'عارية أنام والخطايا' .. لغة تتجرد من الجسد

حضرة جسدينا

صدرت المجموعة الشعرية "عارية أنام والخطايا" للثريا رمضان في 2015 عن سلسلة الهام عن الزهاري لبتر للنشر بالجزائر، قام بتقديمها الشاعرين يوسف رزوقة والفلسطيني عبدالسلام العطاري، وقد وردت المجموعة في 100 صفحة وهي مكتظة بقصائد العشق. وقامت برسم غلافها فاطمة الزهراء رمضان.

انبثقت هذه القصائد عن انفعالات امرأة / حيث لعب العنوان على تاء التأنيث: "عارية أنام والخطايا" وهذا يعني مباشرة أنها كتبت بعاطفة أنثوية لا ندرك إن كانت تنزع عنها خطاياها أم تتقنع بها، ومن هناك كان في العنوان الكثير من الخداع الأنثوي. فالعنوان بحد ذاته ومضة شعرية تترك حالة من الدهشة.

وامتزج العري الحسي بالعري النفسي فالمرأة تميل غالبا الى التصوير النفسي، إلى إبراز عاطفة المرأة التي تسكن هذه النصوص التي تطغى عليها لكنها لا تميل إلى التعبير عن العواطف المتوترة السلبية بل تحتفل بطقوس العشق، وتجلياته التي تلمع في هذه النصوص الموجزة، فكل نص هو حبة عقد تتقد برغبة العاطفة يجمعها خيط رهيف من الاحاسيس المتوهجة، عبر كرنفال من المفردات.

فالتجربة الشعرية انبثقت عن الشعور بالعشق. وقد لامست هذه التجربة على أطراف أصابعها رغم أنها مثقلة بها، بمعنى أنها لم تسهب في التعبير عن العواطف وانسياب العبارات والمفردات بقدر ما انغمست فيها فكرا ووجدانا، فجاءت بعض النصوص أشبه بالتأملات الذاتية، وعلى سبيل المثال "أصباح مختلفة" ص37.

ورسمت هذه الحالات بالصور الشعرية التخيلية الكلية المعبرة عن العاطفة الممتزجة بارتسامات حسية التي تعتمد على اللون والصوت والحركة، حيث نشاهد البياض بالعين وبالروح بياض الورد والثلج ويتردد رنين النبض على ايقاع حركة الصعود نحو نقطة افتراضية في نص " أبيض" ص26.

في "حضرة جسدينا" أيضا احتفاء بصفاء الحالة العاطفية وتوهجها وإشراقها عبر الاستغراق الى الإنصات إلى أصوات المساء والسكون والصمت، إلى التقنع بالبياض حد الامتلاء، وتتوهج الحركة وتتصاعد وتيرتها فهي دق على أبواب الأرض ونقر الأصابع للهواء للتعبير عن حالة وجودية تمتزج فيها عناصر التراب والهواء وكل ما يبعث الحياة والخلق.

فلا يخلو نص من مفردات العشق والغرام والحب والعري والقبل. وهي تستعمل مفردات بسيطة وغير مبتذلة معبرة عن الأجواء النفسية، تنسج منها صورا مثقلة ولكنها مشدودة وغير مترهلة، وهي تستعمل المفردة الأكثر تعبيرا عن الحركة الأكثر إيحاء ونفاذا للحركية النفسية، واتقاد العاطفة القادرة على الصنع والتشكيل فهي تخلق امرأة أخرى، تصهرها وتعيد صقلها.

في نص "حائك الحب" ص22 استعملت مفردات الخلق والصنع والمهارة والتشكيل، وتحدثت عن دمية من شظايا وبلور المرايا وترميم الأشواق، ثم انتقلت إلى مفردات الحياكة والتطريز وغزل الخيوط، ثوب من خيوط الشمع. كل هذا التشكيل عبر ايقاد الحب وفتيل الشمع الناعم، فهي تتحدث عن صنع التماثيل كما بيجماليون ومراقصتها.

وقد نسجت من خلال المفردات صورا ارتقت عن الحالات الواعية الى أخرى متخيلة في نص "احتمالات" ص99، بل تجعل أحاسيسها تعبر عن الوظيفة المشاعرية للشعر بالصور، تضع المرأة في قلب العاصفة والريح، وفي المقابل تضع الرجل في موقع العابر، لتعمق مشاعر المرأة وحدتها وحركيتها عكس الرجل.

وتتميز هذه القصائد بوحدة الموضوع وتواتر أفكارها على نحو منتظم ومتجانس وإن تعددت صورها عبر وحدة المشاعر والجو النفسي. فهي لا تنتقل بنا من أجواء قاتمة أو أخرى مضيئة، ولا تنتقل من الفرح إلى الحزن، ولا من الحلم إلى الواقع، بل تنسج القصيدة موضوعها في جو نفسي خاص وعلى سبيل المثال في قصيد" القدح الأولى" ص 19 فهي تعبر عن تجليات الحلم أو "كذبة نيسان" ص35 للتعبير عن جو النشوة عبر سلسلة من الصور لا سلسلة من الأجواء النفسية.

"عارية أنام والخطايا" هي قصائد نثر مفرداتها مشدودة شدا، لا تعتمد الفراغ والنتوءات فهي تعبر عن حالات بوح وعن تصوير مشاعر، تشد العبارات بعضها وتتعاضد ولا تتفرق ولا تتشظى، تغيب عنها تقنيات التقطيع لأن الشاعرة لا تميل الى الصورة الشعرية الممتدة التي تستعمل أكثر من استعارة وتشبيه لصورة واحدة, هي قصائد نثر تسرد فيها حالة، تحدثنا عنها وتنهيها بصورة استعارية تحلق بعيدا ولا تتلطخ على الوحل.

وهي لا تبحث كيف تغادر القصيدة بل كيف تترك النهاية معلقة.

فالنهاية هي اللحظة الشعرية التي بدأت من خلالها القصيدة، التي تسرد حالة ولكنها تستعير خاتمة فهي لا تنزل بنا إلا لنصعد من خلال الخاتمة، فهي تميل إلى السرد الذي لا يلتزم بمنطق انفراج الذروة لأن السرد هنا يسرد اهتزاز المشاعر ورعشات الروح.

قصيدة النثر سرد في غياب الحدث هي تعبير عن موضوع وحالة نفسية ففي قصيدة "غبار الذاكرة" ص96، هي لا تصف الواقع مباشرة ولكن تحاول خلق حدث تنحته اللغة ويضخه الخيال، فيه الكثير من جماليات الصورة السينمائية، وفيه الكثير من الإشارات الجمالية الخاطفة التعبيرية.

كذلك تميل الثريا رمضان في هذه النصوص الى تجنب الغموض والرموز التي يصعب تشفيرها، أو الغوص في أجواء التعتيم عبر الإيجاز والاقتصاد في اللغة، والكثافة الدلالية، إذ تبعث الدهشة: دهشة الحلم، دهشة الرحيل، تلبس العاطفة بالفكر والخيال، والصور الحسية بالمعاني، وتعتمد خاصة على التجسيد وتتجنب التشخيص.

"عارية أنام والخطايا": نحن أمام لغة تتجرد من الجسد وتثخن فيها الروح وتبعث فيها الحياة والحركة، والإحساس الذي يتجسد عبر صور خيالية

لا يعبر عن الذات فقط بل عن مشاعر الاخرين ايضا.