العلاقات التونسية الإيرانية.. الشد والجذب

إيران أول المرحبين بربيع 2011

عرفت العلاقات التونسية- الإيرانية توترا مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، بينما توطدت علاقة طهران بحركة "النهضة الإسلامية" في تونس. غير أن هذا الوضع انعكس مع بداية التسعينيات من القرن نفسه، فتقرّب النظامان على حساب علاقة طهران بالحركة، من أبرز مناصريها في منطقة المغرب العربي. وانتهى الأمر بأن اعتذرت طهران عن استقبال الشيخ راشد الغنوشي، معللة ذلك بأنه يسيء لعلاقتها مع تونس.

ولعل أبرز موقف من الثورة الإسلامية بإيران في المغرب العربي -بعد موقف الجزائر الرسمي- كان تأييد حركة النهضة وزعيمها الغنوشي لثورة آية الله روح الله الموسوي الخميني والاحتفاء بها. وفي الثمانينيات كان يطلق على أعضاء حركة النهضة في تونس اسم "الإيرانيين".

منذ سنة 1990 أعادت الدولتان علاقتهما الدبلوماسية، وتجسد تطور ونمو علاقتي البلدين في عديد من المجالات، حيث تم إنشاء لجنة مشتركة دائمة تنعقد كل ستة أشهر برئاسة نائب رئيس الجمهورية الإيرانية والوزير الأول التونسي، أي بمعدل اجتماع سنوي في كل عاصمة. ويقام بشكل متزامن مع انعقاد اللجنة الدوري منتدى سنوي يضم عددا كبيرا من رجال أعمال الدولتين.

عبرت تونس في العديد من المناسبات عن موقفها الداعم لإيران في حقها في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وكانت من أولى الدول العربية المرحبة بتوقيع الاتفاق النووي، حيث قالت الخارجية: إن "تونس ترحب بتوصل إيران والمجموعة السداسية إلى توقيع اتفاق نهائي حول برنامج إيران النووي، ينهي أزمة تواصلت لأكثر من عقد من الزمن، ويسهم في بناء الثقة بين جميع الأطراف، ويضمن أسباب الأمن والاستقرار في المنطقة". كما شددت الوزارة "على حق جميع بلدان العالم في امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية، وذلك في نطاق الاحترام الكامل للاتفاقيات الدولية والشروط والضمانات التي تعمل بمقتضاها الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

شهدت العلاقات بين تونس وإيران عديد مراحل الشد والجذب، إلا أنها في مجملها علاقات قوية يشيد بها كلا الجانبين، حيث عرفت العلاقات التونسية- الإيرانية توترا مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وخاصة بعد قيام الثورة في إيران، حيث لم يكن الرئيس التونسي الأسبق "الحبيب بورقيبة" متحمسا لها.

مع قيام الثورة التونسية عام 2011، كانت إيران من أبرز المرحبين بها، حيث اعتبر الرئيس الإيراني السابق "أحمدي نجاد" أن الثورة التونسية هي ثورة شعب انتفض ضد الديكتاتور المدعوم من الغرب، واستقبلت طهران بعد الثورة مباشرة بعض النخب الثقافية والسياسية والسنمائية التونسية، وذلك لتطوير العلاقات بين هذه النخب ونظيراتها الإيرانية.

تراجعت العلاقات الاقتصادية بين تونس وإيران بعد فرض العقوبات الأممية على طهران؛ إلا أنه على الرغم من ضعف المبادلات الاقتصادية التونسية الإيرانية، فقد شهدت الأعوام القليلة الماضية تطورا سريعا في مجال المبادلات الثقافية والعلمية.

عموما، يتضح أن العلاقات الإيرانية- التونسية كانت علاقات جيدة -إلى حد ما- على الرغم من بعض التوترات التي شهدتها بعد الثورات التي عرفها كل من إيران وتونس، وقد حكمت هذه العلاقة طبيعة الجغرافيا السياسية، إذ يمكن اعتبار أن جميع الدول المغاربية كانت -إلى حد ما- متشابهة في تطور ومسار علاقتها الخارجية بإيران، ويمكن أن نستثني من هذا الطرح الجزائر، التي بعكس المغرب وتونس، طبعها انتقال من النقيض إلى النقيض.

