كاسل)، الذي نراه ينظر خارج النافذة بلا مبالاة ويدير ظهره للكاميرا، ولا يطيق سماع الذكريات ويصرخ في الجميع ويدفعه لمغادرة المنزل بعد ساعات من وصوله.

أما كاترين (ماريون كوتيار)، فهي زوجة شقيقه التي يلتقي بها للمرة الأولى فنحسها مضطهده من زوجها وقريبة من لويس ومتعاطفة معه رغم أنها مرتبكة وتتلعثم في الكلام وقد تنطق بعض الكلمات مشوهة فتعيد نطقها أكثر من مرة ونراه متعاطفا معها ومنصتا لها.

شقيقته سوزان (ليا سيدو)، تدخن بشراهة وتشتبك في مشاحنات مع والدتها، فهي تعاني من مشاكل نفسية، وهي لا تعرفه ولم تشترك معه في ذكريات لكنها تبدي رغبتها في تعويض سنوات الفراق.

أما الأم مارتين (نتالي باي) فهي ساذجة وثرثارة تهتم بزينتها ومكياجها ومطبخها ويبدو أنها لم تفهم صغارها.

القصة ليست بذلك التعقيد الذي يقف عائقا كلغز بحاجة إلى حل، لكن طريقة الحكي وأسلوبه يخالف كل الطرق التي تعودنا عليها في المشاهده، نعلم جيدا جنوح دولان وتمسكه بالأماكن المغلقة والضغط على شخصياته وسحقهم في كوادر ضيقة وهو هنا يؤكد على هذا الأسلوب.

هنا حصر الشخصيات ليس كي تثور وتصرخ وتكشف المستور بل توغل كل شخصية في حبس نفسها، وكتم ما بدواخلها ولا تجد دعما من المخرج ليحملها إلى بر الأمان ويفتح لها الأبواب الموصدة بالعكس فهو يضع عشرات الأقفال ويتلذذ بعذاباتها وسخافاتها وكأن قدرها أن تظل متفرقة.

"إنها فقط نهاية العالم".. هذا العنوان يوحي بكارثة كونية ويمكننا فهم نهاية العالم ليس بكوارث طبيعية أو صحية وليس بهجمة إرهابية أو حرب كونية كما تصوره لنا السينما الأميركية، نهاية العالم تحدث عند عجزنا عن فهم والإحساس ببعضنا البعض، فهناك لحظات فرح وسعادة وربما لحظات تعاسة وشقاء، ونود التصريح بها لمن نحبهم لكننا قد نصطدم بأن هؤلاء ليس لديهم الرغبة في الفهم والتلقي ولعل مشكلة المجتمعات اليوم هو هذا الداء، فيعيش كل فرد في سجن مظلم ومكتئب رغم تطور تقنيات الإتصال، فالفرد يعيش غريبا مع أسرته لذا يتفاقم الوجع والبؤس.

يظل لويس مستمعا ومشاهدا وقليل الكلام يحاول أن ينتهز الفرصة ليخبر عائلته ويشركهم في مآساته، لكن ما يحدث يزيده جبنا ويخنق رغبة البوح، فنحن هنا لسنا مع مصارحات ومكاشفات وفضائح فالصراخ والمشادات الكلامية ونوبات الغضب كلها يكون سببها سطحيا وتظل كل شخصية تغرق وحيدة في مستنقع العزلة والغربة وعدم فهم الآخر.

يخفق الجميع في التحدث والاعتراف بفتح الموضوعات بشجاعة ووضوح، الصراحة هنا معدومة والحوارات متقطعة وقصيرة أو مجرد ثرثرة حول أحداث هامشية لكن المخرج نجح بفضح هذا الهروب والزيف من خلال تصوير الوجوه وتقريبها لنا لنرى التوتر والألم، فالعرق يتصبب من الوجوه ونكتشف قسوة هؤلاء على أنفسهم وفظاعة الجحيم الداخلي ومرارة الواقع.

إشتغل دولان على عناصر مهمة في هذا الفيلم يمكن تلخيصها في الآتي:

* حبس الشخصيات وكذا الكاميرا بداخل حجرات البيت الضيقة والتركيز على الوجوه.

* لم تستسلم الكاميرا لهذا السجن الداخلي وظلت تلاحق الوجوه والأشياء وتنتهز أي فرصة لتصوير النوافذ والإحساس بالضوء الخارجي وتعددت الزوايا، ووضعية الكاميرا رغم أن الشخصيات تدير ظهرها لها كما يفعل "أنطوان" الذي كان أحيانا ينتهز أي فرصة للخروج من الكادر.

* عدم الوضوح وخلق رؤية مشوهة ومشوشة ليس لغرض درامي أو تشكيلي فني لكنه أسلوب تكرر كثيرا وكان تأثيرها قاسيا ومرتبكا على المشاهد لعلها كانت مهمة لخلق هذا العالم المرتبك والمبعثر من الداخل.

* حدث أن شاهدنا مشاهد تأتي فيها شخصية الأم لحجب الرؤية والوقوف أمام الكاميرا بشكل يعيقها فلا نرى شيئا للحظات.

* أحيانا تتحدث وتتشاكس الشخصيات بينما تركز الكاميرا على بعض الأشياء أو يد أو ذراع شخصية وتلتف الكاميرا لتصوير ظهر إحدى الشخصيات ثم تصطاد الوجوه أي أن الكاميرا ظلت نشطة وديناميكية وتلهث هنا وهناك ولا تستسلم أو تكسل ولا يهمها جودة الإضاءة كل ما يهمها أن تظل متابعة حرة لا تحكمها القواعد المتعارف عليها في خيارات نوعية اللقطة وقد تهتز وتغير وضعيتها وزاويتها دون الخضوع لمنطق درامي أو جمالي.

* يستلطف دولان الظلمة التامة كستارة لختم المشهد وقد فعلها في أعمال سابقة ويؤكد هنا عليها كوسيلة للانتقال من مشهد إلى مشهد.

* يعشق أيضا عرض وجهة نظر شخصياتها ولا يهم ما تنقله لنا وليس بالضرورة أن يكون حدثا مهما أو شيئا عابرا أو تفاصيل عادية للطريق أو داخل البيت كالساعة الحائطية مثلا والتي ستكون خاتمة الفيلم بصمة جديدة ومشهدا متميزا يحفره في ذاكرتنا، فالعصفور الجامد في الساعة يحطم القيد ويطير بل يبعث الرعب وتظل اللقطة الأخيرة دون تفسير.

وهنا تنسحب الكاميرا لتزيد المشهد ضبابية وكانت الشخصيات تشتت وكأنها متفقة على الفرقة والضياع، فلم يقدم المخرج حلا ولا نصيحة ويمكن أن نفهم أن تمزق وصعوبة التواصل داخل الأسرة هو المأزق والمشكلة الكبرى للمجتمعات الغربية، فالسعادة تظل حلما بعيد المنال في ظل هذا الواقع.

*سينمائي يمني مقيم في فرنسا