الوزير العروبي وعقدة الفلسطينيين في لبنان

هي ليست المرة الاولى التي يتعرض فيها وزير الخارجية اللبنانية ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بشكل جارح للفلسطينيين في لبنان من خلال مواقف، وإن اعتاد عليها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان امام كل حدث له علاقة بالمخيمات اوعلى علاقة بتطورات داخلية لبنانية، ولا نجد لها سببا الا في اطار السجالات والصراعات السياسية والطائفية والكسب المذهبي الرخيص.

فقد قال رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل خلال "مؤتمر الطاقة الاغترابية" المنعقد في نيويورك يوم 17 ايلول "انا مع إقرار قانون منح المرأة الجنسية لأولادها لكن مع استثناء السوريين والفلسطينيين للحفاظ على ارضنا" وتابع يقول " انا مع حق المرأة المتزوجة من اجنبي بإعطاء الجنسية اللبنانية لأولادها لكن دستورنا وتركيبتنا لا يسمحان بمنح الجنسية الى 400 الف فلسطيني".

مجرد الحديث في محفل اغترابي قد يعطي الوزير باسيل عذره، والجميع يعلم معنى الاغتراب اللبناني واهميته بالنسبة للاحزاب التي ترى باغترابها مادة دسمة على اكثر من مستوى سياسية ومادية. لكن ما نجد لمعالي الوزير العذر هو ان يضع معلومة مضللة وغير صحيحة ويبني عليها مواقف واستنتاجات ليست موجودة على ارض الواقع. والمفارقة ان الوزير يعلن مواقفه هذه بشأن منح الام اللبنانية جنسيتها لأبناءها في محفل اغترابي جميع اعضاءه لا يحملون الجنسية اللبنانية ويحملون جنسية بلد آخر..

قد نعتبر مثل هذه التصريحات جزءا من لعبة شد الحبال الداخلية التي تستوجب على الدوام تجميع كل الاوراق والانطلاق بها في عملية هجومية في وجه الخصوم والحلفاء، وايضا امام القاعدة الشعبية التي تتنازعها العديد من التيارات السياسية، وكل منها يسعى الى استحضار اوراق قوته. ودائما ما يكون الفلسطينيون في لبنان هم احد هذه الاوراق، خاصة وانهم بنظر البعض حالة ضعيفة لا يترتب على العابث بها، كذبا وتحريضا مسموما، اية نتائج ومسؤوليات.. وهذه قضية يجب ان تكون برسم جميع القوى والتيارات الفلسطينية المطالبة بوضع حد لكل من يعتقد ان الفلسطيني اصبح مكسر عصا او خاصرة رخوة يمكن لهذا وذاك ان يعبث بها ساعة يشاء، خاصة وانها ليست المرة الاولى التي يكون فيها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان هدفا لرماح قادة التيار الوطني الحر وغيره، رغم ان هذا التيار لم يكن جزءا من الحرب الاهلية اللبنانية ولا توجد عداوات سابقة مع الفلسطينيين، بل ان التيار الوطني الحر، وهنا الدهشة والغرابة، يعلن تحالفه مع المقاومة في لبنان وتعتبر مواقفه من القضية الفلسطينية بشكل عام متقدمة عن غيره لجهة دعم حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية. وهنا تصح مقولة المناضل الراحل شفيق الحوت "مع فلسطين وضد الفلسطينيين".