وضعية الشيعة- دستور ما بعد الثورة

صنفت عدة تقارير إعلامية ومقالات صحفية ومواقع إلكترونية الجمهورية التونسية من البلدان التي تشهد "حركة التشيع" بشكل سريع وواضح المعالم، حيث قدّر مركز "بيو""( PewResearch Center) الأمريكي عددَهم سنة 2009 بـ(102) ألف، في ظل هذه "الحركة الشيعية"؛ كيف تبنى دستور تونس ما بعد الثورة حرية المعتقد؟ وكيف يحمي الدستور التونسي الأقليات الدينية؟ وما هي وضعية الشيعة كأقلية دينية في تونس؟

عرفت تونس التشيع منذ فترة طويلة، واليوم يوجد الشيعة في أغلب المدن والولايات، أهمه:ا قفصة وقابس والمهدية... وأيضا تونس العاصمة، وتتجلى نشاطاتهم بإحياء المراسم الدينية والمذهبية مع تبادل الكتب والأشرطة الصوتيّة، وبحكم أنهم أقلية دينية كما ذكر في تقرير الشرق الأوسط فهم يشتغلون وفق عمل منظم.

وتعتبر ثورة تونس (ثورة الياسمين)؛ التي اندلعت أحداثها في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 تضامنًا مع محمد البوعزيزي الذي أضرم النار في جسده، مما أدى إلى اندلاع المظاهرات وخروج آلاف التونسيين الرافضين لأوضاع تونس، ونتج عن هذه المظاهرات مئات القتلى والإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي، وإقالة عدد من الوزراء. وقد شكلت الثورة التونسية بداية للربيع العربي (الثورات العربية)، وتعتبر هذه الثورة أهم حدت غير الحياة السياسية في تونس والشمال الأفريقي، وهذا الأمر راجع إلى الافتقاد للحريات.

وتأييد إيراني للإسلاميين التونسيين

وبعد الثورة، ولأول مرة في العالم العربي، تمت دسترة حرية الضمير، حيث جاء في الفصل السادس من الدستور ما يلي: "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح، وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها". حيث أصبح بإمكان الفرد تأسيس مجال خاص به، يختار فيه عقائده أو غيرها كما يشاء دون أية وصاية من الدولة، وذلك سعيا لبناء الديمقراطية داخل البلاد.

لكن هذا الفصل لا يسري على الجميع، حيث نجد رئيس الجمهورية يشترط عليه أن يكون دينه الإسلام، وكذلك أعضاء الحكومة ومجلس نواب الشعب، حيث يلزم عليهم تأدية القسم، كما يحرم من مارس حرية المعتقد من أداء قسم يعكس التزامه الفكري والعقائدي.

الجدير بالذكر الصدمة العميقة التي أحدثها هذا الفصل من الدستور، على مستوى العقل الجمعي الإسلامي في تونس وفي العالم العربي، حيث تمت قراءته كبداية تفكيك لثوابت الأمة وعلمنة العالم الإسلامي، لكن في الوقت نفسه بدأت نقاشات في دول عدة، خصوصاً تلك التي تعاني من عمق المشكلة الطائفية، حول إمكانية استلهام النموذج التونسي، وحول ضرورة الدولة المدنية وحرية الضمير لكونها الطريق نحو السلم المدني، بفضل مركزية المواطنة التي تعوض مركزية المعتقدات الطائفية. لكن ما يدل على التحول الأخلاقي الاستراتيجي أيضا هو موقف حركة النهضة التي اعتبرت الدستور متوافقا مع المقاصد العليا للشريعة، وأكدت أن المدنية جزء من روح الإسلام، في حين رفضت المؤسسات الدينية الفصل المتعلق بحرية المعتقد، لأن فيه إسقاطاً لإجماع الأمة.

وفي ظل محاولة إرساء معالم الديمقراطية، قام المشرع التونسي بحماية الأقليات الدينية في تونس، خاصة في دستور ما بعد الثورة، ومنح حق ممارسة الشعائر الدينية وحرية المعتقد في الفصلين الثاني والسادس من الدستور الجديد، ويعتبر هذا الأمر ضامنا لحقوق الأقليات الدينية وللتعددية الاعتقادية والمذهبية وحق الاختلاف. وفي هذا السياق يمكن أن نستشهد بقول الدكتور صبحي غندور: "أن خصوصية المجتمع التونسي في تركيبته الدينية والعرقية، وعدم وجود تعددية طائفية أو مذهبية أو عرقية، قد يسّر نجاح الانتفاضة، فالهدف واحد، وليس لكل طائفة دينية أو عرقية أهداف مختلفة، لذلك فلو حدثت التجربة التونسية في دول أخرى ذات تعددية دينية أو إثنية فلابد وأن تكون النتائج مختلفة".

إن الدستور الجديد وخصوصية المجتمع التونسي وعلاقة التيار الشيعي في تونس بباقي التيارات الإسلامية؛ كلها عوامل أسهمت في ظهور سؤال ماهية "الحركة الشيعية" وانتشارهم في مختلف المدن والولايات بتونس. فما طبيعة العمل التنظيمي للشيعة بتونس؟ وما هي أنشطتهم الثقافية والسياسية؟