الاحتجاجات الدائمة تعصف بفرص التنمية في السليمانية

الهدوء لا يعرف سبيلا إلى السليمانية

السليمانية (العراق) - كلما ظهر جدال أو صراع أو عدم استقرار في كردستان فلابد أن يكون مركزه السليمانية، المدينة التي يفخر سكانها بحيويتها والتي طالما دفعت ثمن مواقفها غاليا.

وتعد السليمانية إحدى المدن التي لم تشهد الاستقرار منذ سنوات، فكل مشكلة سياسية واقتصادية تحدث في إقليم كردستان تبدأ من السليمانية وتنتهي فيها.

وتشهد مدينة السليمانية وهي العاصمة الثقافية للإقليم ومركز محافظة السليمانية شمالي شرقي العراق منذ سنوات مشكلات وصراعات سياسية مستمرة أثرت عليها من نواحٍ عدة.

وكانت آخر أزمة سياسية شهدتها المدينة في الأول من أيلول/سبتمبر حين أعلن كوسرت رسول وبرهم صالح نائبا الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني مع عدد من قادة الحزب في بيان لهم تشكيل جناح "مركز القرار" داخل الحزب ووقفوا بوجه "الجناح المتنفذ" في الحزب والذي تتزعمه هيرو إبراهيم احمد زوجة جلال طالباني، وقد احدث هذا الموقف توترا آخر في المدينة ووصل الأمر إلى احتمال تحريك القوات المسلحة من قبل الطرفين.

وتعتبر أية زعزعة للاستقرار داخل صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني زعزعة للاستقرار في المدينة حيث تمثل منطقة نفوذ الاتحاد الوطني الرئيسة حتى أنها تسمى بـ"الزون الأخضر"، كإشارة إلى لون علم الاتحاد الوطني الأخضر.

وقال فريد اسرد العضو القيادي في الاتحاد الوطني إن "حدوث أية أزمة داخل الاتحاد الوطني سيؤثر مباشرة على المدينة وكثيرا ما أثرت المشكلات سلبا عليها".

ولم يكن عدم الاستقرار الذي شهدته المدينة خلال الأيام الماضية الحدث الوحيد هذا العام والأعوام الماضية، فبمجرد التمعن في أحداث الأعوام العشرة الماضية يتبين انه لم يمر عام دون أن يشهد إقليم كردستان حدثا كبيرا كان مركزه السليمانية.

وتبدو السليمانية أكثر المدن مغامرة وحركة ضمن مدن إقليم كردستان فهناك من يرون أنها لا تعرف الراحة وتسعى دائما وراء المشكلات والصراعات، إلا أن معظم سكانها لهم رأي مغاير حيث يرون أنها مدينة تنبض بالحياة وتسعى دائما إلى التجدد والتغيير.

ويعزي آسوس هردي رئيس التحرير الأسبق لصحيفة آوينه (المرآة) سبب كون المشكلات والصراعات في إقليم كردستان تبدأ من السليمانية إلى "حيويتها" وقال حول ذلك إن "السليمانية هي إحدى المدن الحيوية في الإقليم والعراق والسبب في ذلك هو التيارات الثقافية والسياسية التي ظهرت في تاريخها".

وأضاف هردي: "السليمانية إحدى المدن التي كان لها الدور الحاسم في الصراعات السياسية خلال تاريخ نشأتها وذلك يعود إلى أنها بنيت منذ البداية على أساس حضاري".

ومع أن هردي تحدث عن الجانب "الحيوي" للسليمانية ايجابيا ولكنه لم يخف أن تلك الحيوية أضرت بتطورها كثيرا حيث لم تشهد الاستقرار أبدا.

وفضلا عن أن الثورات الكردية على مر التاريخ قد اندلعت من منطقة السليمانية، كانت المدينة أيضا في التاريخ القريب من أعند المدن الكردية في مواجهة النظام البعثي حتى أنها شهدت اندلاع الاحتجاجات ضد السلطة الكردية في السنوات التي تلت انتفاضة عام 1991 وقد نظمت فيها العديد من التظاهرات والنشاطات الكبيرة التي شهد بعضها إراقة الدماء.

تأثير سلبي

وإذا كان ارتفاع أصوات الاحتجاج قد منح المدينة الحيوية سياسيا فانه ألحق بها ضربة كبيرة من الناحية الاقتصادية ونمو البنية التحتية.

ورأى ياسين محمود المتحدث باسم اتحاد مستثمري كردستان أن الصراعات السياسية في إقليم كردستان قد أثرت سلبيا على أوضاع المدينة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكأنها ابتليت بـ"دعاء الحرب" فأية مشكلة سياسية واقتصادية تحدث في الإقليم تبدأ من السليمانية وتنتهي فيها.

وقال ياسين نحن "لدينا الأرقام والإحصاءات التي تؤكد أن المشكلات السياسية التي حدثت في الإقليم خلال الأعوام الماضية قد أثرت سلبا على الإقليم بحيث تتجه البنية الاقتصادية للمدينة إلى الانهيار التام".