ورغم مرور اكثر من ربع قرن على انتهاء الحرب الاهلية ودخول لبنان مرحلة السلم الاهلي، اقله من الناحية النظرية، يبدو ان علاقة الفلسطينيين ببعض القوى والتيارات اللبنانية لا زالت تحتاج الى الكثير من العمل والجهد، خاصة وان بعض هذه القوى لا زالت تعيش وتتغذى على موروثات الحرب الاهلية وتاريخها الاسود لا لهدف سوى لإظهار وطنيتها وقوميتها انطلاقا من اشهار عداءها ليس للفلسطيني فحسب، بل لكل ما هو عربي وعروبي، بغض النظر عن مواقفها الآنية التي قد تتبدل بين لحظة واخرى وفقا لمسار التطورات الاقليمية. خاصة وان الإنطباع العام لدى الكثير من الفلسطينيين، هو ان صورتهم بنظر البعض انهم اعداء للبنانيين، نتيجة خطابات التحريض اليومي التي لا وظيفة سياسية لها الا الاستثمار الشعبي على مستوى الطائفة الواحدة، والا كيف نفسر ان رفض اقرار الحقوق الانسانية جاء من قبل معظم القوى السياسية المسيحية، وهي المعنية بالدرجة الاولى في الانفتاح والتعاون بينهم وبين الفلسطينيين.

رغم ان موضوع الجنسية لابناء المرأة اللبنانية، مطروح منذ فترة وعقدت لأجله العديد من الندوات والمؤتمرات ونظمت اعتصامات عدة بشأنه، وهو اليوم محمول على اكتاف قوى وهيئات وتيارات نسائية وحقوقية ومؤسسات مجتمع مدني ليس من بينها اية جهة رسمية فلسطينية، لكنه ليس موضوعا على جدول اعمال القوى السياسية في لبنان راهنا، الا ان اثارته اليوم من زاوية توطين الفلسطينيين في لبنان وبشكل مبالغ فيه انما يهدف الى تحقيق امور قد لا يعرفها الكثيرون خاصة وان اثارة الموضوع يأتي بالتزامن مع ترشح العماد ميشال عون لانتخابات رئاسة الجمهورية.

فالمشروع الذي يتحدث عنه وزير الخارجية يتعلق بإعطاء الحق للمرأة اللبنانية كي تمنح الجنسية لابنائها، وهذه مسألة وان كانت بديهية في اي دولة تحترم العدالة والقانون والانسان، الا انها في لبنان تزج في البازارات السياسية، كأي قضية مطلبية ومحقة في هذا البلد. وكان الاولى بالوزير ان يطلعنا على عدد النساء اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين، وهم على كل حال ليسوا بالعدد الذي يثير الذعر، كما يحاول الوزير ان يصور وكأن خطرا داهما يهدد الكيان اللبناني، بل كان الاجدى به دعوة اللبنانيات لعدم الزواج من فلسطينيين نظرا للخسائر المترتبة على هذا الامر لجهة امكانية فقدان لبنان لهويته وتركيبته.

من حقك يا معالي الوزير ان تقبل او ترفض منح المرأة اللبنانية الجنسية لابنائها، خاصة المتزوجات من فلسطينيين، لكن تمهل قليلا ولا تلعب بالارقام لأن هذه مسألة قد ترتد على صاحبها وهي سلاح ذو حدين. وعلى سبيل المثال: هل بامكان لبنان ان يعتمد الرقم الذي اعلنته كرقم رسمي، خاصة وان وكالة الغوث والجامعة الاميركية اعلنا بشكل مشترك من خلال دراسة بحثية ان العدد لا يتجاوز 200 الف نسمة. وحتى لو سلمنا جدلا بما قلت بأن العدد هو 400 الف فلسطيني فهل هذا العدد كله مرشح للتوطين من خلال جنسية المرأة اللبنانية وكم من هذا العدد متزوج من لبنانيات، ام ان الامر مجرد مواقف لا وظيفة سياسية لها الا في اطار مسلسل التحريض المتواصل ضد الفلسطينيين والمخيمات لتحقيق مكاسب سياسية وطائفية واستخدام هذه المسألة كصندوقة انتخابية وصندوق بريد حتى لو كان هذا الامر يشكل إساءة كبيرة وجارحة الى الفلسطينيين.

ان مسلسل المواقف التحريضية من مسؤولي التيار الوطني الحر ضد المخيمات وضد الفلسطينيين، حتى على اتفه الاسباب، تؤكد ان هناك عقدة اسمها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان. وبالتالي تصبح هذه القضية الشمّاعة التي يعلق عليها التيار الوطني الحر جميع مشاكله مع الاطراف السياسية في لبنان. والا كيف نفسر إصرارهم على قهر الفلسطينيين تحت اليافطة القاتلة والتي اصبحت كالملء والهواء بالنسبة لبعضهم واسمها "رفض التوطين"، وهذه العقدة اصبحت عنوانا لكل اجراء غير انساني بحق الفلسطينيين في لبنان.. لدرجة ان البعض بات يشكك في الموقف الفعلي لهؤلاء من مسألة التوطين..

فالتيار الوطني كان ولا زال سببا مباشرا في منع وزارة العمل من اصدار المراسيم التطبيقية للتعديلات القانونية التي اقرها البرلماني اللبناني عام 2010 على المادة (59) من قانون العمل والمادة التاسعة من قانون الضمان الاجتماعي، ما جعل هذه التعديلات حتى هذه اللحظة حبرا على ورق، وهو كان اعلن صراحة عام 2010 انه ضد منح اية حقوق للفلسطينيين في لبنان. والتيار ايضا هو من وقف في وجه عملية اعمار مخيم نهر البارد والخلفية ايضا مذهبية، حيث برر التيار رفضه اعمار المخيم وسعي الحكومة لعقد مؤتمر للمانحين بالتعاون مع الاونروا، بأن المهجرين المسيحيين من الجبل لا زالوا مهجرين وعلى الحكومة اللبنانية ان تسعى اولا الى اعادة ابنائها الى قراهم قبل ان تفكر في اعادة الفلسطينيين. رغم ان لا مجال للمقارنة بين عودة مهجري الجبل الى قراهم وعودة نازحي البارد الى مخيمهم استنادا الى وعد قدمه الرئيس السنيورة باسم جميع اللبنانيين بأن العودة الى المخيم مؤكدة وان النزوح مؤقت والاعمار حتمي وعلى هذه القاعدة كان التعاون بين الفصائل والحكومة اللبنانية.

والتيار كذلك هو الذي ما زال يقف عائقا امام المحاولات الجادة لبعض التيارات السياسية بايجاد مخارج تسمح للفلسطينيين بالتملك ولو منزل على خلفية هي في تفاصيلها مذهبية وطائفية، رغم ان تملك الفلسطينيين، سابقا وراهنا لا يكاد يساوي شيئا مقارنة مع تملك العرب والاجانب. والسبب ايضا هواجس توطينية لا نعلم نحن وغيرنا تفاصيلها.

لذلك بات ملحا توحيد المفاهيم المتعلقة بمصطلح "التوطين" وتحديد مدلولاته ونفاهيمه، حتى لا يبقى هذا الامر حجة وذريعة لدى البعض يستحضر على طاولة التجاذبات الداخلية. فلا يعقل ان تبقى الامور على ما هو عليه الآن، بأن كل مطلب محق للفلسطينيين في لبنان يفسر من قبل البعض بأنه جزء من مشروع توطيني بما يقود عمليا الى إبقاء اوضاع الفلسطينيين الانسانية والاجتماعية السيئة على حالها. والاهم من ذلك ان القوى السياسية في لبنان خاصة تلك الممثلة في البرلمان، حلفاء الفلسطينيين وطنيا وسياسيا وطائفيا ومذهبيا، يؤكدون ليل نهار دعمهم لهذه الحقوق ورفضهم لحالة البؤس التي يعيشها الفلسطينيون في مخيماتهم، لكن في واقع الحال جميعهم متفقون على ان العبث بالحالة الفلسطينية في لبنان هي لعبة رابحة.

الا يحتاج هذا الواقع، لحظة تأمل من قبل جميع هؤلاء؟