وفي عام 2005 عندما تم توحيد إدارتي السليمانية وأربيل من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وشكلت حكومة الإقليم الموحدة وسميت أربيل عاصمة لها، ورأى كثيرون أن السليمانية ستهمش ولن يبقى لها دور إلا أن معظم القادة الكبار في الإقليم بمن فيهم جلال طالباني نفسه قد أعلنوا أن السليمانية لن تهمش أبداً وسيكون لها الدور الحاسم في أمور الإقليم.

وبعد عام من ذلك (2006) انشق عدد كبير ومؤثر من الشخصيات السياسية والجماهير التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني وكان نوشيروان مصطفى نائب الأمين العام للحزب يتزعم ذلك الجناح وقد أسس مع مجموعة من الشخصيات في الإقليم عام 2009 حركة سياسية في السليمانية تحت اسم (التغيير) والتي أصبحت لسنوات معارضة للسلطة وكان مركز نشاطاتها من السليمانية أيضا.

وفي شباط / فبراير عام 2011 بدأت تظاهرات واعتصامات جماهيرية ضد حكومة الإقليم من السليمانية استغرقت شهرين وقتل فيها عشرة أشخاص وقد فضت بالقوة، وفي أعوام 2013 و2014 وأثناء انتخابات برلمان كردستان ومجالس المحافظات في الإقليم دخلت حركة التغيير والاتحاد الوطني مرة أخرى في صراع شديد في السليمانية خلف مشكلات سياسة فيها وقد اثر ذلك تأثيرا سلبيا على عام 2015 حيث بداية ظهور الأزمة المالية والاقتصادية في الإقليم ما أدى إلى اندلاع سلسلة من الاحتجاجات الجماهيرية.

أما الآن والأزمة المالية بدأت تتعمق، يتجه الغضب الجماهيري ضد السلطة إلى الازدياد وهناك دعوات عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي للبدء في التظاهرات الاحتجاجية من السليمانية بل وهناك من يدعو إلى "الثورة" أيضاً.

ويرى علي حمه صالح النائب في برلمان كردستان أن جميع تلك الأحداث قد دفعت السليمانية سنوات إلى الوراء.

وقال علي وهو نائب رئيس اللجنة الاقتصادية في برلمان كردستان إن "اقتصاد أية مدينة مرهون باستمرار الاستقرار فيها، ونظرا لأن السليمانية لم تشهد الاستقرار منذ سنوات فان اقتصادها يتراجع يوما بعد يوم".

وأضاف "بعد عام 2003 كان اقتصاد المدينة ينمو يوما بعد يوم حتى عام 2009، إلا أن الصراعات السياسية خلال الأعوام الماضية قد أوقفت ذلك التطور وهي تعود بالمدينة إلى الوراء".

هروب المستثمرين

ويشير إحصاء لغرفة التجارة في السليمانية والذي يستند إلى أرقام وزارة التجارة العراقية في الأعوام الأربعة الماضية إلى أن السليمانية تضم 30 بالمئة من مجموع الصناعة العراقية كما تعتبر من الناحية السياحية إحدى المدن الرائدة ويزورها مئات الآلاف من الأشخاص من المدن العراقية الأخرى سنويا، إلا أن هذه الإحصاءات في تراجع بسبب الأزمات السياسية والاقتصادية للسليمانية.

وحول ذلك يقول ياسين محمود "أما الآن فإذا أجريت الدراسة نفسها على مستوى العراق فمن المؤكد أن السليمانية لن تسجل النسب السابقة نفسها وذلك بسبب استمرار الصراعات فيها".

وأضاف ياسين "لقد توقف الاستثمار في السليمانية تماما بحيث لا تعمل فيها تلك القطاعات التي كانت تشهد استثمارات في الماضي، فمثلا كان هناك في ما مضى من المستثمرين من استثمر ما يقدر بثلاثة مليارات دولار في قطاع الكهرباء إلا أن أعماله متوقفة الآن بسبب الصراعات السياسية والاقتصادية ولا يمكنه إنتاج الكهرباء".

وذكر ياسين أن هناك العديد من المستثمرين المحليين نقلوا استثماراتهم إلى البلدان المجاورة وأضاف "على حد علمي فان 11 مستثمرا من السليمانية يملكون رأس مال كبيراً قد تركوا المدينة متوجهين إلى الاستثمار في إيران وتركيا، وقد أصبحت السليمانية الآن دائرة مغلقة لا يقصدها المستثمر الأجنبي فيما فتحت الأبواب بوجه المستثمرين المحليين للفرار منها".

وهناك كثيرون في السليمانية يرون أن مشكلة تعطل بنيتها التحتية لا تتعلق فقط بكون المستثمرين لا يقصدونها، بل هو بسبب كونها دفعت ثمن مواقفها غاليا لان الحكومة أيضاً قد همشتها لأنها تحتج باستمرار.

أما الآن فان السليمانية أمامها طريقان، طريق سهل يتمثل في تجنب الاحتجاج والمشكلات والصراعات، وطريق آخر صعب عبر حسمها للمشكلات عن طريق الصراعات والاحتجاجات والتظاهرات، إلا أن طبيعة سكان المدينة هي أنها تختار دائما الطرق الأصعب ولابد أن تدفع السليمانية ثمنها. (نقاش)